هل نحن “همجيون”؟

المغترب العربي واستدخال الهزيمة

مسعد عربيد

في أمسية ثقافية للمغتربين العرب في لوس أنجلس، ناقشنا أوضاع شعبنا في فلسطين المحتلة ودلالات نكبة عام 1948. وقد استوقفتني ملاحظة أبداها أحد المحاورين:

وافق المحاور على ما ورد في احدى المداخلات من قول ثيودر هرتسل، مؤسس الحركة الصهيونية، قبل أكثر من قرنٍ من الزمن. وكان هرتسل، في مسعاه لكسب دعم القوى العظمى لمشروعه الصهيوني في اقامة دولة يهودية في فلسطين، قد قال ما مفاده: سنقيم هناك في [المشرق العربي] جزءً من حائط لحماية أوروبا يكون عبارة عن حصن منيع للحضارة [الغربية] في وجه الهمجية.[1]

ولعل أهمية الرد على مثل هذه الطروحات يتجاوز اطار الحوار في ندورة مهجرية، كما يتجاوز المغترب العربي ذاته، حيث تستلزم مناقشة مثل هذه القضايا في فضائها الأوسع أي كشأن عام يعني كل عربيٍ بل كل إنسان معاصر. ومن هنا، فان الغاية من هذا النقاش هي كشف ودحض مثل هذه الادعاءات والاطروحات العنصرية والاستعمارية التي شكلت الركيزة الأساسية للخطاب الصهيوني والاستعماري لخلق الذريعة لاستعمار الشعوب ونهب ثرواتها، وفي الحالة العربية على وجه الخصوص، تجزئة الوطن العربي وزرع الكيان الصهيوني في قلبه.

هل نحن شعوب همجية؟

سؤال جارح؟

ولمَ لا؟

ألا تفرض المرحلة بكل ما وصلت اليه من حضيض الانحطاط والوحشية والبربرية ومن معاناة وتناقضات، أسئلة جارحة ومرّة أيضاً. لا ضير في طرح السؤال مباشرة وبهذه الفجاجة، فقد آن لنا أن نتحدى عقولنا باسئلة الواقع والمرحلة والتاريخ بعد أن أضحى واقعنا الأكثر بشاعة وتدنياً في تاريخنا وربما في تاريخ الشعوب. فان لم نطرح الأسئلة الصعبة والمؤلمة، فكيف لنا أن نصل الى اجابات وافية؟ لا ضير في المفردات النابية والجارحة حين يكون الواقع قبيحاً ودامياً لا تليق به التحسينات والمساحيق التجميلية التي تعودنا علبها.

عزز صاحبنا موافقته على مقولة هرتسل بالقول بان ما نشهده اليوم ليس سوى حالة همجية. وهو في هذا محق. اذ كيف لنا ان نصف ما تمر به شعوبنا من تخلف وظلامية وعنف ودموية ووحشية، أما في سورية فسفك الدماء وهول الذبح وقطع الرؤوس وشيها والتهام القلوب؟

ماذا نُمسي هذا؟

ماذا نُسمي نحر الأطفال، أجمل ما خلقه الوجود؟ بل ماذا نسمي الجهاد باجساد نسائنا وأخواتنا وأمهاتنا؟ اليست هي الهجمية بعينها؟

إلاّ أن خلافنا مع المحاور يكمن في مكان آخر، نوجزه في مسائل ثلاثة:

1) إخراج مقولة هرتسل عن سياقها؛

2) استدخال الدونية للأروربي (الغربي) الأبيض؛

3) تعميم ظاهرة الهمجية على شعوبنا وثقافتنا وقيمنا.

أولاً: السياق

 

ما قصده هرتسل في مقولته التي تعود الى أواخر القرن التاسع عشر، يغاير ما أورده صاحبنا حين وافق على اطروحة الزعيم الصهيوني. بعبارة أخرى، ربما أكثر أناقة، نقول ان صاحبنا بتفسيره هذا أخرج عبارة هرتسل من مضمونها المقصود وعن سياقها التاريخي والعنصري والاستيطاني، مع اقرارنا بان هذا كان أقصى ما تمناه ذلك العنصري الصهيوني.

كيف؟

لنبدأ بالملاحظات التالية:

● لم يكن هرتسل أول من أتى بهذا الادعاء، بل هو نقله عن أسيادة البريطانيين والفرنسيين عتاة الكولونيالية الاوروبية البيضاء الذين نظّروا لهذه المقولة ورددوا عباراتها لقرون قبل ولادة الفكرة والمشروع الصهيونيين.

● جاءت عبارة هرتسل في سياق الحملات الاستعمارية الغربية التي وصفت الشعوب المستعَمَرَة بالهمجية لتبرير استعمارها ونهب مواردها تحت ذريعة “مساعدتها على التقدم” والأخذ بيدها في مسيرة تمدينها وايصالها الى الحضارة الغربية.[2]

● ما قصده هرتسل، في سياق نشأة الحركة الصيونية وسعيها لتنفيذ برنامجها في اقامة الكيان الصهيوني، هو توظيف هذه المقولة في مشروعه الصهيوني كي يسمعها أسياده أي القوى الاستعمارية الغربية:

○ فيطمئنوا الى نوايا الصهيونية في خدمة مصالحهم؛

○ ويكسب ودههم ودعمهم؛

○ والى حدٍ لا يقل أهمية، ترسيخ “الرسالة النبيلة” التي تحملها الصهيونية، والتوراتية” بتميز اليهود “كشعب الله المختار” واستخدام الادعاءات التوراتية هذه في تجنيد اليهود في اوروبا، وخاصة فقرائهم في اوروبا الشرقية، الذين اصبحوا المادة البشرية الرئيسية

للهجرة اليهودية، كما أثبتت السنوات التي سبقت قيام الكيان الصهيوني عام 1948.

○ كما ان هرتسل هدف الى كسب دعم أثرياء اليهود في اوروبا الغربية الذين رأى فيهم مصدراً وفيراً لتمويل مشروعه. كان أثرياء اليهود قد اندمجوا آنذاك في المجتمعات الأوروبية الغربية وتلاقت مصالحهم الطبقية أي الاقتصادية ـ الاجتماعية مع القوى الحاكمة في الغرب الاستعماري، لذلك لم يكونوا مستعدين لمغادرة تلك المجتمعات بعد أن ذابوا فيها وتماهوا مع العيش فيها وتناغموا ثقافيا وحضارياً وطبقياً في نسيجها الاجتماعي، غير أنهم كانوا في الأن ذاته يسعون الى عون الغرب في التخلص من اليهود الفقراء ومشاكلهم وعبئهم على تلك المجتمعات، وذلك باستجلابهم الى فلسطين ليصبحوا بناة للدولة اليهودية الموعودة، وهنا نكرر على اسس وادعاءات توراتية ملفقة.

 

هذه المقولات والنوايا الهرتسلية العنصرية أسست للمشروع الصهيوني الذي اصبح اليوم تاريخاً وواقعاً قائماً. وبعيداً عن رغائبيتنا فان هذا الواقع أمامنا ينطق بما يلي:

■ لقد تمكن الكيان الصهيوني من “تبرير” وجوده ووظيفته وتسخيرها في خدمة المشروع الامبريالي الغربي الساعي الى تفتيت الوطن العربي واحكام الهيمنة عليه.

■ قامت المستوطنة الصهيونية في فلسطين على “صورة ومثال” المستعمرات الأوروبية وحَذَت حذو النموذج الاستيطاني الأبيض التي كان قد تجسد قبل قيام الكيان الصهيوني بأمدٍ طويل في استيطان أميركا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا) واوستراليا ونيوزيلاندا وبعض اجزاء افريقيا الجنوبية. (هذا بالطبع لا ينفي الفروق العميقة بين المستوطنة الصهيونية في فلسطن والمستوطنات الاوروبية البيضاء التي لن نخوض بها هنا).

■ لم تقتصر مقولة التفوق الأوروبي الأبيض في الكيان الصهيوني على العرب وحدهم، بل طالت اليهود الشرقيين الذين وقعوا تحت هيمنة اليهود الأشكنازيين البيض، هيمنة طبقية واقتصادية وسياسية بل وعنصرية وثقافية كما هو جلي في خطاب وممارسة وبنية الكيان الصهيوني.

 

ثانياً: استدخال الدونية

 

يتضمن مفهوم فوقية واستعلائية الأوروبي الأبيض على الشعوب الأخرى قبول هذه الأخيرة بدونيتها حيال ذلك الأوروبي الأبيض واستدخال تبعيتها له، كما يتضمن دلالات ومعانٍ عديدة. وهنا نكتفي بالاشارة الى مسألتين:

■ البعد الانثروبولوجي المرتكز على فوقية الأبيض ـ الأوروبي ـ المسيحي ـ الغربي على شعوب العالم من الآخرين غير البيض من سود وسمر وصفر وملونين…

■ المركزانية الأوروبية eurocentrism (او الغربية أو حتى عبر الأطلسية كما يحلو للبعض أن يسموها لتشمل اوروبا وأميركا الشمالية) والتي ترى في الغرب “مركز” العالم والتاريخ والحضارة والثقافة والتقدم، وكل ما حوله من بلدان ومجتمعات ليست سوى “محيط” متخلف وأدني من “المركز” الرأسمالي الغربي وتابع له.

ولا يخفى ما لهذه المقولات من خطورة تتمثل في هيمنة الأبيض لا في المستوى الثقافي والحضاري والعنصري فحسب، بل في السيطرة على موارد وثروات الآخرين من غير البيض واحتجاز تقدمهم وتنميتهم والحاقهم اقتصادياً وسياسياً بخدمة مصالح الغرب الإمبريالي.

ثالثاً: تعميم الخاص على العام

 

لم يكن عسيراً الرد على ما قاله هرتسل في “همجية” شعوبنا من خلال استنطاق التاريخ ووقائعه. غير أن موافقة صاحبنا على هذه المقولة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تحمل في ثناياها اشارات أخرى.

كيف يكون ردنا ولسان حال العرب يقول: أنظروا المشهد من حولكم، تأملوا أوضاع العرب عامة والحالة السورية خاصة. هل ترون بربكم غير الاستبداد والارهاب والقتل الوحشي؟ ألا يُخيّل لكم أن حالتنا كانت أفضل بكثير قبل ما أسموه ب”الربيع العربي”؟ ألا يشكل هذا كله دليلاً على همجيتنا؟

ليس لدي نية هنا في مناقشة أفعال القتلة والارهابيين والتكفيريين والوهابيين، ولا الفتاوي التي تحرض عليها وترفعها الى منزلة القداسة، بل سنُبقي محور اختلافنا مع صاحبنا حول تعميمهذه الظاهرة الهمجية “علينا”، على العرب والشعوب العربية.

رب قائل: ولماذا نمنح هذه المسألة هذا القدر من الأهمية؟

لعل منبع اهتمامنا في هذه المسالة هو فيما شاهدناه عبر مراحل فاصلة من تاريخنا الحديث: فكلما حلّت بنا المصائب والنكبات (وما أكثرها في تاريخنا المعاصر!) ينبري مروجو الهزيمة لبث روح العجز والهزيمة، فينهار الوعي ونأخذ بجلد الذات واحتقار النفس واستدخال الدونية حيال الآخر (الأبيض الغربي الأوروبي والأميركي المتفوق) وقبول ما يقوله الغرب فينا بقصد استعمارنا، فنصبح، من حيثُ ندري او لا ندري، عقولاً مستعمَرة وأداة طيعة في يدية من أجل تدمير الذات وتعميق الاحباط والاقرار بالعجز والتخلي عن ارادتنا، أي أننا نصبح أداة في تنفيذ مخططاته الهادفة الى تجزئتنا والهيمنة علينا. ألا يبدأ استعمار الشعوب بتدمير وعي أبنائها واستعمار عقولهم![3]

تثير هذه الاشكالية – تعميم الخاص على العام وتعميم حالة معينة جاءت في سياق تاريخي وسياسي واجتماعي معين على شعب بكامله أو أمة بأسرها – تثير العديد من التساؤلات:

أ) كيف ولماذا أصبح ما يقوم به ارهابيون وعصابات اجرامية من اعمال الذبح والقتل معياراً للشعوب والأمم؟ كيف ولماذا أصبح التهام قلب الضحية وقطع الرقاب وشي الرؤوس على الفحم أموراً تمثل ما فينا من حضارة وثقافة وتراث وقيّم؟

ب) متى كان هول المصيبة وردة الفعل على معاناتها، ذريعة لمثل هذا التعميم؟

ج) صحيح ان الكثيرين من هؤلاء الارهابيين، كما تفيد التقارير، هم من السوريين وجنسيات عربية أخرى، ولكنهم أيضاً يضمون في صفوفهم الآلاف من الدخلاء من مجتمعات اسلامية وغير اسلامية (شيشان وافغان وحتى مسلمي النرويج وأوربا وغيرهم).

ما ينبغي علينا مناقشتة هنا هو العقل والنهج الذي يرفض مثل هذه الجرائم المنافية للإنسانية والمناقضة لثقافتنا وتراثنا وحضارتنا وأعرافنا وتقاليدنا، والذي يدرك أنها، على الأقل في جزءٍ منها، دخيلة علينا وعلى فسيفسائنا الاجتماعي، ولكنه في الآن ذاته يأخذ من هذه الأفعال سياطاً لجلد الذات وتحقيرها.

هل يضعنا هول الجريمة في قفص الاتهام؟

هل لأن نحر أبٍ ونحر إبنه قد أضحى مدعاة للاعتزاز والتباهي على الشاشات ويوالتيوب وعلى لسان “شيوخ” والافتاء باسم الدين؟

هل لأن فضائيات الارهاب وفتاوي القتل وجهاد النكاح واستعباد المرأة وإنسانيتها وجسدها وكرامتها، أصحبت تحقن أجوائنا وتملأ أسماعنا وأبصارنا؟

ولكن هل يكفي هول المصيبة أن يعمينا، فيصبح هؤلاء الظلاميون ممثلين لنا؟

هل أصبح هؤلاء معياراً لثقافتنا وقيمنا وتراثنا وحضارتنا؟

هل لأن الكثيرين منا قد لاذوا بالصمت، واكتفوا بمشاعر “القرف” ثم تابعوا سير امورهم وكأن شيئاً لم يكن؟

هل لأن الكثيرين من مثقفينا وكتابنا ومفكرينا واكاديميينا وشيوخنا وعلماء ديننا تخاذلوا في الرد عن مثل هذه الأفعال؟ ولأن الكثيرين منهم قد إرتشوا بمال النفط؟ أم أن نجومية فضائيات قَطَر والسعودية قد سحرتهم؟

هل لأن الكثيرين ممن يدّعون الدين والاسلام وينتحلون أحقية تمثيله واحتكار حقيقته هم مَنْ أطلقوا فتاوي قتل الآخر وأشعلوا نار الفتنة بين اهلنا بعد ان ساد الوئام بيننا قروناُ طويلة؟

■ ■ ■

أمام هذا الواقع، قد ينهار بعضنا، وقد يُحبط بعضنا الأخر. الا أن هذه الأسئلة ليست بجديدة علينا، فهي تسكننا منذ دهر ولكنها ظلت حبيسة. غير أن الصمت لم يعد خياراً متاحاً، فلا مندوحة هذه المرة من مواجهة سؤال الحقيقة. لقد حان الوقت لقول كل شيء، ولاطلاق الصيحات باعلى صوت في وجه هؤلاء القتلى:

لستم منا ولسنا منكم.

ليس فيما تفعلوه ما يمثلنا ولا ما يمثل اخلاقنا وقيمنا.

نحن محبو سلام ووئام، أما أنتم فهمجيون ودعاة فتنة والغاء الآخر… وتحليل دمه… وشرعنة ذبحه.

فينا يتنفس التاريخ حضارة وثقافة ورقياً، وفيكم وحشية وهمجية وبربرية.

لا. لستم منّا ولسنا منكم.

نحن مهد الحضارات وأديان المحبة والتسامح والعيش المشترك، أما أنتم فظلام حالك وعودة الى قرون الهمجية… ستذكركم الإنسانية كما تذكر عهود ما قبل التاريخ وما قبل الأبجدية التي خلقناها وقدمناها للإنسان في كل زمان ومكان.

هذا هو ردنا لمَنْ يقرأون التاريخ وتحدياته بعدسة الاجابات السهلة والسريعة.

فهل نحن همجيون؟