سوريا: يصارعك الكمبرادور وإن هادنته

كي يتوقف غزل المثقفين والأمن

عادل سمارة

لا يمكن لمخلص أن يتعامل مع الوضع السوري بعيدا عن البدء من العدوان العالمي على سوريا أو بعيدا بالمقابل عن الاندهاش لقدرة الاحتمال الشعبي والعسكري ومن ثم صد الهجمة والبدء بتحرير ما سيطرت عليه الثورة المضادة من الجغرافيا والذهنية الشعبية.

فمتابعة معارك الجيش العربي السوري تبين أن الثورة المضادة بدأت قوية بالعدد والسلاح والعتاد واللوجستيات والإعلام مما مكنها من السيطرة على بؤر كثيرة في جغرافيا البلد، وتقطيع كثير من أوصاله إلى الحد الذي سمح لها بإقامة سلطات متعددة في أجزاء من المدن.

ولكن الأخطر من كل ذلك أن هذه القوة والعدد الهائلين تم تكريسهما لتخريب الاقتصاد السوري وسرقة العديد من المصانع في محافظة حلب حيث البنية الصناعية الأساسية هناك وبيعها للعدو التركي. ولا شك أن الثورة المضاددة مقودة بالولايات المتحدة البلد الراسمالي الأكثر تطورا، تعرف جيداً ما معنى تخريب الاقتصاد لدى أناس يعملون من أجل إسقاط دولة وليس فقط نظام حكم.

وإذا كنا نتندر اليوم بالمرات العديدة التي كانت الثورة المضادة تتوقع سقوط النظام، وتطلب من واشنطن مهلة  بعد أخرى، شهرين بعد شهرين ورمضان بعد آخر وعيد اضحى بعد الذي سبقه، فإن هذه المُهل لم تكن من فراغ على ضوء حجم التخريب الهائل الذي مارسه هؤلاء وعلى ضوء الإمكانات الهائلة التي حصلوا عليها باكراً سواء من حيث المال والسلاح والذخائر والمجندين من الخارج والداخل والإعلام وشراء المثقفين من  مثفقي الدين السياسي (وهابي/سلفي وإخواني) ومن تروتسكيين ولبرالييين…الخ.

ويبدو اليوم أن المهلة قيد التداول هي المهلة الاقتصادية  ولا سيما الحرب على الليرة السورية من جهة وعلى الأجنحة اليسارية في السلطة الحاكمة. وكأن العدوا يتنقل من تسخير ثقله ضد الجيش إلى تسخير ثقله ضد العملة والأجنحة الثورية في السلطة.

 

تسهيل المُهل من أجنحة في السلطة والمجتمع

في تموز لعام 2011 بعد عودتي من الجزائر سمعت من أصدقاء قوميين ويساريين في عمان  بأن هناك أجنحة في السلطة السورية تبيع أسلحة للإرهابيين علانية وتتحدى النظام بأنها تجلب للبلد العملة الصعبة، ومعروف بالطبع أن من يحوز على العملة الصعبة في بلدان المحيط غالباً ما يودعها خارج بلاده، فكيف حينما تكون البلد فتحت عدزان عالمي ويكون الحائز كمبرادور!

 وبالطبع، فتلك أمور يصعب تخيلها لولا أن لدى المرء صورة عن مدى رسوخ الفساد في سوريا عبر فترة طويلة من الزمن كنت لمسته منذ عم 1965 اثناء تنقلي بين عمان والشام وبيروت ضمن حركة القوميين العرب وكيف كنا نرشي ضباط الحدود آنذاك وبمبالغ زهيدة لتمرير ما نحمل من أمور تخص العمل السياسي.

وطوال فترة الأزمة، لم استسغ إثارة هذه القضايا اعتقادا مني  بأن هذا قد يُضر بالقوى الوطنية والقومية واليسارية الحقيقية في البلد، وقد يراه البعض موقفا ضد سوريا في محنتها أو يراه مداحوا النظام من المثقفين القوميين محترفي مدح الأنظمة القومية  هجوما على النظام أو رفضاً لتقديم أختام الطاعة والولاء له. ولكن موقفين على الأقل شجعاني على الكتابة مؤخراً في هذا الأمر المعلن والمعروف بل الذي تتوجع منه سوريا. كان الموقف الأول حينما شاهدت على الفضائية السورية لقاء مع السيد قدري جميل وقد قامت الموظفة باستفزازه مرات عدة دونما مبرر ملموس. وأعتقد أن وراء هذا واحداً من سببين:

  • إما أن سوريا  اصبحت دولة ديمقراطية قرمطية أو بديمقراطية اثينا
  • أو أن السيدة مدعومة او تنتمي لتيار يود إلقاء عبء الأزمة الاقتصادية على الرجل.

والموقف الثاني هو ما قرأته من مقاربات لأزمة الليرة ولكن بشكل خاص مقالة السيد إبراهيم الأمين في الأخبار اللبنانية حيث تطرق بوضوح إلى ما تطرقت له مقالتي الطويلة في كنعان الإلكترونية بأقل وضوحاً.( كنعان النشرة الإلكترونية، العدد 3248 10 تمّوز (يوليو) 2013 : الاقتصاد السوري من وصفات الأكاديميا إلى الحماية الشعبية، د. عادل سمارة.)

وإن كان لي أن  استنطق السيد قدري جميل، فإنني رايت بأنه بين الأدب وبين الحفاظ على التحالف السياسي الحاكم، وربما هو حاكم في الحكومة وليس في بنية الوزارات والإدارات …الخ، بين هذا وذاك لم يقل الرجل للسيدة: يا سيدة هناك شرائح طبقية في بنية النظام وهي لها أذرعها في اللأمن والاقتصاد وهي مضادة للثورة ولست أنا الذي بوسعه اجتثاثها ولو كان ذلك بوسعي لما وصل هؤلاء إلى مواقعهم هذه. لم يكن بوسعه القول إن الثورة المضادة في بنية السلطة ويجب خوض معركة صراع طبقي معها.

وأعتقد بدوري أن هذا هو أحد الجوانب الذي لم يراه مروجوا الصراع الطبقي حينما وضعوا كامل التظام في سلة واحدة، ورأوا في اجتذاب الثورة المضادة لعناصر البروليتاريا الرثة حالة صراع طبقي. وبالطبع كان هؤلاء من الجبن النظري عاجزين عن رؤية مخاليط هذه الثورة المضادة التي راسها في واشنطن وذنبها في الدوحة، ومن عجب أن يكون لحيوان كهذا مضمون صراع طبقي رغم احتوائه على أعداد كبيرة من شديدي الفقر.

 

الأمن ومثقفو البلاط

لقد نجحت الدولة الأمنية في تثبيت نفسها في حقبة تعدد الأقطاب لأن الأمن كان يحميها داخلياً، والقطب الاشتراكي كان يمنع احتلالها مجدداً من قبل المركز الإمبريالي، بينما كان غياب هذا التعدد وخاصة القطب الاشتراكي وبالاً جر معه مذابح دموية أودت بالعراق ويوغسلافيا وليبيا. وليس جديداً القول بأن بروز القطبيات الجديدة لجم العدوان الجوي الغربي على سوريا، بينما استخدم الغرب كل ما لديه ضدها.

لعل من اللافت والمزعج أن كثيرا من المثقفين العرب الذين اعتادوا مدح الأنظمة قومية الاتجاه قد واصلوا مديح النظام السوري في السراء والضراء (أ ي حينما كان القطاع العام كبيرا وللدولة دور تدخلي في الاقتصاد، وكذلك حينما تورطت سوريا في اقتصاد السوق الاجتماعي) فهم مع النظام بغض النظر اية شريحة تحكم واي توجه اقتصادي اجتماعي لها!!!! ، مبتهجين بتلقف الأجهزة الأمنية لهم وهو الأمر الذي:

  • إما  أعماهم عن الإشارة إلى خلل في بنية السلطة وسياساتها الاقتصادية الاجتماعية  ولا سيما الأجهزة الأمنية التي فشلت معظم أجنحتها في توقع ومواجهة المؤامرة ولم تتمكن من صد الهجمات الأولى للثورة المضادة.
  • أو هم طبقيا وفكرياً مع السوق الاجتماعي بمعنى أنهم قوميين كلاسيكيين يقوم خطابهم القومي على خدمة البرجوازية، اية برجوازية، وهو التوجه الذي انتهى قُطريا ولا سيما في العراق والشام.

ولعل ما نخشاه هو أن هؤلاء المثقفين قد عقدوا صفقة مديح مع الأجهزة الأمنية حتى في ايام المذبحة  مكررين دورهم ما قبل الأزمة في ضيافة النظام ومديحه وكأن شيئا سيئا او خطراَ لم يكن.

إن تكرار كثير من المثقفين لأسلوب عمل وطبيعة خطاب ما قبل الأزمة هو خطر كبير الآن لأنه يصب في مساعدة قوى الثورة المضادة الموجودة في السلطة على إعادة سوريا بعد النصر إلى ما كانت عليه مما يعني انتهاءها وضياع هذا الكم الهائل من الشهداء والخراب والمواقف الممانعة. ليصبح كل ما حصل تأديب لسوريا القومية والممانعة وانتصار نهائي ليس للسوق الاجتماعي بل للبرالية المتوحشة في المحيط حتى وهي تحتضر في المركز!!!

بل أعتقد الآن ان على كل مثقف وطني وقومي وشيوعي شريف أن يطالب بتنظيف طبقي في بنية النظام  اي صراع طبقي ضد الأجهزة الأمنية التي عاثت خرابا وضد الكمبرادور والطفيليين والفاسدين  لأن هؤلاء يخدمون الثورة المضادة بالوعي أو الضرورة، وذلك سيان.

إن ما نريده لسوريا ابعد بكثير من عودة الدولة الأمنية، وابعد بكثير من سوريا موحدة وممانعة ومقاومة. بل لا قيمة لسوريا حتى مع الانتصار إذا ما عادت إلى أمرين قاتلين:

  • الانحصار القُطري بدل الهجوم القومي على صعيد المشرق على الأقل
  • العودة لاقتصاد الانفتاح الذي خلق أرضية للثورة المضادة وهي الأرضية التي إذا ما تكررت لن تمر دون صراع طبقي مفتوح.

فلا الطبقات الشعبية التي ناضلت ولا أجزائها التي انحازت للثورة الضمادة قهراً أو انخداعاً أو فقرا أو كقراً، ولا الجيش الذي ناضل ببطولة خارقة، لن يسمح هؤلاء جميعا وهم من الطبقات الشعبية، لن يسمح بسوريا ذات اقتصاد لبرالي  منفنح بلا قطاع عام وبلا دور للدولة وبلا تعاونيات وبلا توجه اشتراكي، ولن يسمح بسوريا  غير عروبية وغير مقاومة وممانعة.