مصر: وساطة الثورة المضادة وإرهاصات الثورة

ومتى يلد البديل؟

عادل سمارة

لا يرغب المرء أن يبدو ساذجاً، ولكن لا بد من دهشة حين قراءة لذلك الولاء الهائل للغرب الرأسمالي، في ثقافة وسلوك كثيرين في الوطن العربي فهو  يُشعرك بصدمة تبد ومن شدتها كأنك ساذجاً. فهذا الغرب يكمن أو يتجلى في مختلف مستويات الحياة السياسية والثقافية في موقع المثال رغم أن تاريخه وواقعه ليس أقل من إسالة الدماء.

لا استطيع قراءة هؤلاء خارج موقفي وقناعتي وهو ما أسميته استدخال هؤلاء للهزيمة(منذ عام 1994مجلة كنعان العدد 55 آب 1994 التنمية، استدخال الهزيمة والبديل) في بنية وثقافة وممارسة سياسيين أو مثقفين (لبراليين او ما بعد حداثيين) هو استدخال أُقيم اساسا  على ارتباطات  نجمت عن انخراقهم باكراً. فمنهم من طُلب منه ممارسة عداء وطنه مباشرة ومنهم من جرى تخزينه/توقيته لزمن قادم آخر.

في هذا السياق لا تستطيع قبول القول بأن قناعة فكرية لشخص ما (هو أو هي سيان) تسمح له بخدمة أعداء وطنه وبلده على حساب وطنه وبلده وشعبه، ولا تستطيع رؤية ذلك “اجتهادا”. ولذا، نواجه اليوم التحدي الصادم: هل يمكن لحامل اي فكر أو عقيدة أن لا يكون وطنياً، وأن يُغلِّب ولائه للعقيدة على ولائه للوطن؟ بل اين يمكن أن نجد أمة فيها هذه الإشكالية وهذا التناقض بين الولاء للوطن والشعب وبين الولاء للعقيدة؟ وإن لم تكن لخدمة الوطن وإنسانه، فمن أجل من هي؟  ألا نلاحظ من هذا أن طريقة فهم العقيدة والنظرية هو شكل مشوه!

بعد ناصر، قُيِّدت مصر بسلسلة من طبقات وشرائح متخارجة تبدو مقتتلة ولكنها بجميع حلقاتها ترتبط بسيد واحد هو راس المال الغربي الأمريكي والصهيوني بدءا من السادات فمبارك فمرسي فالصراع على ضبط الخليط الحاكم الحالي في مصر. ولا استطيع في قراءة ذلك  التخلص أبدا من حقيقة قاتلة لكنها حقيقة وهي: إن تتبيع شخص او حزب أو نظام أو مجتمع يجب أن يأتي ليس من إفقاره وحسب، بل أساساً من آلية تجريده من قدراته الإنتاجية ومن توكيل أُناس عليه يقوضون مواقع الإنتاج فيه كي يبقى اسير تبعية حتى لو يكرهها ، لا يمكنه الخلاص منها سوى بانفجار اجتماعي هائل يقوده حزب ثوري حقيقي. إن سحر المال لا يمكن محقه سوى بسحر تحليل وتبني مبضع الاقتصاد السياسي والمشروع التنموي باتجاه اشتراكي . إقرأ الثقافي ولكن دعك من الارتكاز عليه وحده، فهو بدون العامل المادي  مجرد سيقان من قش تحاول او تزعم انها قادرة على حمل جبل. فالويل لمن يتصور صحة ذلك فردا أو أمة.

تتصارع مصر اليوم قوتان:

  • الإخوان المسلمون وحلفاؤهم (قوى الدين السياسي)
  • والخليط الحالي وهو تحالف قوى دين سياسي وناصريون وكمبرادور وفلول وقوى الشباب وقيادة الجيش.

ورغم التصارح الشديد، فإن بين الطرفين تشابهات وتقاطعات.

فلعل الفارق بين البرادعي وقيادات قوى الدين الإسلامي السياسي الإخوان والسلفية الوهابية من الفريقين، أن البرادعي دخل مطهر التبعية للغرب الراسمالي باكراً ومن بوابة اللبرالية وهي بوابة تودي بكثيرين إلى حضيض العمالة بعقيدة وليس فقط بمأجورية، بينما قيادات الدين الإسلامي السياسي تبدأ عن رؤية خاصة بالدين (بالثقافي)  ولكنها تنتهي بحكم الاستمرار وصلابة الواقع إلى اكتشاف أن مصلحتها في التبعية (العامل المادي) فتتورط في الموقف ذاته. وهذا ربما ما يفسر مواقف الغنوشي وخيرت الشاطر  وأبو الفتوح والحوازم…الخ وبالطبع محمد مرسي.  بغير هذا يكون لنا أن نسأل: لماذا تتزاحم الوهابية/السلفية والإخوان على أبواب الولايات المتحدة؟ هل هناك وصية قرآنية بهذه العلاقة!!!

أما أنظمة الدين السياسي، في الجزيرة والخليج، فهي أنظمة لا علاقة حقة لها في الدين والتدين الحقيقيين لكنها أنفقت على تحويل الدين إلى غطاء  دورها التابع وتمويلها للثورة المضادة وخاصة تنظيم قوى إرهابية بالمطلق تعاني من فُصام الجبن عن مجرد التفكير في عمل ضد الصهيونية والسيد الأبيض، وبالمقابل ممارسة القتل في بني جنسها بوحشية لا حدود لها، وكأنها تعوض خنوعها لدى السيد بالاستئساد على العرب والمسلمين!

قد يسأل البعض: طالما انظمة الدين السياسي وقيادات قوى الدين السياسي انظمة تابعة ولا وطنية، فلماذا يقف رجال الدين في خدمتها وتعظيمها!!! وهذا يجد تفسيره في المواقع الطبقية والمصلحية للمؤسسة الدينية بمثقفيها العضويين لأنظمة/طبقات الدين السياسي.

لعل الوجه الأخطر لمصر الآن هو البرادعي الذي يمثل الارتباط بالدبلوماسية والمخابرات الأميركية وهو ما تدل عليه وظيفته في إحدى أكثر مؤسسات الأمم المتحدة التابعة لواشنطن، وهو ما تجلى في دوره في تبرير ضرب العراق، وحينما تم تصديره إلى مصر، استكمل دوره ضد القومية العربية بأن أعلن موقفه ضد عبد الناصر ومع كامب ديفيد وضد الاشتراكية الناصرية حين قال لصحيفة اجنبية “…عبد الناصر كان يريد تاميم الدكاكين”.

والوجه الأخطر في مصر، في الاقتصاد هو حازم الببلاوي اللبرالي اقتصاديا والسلفي  عقائدياً، وهذا النوع من الناس هو افضل تعبير عن التحالف بين اللبرالية والراسمالية والدين السياسي.

آن لنا أن نعترف بأن الطبقات الشعبية في مصر والتي تدفقت إلى الميادين منذ 25 يناير 2011، وحتى 30 يونية 2013، مدفوعة برفض التجويف والتجريف (على يد السادات ومبارك) ومدفوعة برفض التجويع والترويع على يد قوى الدين السياسي (مرسي والشاطر…الخ)، وهي الطبقات التي انقسمت ولاء إلى قطاعين: قطاع مأخوذ بالدين السياسي كقاعدة للإخوان المسلمين، وقطاع أوسع مأخوذ بخليط بين الدين السياسي والوطنية المصرية والانخداع بفلول نظام مبارك ومسحات لبرالية (الطبقة الوسطى). إنها قاعدة شعبية موزعة بين قادتها وسادتها من راس المال الطفيلي والكمبرادوري والتابع في النهاية للمركز الرأسمالي المعولم. راسمال تابع تتصارع شرائحه فيما بينها على السلطة وفتات التبعية والتبعية نفسها.

إن القاعدة واحدة لكل من الإخوان من جهة والسلفية الوهابية من جهة ثانية، والقيادة واحدة هي راس المال الكمبرادوري والطفيلي ورجال الأعمال والخدمات  ولكنها منقسمة إلى صراع الشرائح وولاءات خارج مصر وهي بارتباط مع أنظمة الدين السياسي الخليجية، بينما الراس الأساس والقيادي واحد هو الولايات المتحدة رأس المركز الإمبريالي حتى الآن. وإلا ما معنى علاقته ودوره في “المصالحة” بين الطرفين!

وإذا كانت قوى الثورة المضادة ما بعد الناصرية والحقبة القومية قد خلقت العوامل والشروط الضرورية والقوية للتبعية عبر ريعنة الاقتصاد ليعتمد على السياحة وقناة السويس وتصدير قوة العمل بحيث تتحكم هذه القطاعات بالقرار السياسي لأي نظام آت إلى درجة قد يستخدمها (كمنطق) يبرر التبعية والخيانة، فإنها قد خلقت على الضفة الأخرى ما هو أخطر وذلك بتحويل الجيش المصري إلى مؤسسة عسكرية اقتصادية ممولة من الولايات المتحدة كي تضمن تبعية الجيش ووجود مصالح لقياداته يمكنها ان تتمسك بها على حساب الوطن ولتكون الولايات المتحدة ضابط إيقاع حركة الجيش.

هذا مع أن هذه المساعدات تحظى بمبالغة أكبر من حقيقتها، فقد قالت مؤسسة راند ذات العلاقة الوثيقة بالبنتاغون إن «المنطق الرشيد يكمن في كون المساعدات تصب في خدمة الاعتبارات الاستراتيجية الحقيقية» للولايات المتحدة. وأوضحت أن المساعدات الاميركية لا تمثل سوى 1 في المئة من مجمل الاقتصاد المصري، مقارنة بنسبة 7 في المئة كانت تمثلها في العام 1986، فضلا عن ان نحو 80 في المئة من مجمل المساعدات هي عسكرية بطبيعتها وتذهب لشراء معدات أميركية من شركات تنتج المدرعات والطائرات المقاتلة والمروحية”.

 ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل الجيش المصري قادر على استغلال هذه البنية الاقتصادية ليكون المبادرإلى شكل جديد من “كسر احتكار السلاح” أي التوجه شرقا كما تحاول سوريا؟ أي نحو روسيا والصين، وهو توجه يمكن بل يجب أن يسحب معه الاقتصاد…الخ. هذا برسم التطورات وصراع القوى والتجاذبات والهجوم السياسي والدبلوماسي والمخابراتي (الأمريكي الأوروبي الآن على مصر) وبرسم من يُؤمر ليدفع اي الخليج فريع النفط يُؤمر بالدفع لخدمة الغرب الراسمالي.

إذن قائمتا التبعية المخلدة هما:

  • راسمالية تتحكم باقتصاد ريعي خدماتي تابع واقل إنتاجية سوى بصناعات وسيطة وتتنافس بفريقيها على العلاقة بالولايات المتحدة وأوروبا: أي الفريق الوهابي والفريق الإخواني وكلاهما ضمن تحالفات شرائح راسمالية كمبرادورية وطفيلية.
  • وجيش عبارة عن مؤسسة اقتصادية بمراتبية طبقية وبتمويل أجنبي.

وهنا يبرز سؤال آخر: من منهما المؤهل لكسر طوق التبعية للغرب طالما ان القوة الشعبية الثورية لم تتبلور وتمسك بقيادة المبادرات والتطورات؟ لا شك، ان الجيش مرشح أكثر من راس المال التابع. فإذا كان هناك تاثير من العدو الغربي على الجيش تسليحا وتمويلاً، فإن راس المال الكمبردوري هو عميل ببنيته واساسه.  (وهذا شأن الطابور السادس أي الثقافي) أيضاً. في الجيش هناك الشرف العسكري لحماية الوطن، وإن كان قد خانه كثيرون، لكن الكمبرادور والفساد فلا قَسَما ولا شرفاً. وبالطبع هذه ليست ضوابط لأن المصالح اقوى.

مصلحون أم مسيطرون

 

بغض النظر عن كون 30 حزيران قد اتى بما لا يتوقعه البيت الأبيض أم لا، فإن طرفي الصراع الحالي في مصر على علاقة بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهذا يسمح لهؤلاء الأعداء أن يواصلوا تخريب مصر وتكريس دور الثورة المضادة.

فالإخوان المسلمون يشكلون قطبا قويا في مصر ولهم تحالفاتهم في معسكر الثورة المضادة سواء تركيا أو قطر او التنظيم العالمي للإخوان بما في ذلك حركة حماس. بل ويحظون بتأييد قوى “ماركسية” رغم صغرها مما يعطيهم تلميعا خاصا ويجعل منهم “خليطاً” وإن بدرجة أقل من السلطة الحالية. وإلا كيف يقوم اشتراكيون ثوريون بالتضامن مع الإخوان في مسجد رابعة العدوية والإفطار معهم في رمضان مثل “هيثم محمدين احد قيادات حزب العمال مع كمال خليل وعضو الاشتراكيين الثوريين ايضا وسامح نجيب” وكذلك اللبرالي أمريكي  وعمرو حمزاوى؟

وبالمقابل فإن الخليط الذي تسلم السلطة اليوم منخور بالفلول واللبراليين وخاصة البرادعي وعمرو موسى (وهو فلول ولبرالي معا) وصهيوني كذلك. هذا إلى جانب ناصريين بلا قيادة ناصرية، وهناك قيادة الجيش التي تتنازعها الوطنية المصرية والارتباط بالولايات المتحدة، وهناك طبعا حركة تمرد والقوى الشعبية التي هي القاعدة الحقيقية ولكنها ليس القيادة الحقيقية.

أمام وجود خطوط مفتوحة بين طرفي الصراع فيما بينها حيث التحالفات بين التشابهات قابلة للحراك الهلامي المتردد بين هذا وذاك. هذا من جهة،  والخطوط المفتوحة بين كل طرف والغرب، كل هذا جعل من السهولة بمكان توافد ممثلي الغرب عامة إلى مصر والحديث عن المصالحة بين طرفي الصراع واللعب بالموقف قدر الإمكان، بمعنى تصريحات حادة من البيت الأبيض لصالح الحفاظ على مرسي، والإيعاز للوهابيين في السعودية والإمارات بتقديم الدعم للنظام الجديد!

وهذا يطرح السؤال المركزي: هل هذا العدو التاريخي وصاحب المصالح القاتلة في مصر والوطن العربي معني بإصلاح ذات البين أم أن مصلحته في تفكيك مصر!

ولكن يبقى السؤال: هل يمكن للخليط وخاصة الفريق السيسي وتمرد تقديم مرونات تهز معسكرهم؟

في الحقيقة لا. خاصة وأن الجيش تحديدا يواجه مشكلة حقيقية وهي سيناء التي سوف يقتنص الكيان الصهيوني اية فرصة مناسبة لإقامة دولة فلسطينية في غزة واربعين بالمئة من سيناء. وهذا يعني ضرورة حسم الجبهة الداخلية قبل عملية واسعة في سيناء. وقد يكون هذا ما يدفعهم لتقديم مرونة للوسطاء.

ولكن،

 

أين يكمن المطلوب الفعلي؟ أين يكمن المطلب الثوري؟ ربما من الممكن حتى يتكون التنظيم الثوري  وحتى بعد تكوينه، يمكن البدء بتشكيل برلمان شعبي ثوري من ممثلين للعمال والفلاحين والمرأة والطلبة ومثقفين (ليس من الطابور السادس) ويكون لهذا الدور في رسم استراتيجية وتكتيك العمل الثوري الفوري ويلتقي هؤلاء مثلا وعددهم مئة كل ثلاثة اشهر، ويفرزون مكتب سياسي يتابع الأحداث ويعود للبرلمان هذا بشكل دائم كي لا يتبقرط. وهذا التعبير السياسي عن الأمر. ولكن،  ربما ليس ضروري تسمية هذا حزبا الآن، بل مجلس  شعبي . انا لست في مصر، ولكنني لا اعرف مدى إمكانية أن يتم الحديث عن مجالس فلاحية وعمالية في المصانع وحركات المطالبة بالمصانع وباستعادة الأرض. ليس دور الثوريين فقط التحريض السياسي، يجب أن يبدأوا بانخراط الناس في تكوينات محددة على الأرض وتكوين بؤر للعناية بالشؤون اليومية للناس، هذا المناخ المنفلت له وجه آخر وهو الوجه الديمقراطي الشعبي. إن مجالس عمال، فلاحين، أحياء…الخ في الأرياف والمناطق الصناعية هو تثبيت اسس للثورة الحقيقية.