أسئلة السقوط التاريخي للإخوان

يوسف الحسن

هل أصبحت تيارات وأحزاب “الإسلام السياسي” عبئاً على التحول الديمقراطي في الوطن العربي؟؟ وهل ما تواجهه هذه التيارات والأحزاب في هذه الأيام من تحديات هو مجرد مأزق سياسي مألوف في مواجهة الدولة، أم هو مأزق من النوع الوجودي في مواجهة المجتمع؟ والمأزق الأخير ذو طبيعة مغايرة لما هو مألوف، وهو ما يورث الشعور العميق بالهزيمة، ويتطلب من هذه التيارات والجماعات المنظمة مراجعات جذرية، واجتهادات جسورة، حتى لو كانت متأخرة لنحو ثمانية عقود .

هل ستعود هذه القوى الإسلاموية للعمل تحت الأرض، كما يهدد مثقفون متعاطفون معها في دول الخليج والجزيرة العربية، فتمارس العنف الأعمى والعبثي، وتتحالف سراً مع آخرين كانوا في خطابها الشائع مجرد “شياطين وكُفّار”؟ وهل أدركت هذه القوى الإسلاموية المعاصرة حجم الحصاد المر الذي انتهت إليه جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر، حينما مالت إلى العنف والإرهاب، وأخطأت الطريق، ولم تصل إلى الحكم أو حتى المشاركة ولا إلى قلوب الجزائريين؟؟

ألم تدرك هذه القوى والجماعات الإسلاموية حتى الآن، أن قادتها الأوائل، ومن تبعهم حتى ميدان رابعة العدوية وشوارع تونس وأرياف حلب وهضاب اليمن وغيرها، قد أوقفت بأفعالها واجتهاداتها بدايات حركة نهوض عقلانية عربية إسلامية، بشّر بها الإمام محمد عبده وغيره، واختطفها حسن البنا، ليحوّلها إلى حزب سياسي، وعقيدة مغلقة ترى في كل واقف خارج هذا الحزب مجرد “خارج” بحت، وفي فسطاس مغاير، يتوجب مقاتلته والانتصار عليه، إن بالدعاء أو الإقصاء أو العنف .

وها هي في العقود الثلاثة الأخيرة، وبخاصة في السنوات الثلاث الأخيرة، تعطل التحوّل الديمقراطي الممكن، من خلال استثمار المقدس الديني في بناء الخطاب السياسي، والمماهاة ما بين الدين والمشروع السياسي للوصول إلى السلطة، وتعميم صورة عن نفسها في أذهان البسطاء من الناس، مفادها “أن أي عداء لها هو عداء للإسلام كدين” . فضلاً عن تباكي هذه الجماعات الإسلاموية (ومن لفّ حولها من مثقفين) على الديمقراطية، التي لم يؤمنوا بها من قبل، ولم يسهموا في إشاعة ثقافتها بين الناس .

لم تنقسم الأمة الإسلامية عبر تاريخها إلا بسبب الصراع على السلطة، ولعل هذا الصراع، في مواسم “الربيع العربي”، هو الذي كشف الغطاء عن هذه الجماعات الحزبية الإسلاموية، وقدّمها كقوة منظورة في المشهد السياسي، في مرحلة اتسع فيها “الفراغ الدولاتي”، وغاب عنها المشروع الوطني الجامع، وعانت القوى القومية والوطنية عبر عقود طويلة من انسدادات سياسية وملاحقات سلطوية، في وقت كانت فيه جماعات إسلاموية (الإخوان) تتعاون مع نظام حكم السادات ونظم عربية أخرى، ووصل بعضها إلى السلطة (السودان)، وإلى برلمانات مصرية وأردنية ومغاربية ويمنية، وفتحت لها منابر تربوية وفضائية وإعلامية، وسمح لها بالتغلغل في نسيج المجتمعات الأهلية، من خلال إنشاء مؤسسات ومراكز أكاديمية وتدريب وصحة وتعليم وإغاثة وشباب ونساء وتوجيه واقتصاد، وقد ساعد في ذلك غياب أو ضعف دور الدولة الوطنية، أو حينما كانت تتخلى عن دورها في خدمة مجتمعها ورعايته (مصر كمثال – ولبنان كمثال آخر ومن نوع آخر) . وبذلك حصدت جماعات وتيارات إسلاموية ثمرات تواجدها في الأرياف بين الناس، بعيداً عن المشهد السياسي المنظور (كذلك فعلت الكنائس المصرية)، وتشكّلت لهذه الجماعات واجهات اجتماعية ومدنية وخيرية كثيرة، واعتقد كثيرون من المستفيدين من هذه الخدمات، أن الجماعات الإسلاموية هم “بتوع ربنا” أو “بيعرفوا ربنا”، وأنها صاحبة “مظلومية تاريخية”!!

قد يخضع العربي والمسلم لاستبداد ليبرالي أو قومي أو نظام ملتبس في هويته، لكن من الصعب عليه قبول تسلّط واستبداد باسم الدين، لأنه يشعر بأنه متساوٍ مع الآخر أمام الله الذي أنزل هذا الدين . وحينما تكون خصومته مع الآخر فهي خصومة سياسية، قابلة للنقاش والتسويات والتنازلات . ويشعر المواطن البسيط، أن السلطات الطاغية والمتسلطة التي سبقت “الربيع العربي”، لم تتهمه يوماً بالكفر، ولم تتدخل في تغيير نمط حياته المعتادة، رغم أنها حطَّت من شأن مستوى معيشته، وفشلت في تحقيق عناصر أمنه الإنساني وفق مؤشرات التنمية المتعارف عليها في العالم .

اليوم، تقف كافة شبكات وجماعات الإسلام السياسي أمام معضلة وجودية، وأزمة تصل إلى درجة المحنة، قادتها إلى هاوية تسارعت فيها سرعة استهلاك حقبتها في أكثر من مكان وليس في مصر وحدها (أم الدنيا، وأم الإخوان في آن) .

وتواجه أيضاً تحديات الشعور بالفشل والهزيمة التاريخية، مع استمرار التشبث بالرغبة في الاستحواذ على السلطة، ومع تصادمها مع مجتمعاتها التي أطاحت، أو تنوي الإطاحة بها، وهي على رأس الحكم، أو على الطريق إلى الحكم .

 لقد قطعت خيوطها وتواصلها مع المواطن غير (الإخواني) الإسلاموي، وغير الواقف في صفّها، وصنَّفت أي معارض لها فكراً أو سلوكاً كعدو، ورفعت راية العنف بلا مواربة،

وحشدت وراءها فتاوى التأثيم والنفير والجهاد والعنف المادي والمعنوي، وصبَّت الزيت على نيران الفتنة المذهبية في أكثر من مكان .

ولا يبدو حتى الآن، وبخاصة بعد تكشّف سيناريوهات صاغها اجتماع سري لقيادات التنظيم الدولي لجماعة الإخوان انعقد مؤخراً في اسطنبول برعاية تركية، لا يبدو أن هذه الجماعات قد فهمت الدرس، واستوعبت العبرة . ومازال نزوعها الانتهازي والسلطوي أقوى من نزوعها المبدئي ومن ادِّعائها الثوري والديمقراطي، ولم تدرك بعد، أنها أشعرت عموم المسلمين بغربة الإسلام عن الواقع، وهذا بحد ذاته خطيئة . وكشفت عن تخلّفها الإداري والفقهي والمعرفي وتدبير الحكم والسياسة، وجهلها بشروط قيام الدولة الوطنية الحديثة، التي يُقيِّد سلطتها عقد اجتماعي، ويحكمها دستور يُقيّد سلطة الحاكم ويخضعها للقانون، كما يُخضع السلطة التنفيذية للمراقبة التشريعية والمساءلة القانونية ويكرِّس استقلالية القضاء .

أما غير ذلك، فلا يقود إلا إلى المجهول، وإلى تأسيس علاقات استعباد واستئصال متبادل بين قوى المجتمع .

إن السياسة والدولة ليستا من العقائد أو الأصول، وإنما تقعان في حيز الاجتهاد البشري . والدولة الحديثة العادلة، لا تُقصي أحداً ممن يقبل بقواعدها المدنية الدستورية .

كيف إذاً ستخرج هذه الجماعات الإسلاموية من هذه الأزمة العميقة؟؟ هل ستُغرق البلاد في بحور العنف والدم؟؟ ومن المؤكد واليقين تماماً، أن مثل هذا الخيار لن يعيدها إلى السلطة . وتجربة الإخوان مع النظم الحاكمة خير برهان على ذلك عبر أكثر من ستة عقود .

هل ستكيّف هذه الجماعات برامجها وخطابها مع مقتضيات ومتطلبات العمل الحزبي، واحترام النظام الأساسي للدولة، وطابعها المدني وهويتها الجامعة؟؟

ماذا لو سلكت هذه التيارات والقوى الإسلاموية الحزبية، نهج أحزاب ديمقراطية مسيحية غربية، لا تخلط ما بين الديني والزمني، مع الأخذ بالاعتبار المزاج الديني الشعبي في الوطن العربي، ومستوى الوعي الديمقراطي المتدني في أوطاننا؟؟

ماذا لو تحوّلت هذه الجماعات والتيارات الإسلاموية إلى “قوة ضغط” في المجتمعات، بعيداً عن الأطر الحزبية الساعية إلى السلطة، ومارست الضغط والدعوة، باتجاه صناع القرار والمشرِّعين والتربويات؟

هل تملك القدرة والحكمة والجسارة والمعرفة لولوج “فقه التجديد” بعد أن صار الفقه السياسي لهذه الجماعات الإسلاموية قديماً، إن لم نقل متخلفاً؟ هل ستتصالح مع مجتمعاتها وتندمج في مشروع الدولة الوطنية، على قاعدة المواطنة، ومواجهة أسئلة الأمة العربية الحقيقية حول الحرية والتنمية وإزالة الاحتلال “الإسرائيلي” والتجدد الحضاري والدور الإنساني الفاعل، وحقوق الإنسان؟؟

هل ستستمر في إنكار فشلها في تدبير السياسة والحكم والمشاركة، وفي عُقمها على مدى ثمانية عقود، في تقديم أية قيمة مضافة إلى الفقه وعلوم الاقتصاد والثقافة وإدارة الحكم والتنمية والفنون والإعلام والعلوم والابتكار؟؟

هل ستواصل مسيرة التيه، واصطناع الخصوصية والاصطفاء وسمو الأخلاق، للتغطية على مأزقها الفقهي والثقافي والسياسي والفكري ومواصلة توليد جماعات العنف الأعمى من بطنها، وإنتاج الخطابات التعبوية لصياغة ذهنية الشارع، وتبنِّي فتاوى التكفير والتأثيم ونكاح الجهاد وإرضاع الكبير، والنفير في مقاتلة مسلمين آخرين، والقتل على الهوية المذهبية، وإعادة إنتاج الأذان في كابول وغيرها، بتحالف غير مكتوب مع “غرب كافر” على حد ما يزعمون، ومحاربة جيش عربي مصري في سيناء، وآخر في تونس أو الجزائر أو اليمن، بينما العدو، الذي قاتلنا في ديننا، وأخرج إخوتنا من ديارهم، على مرمى حجر أمامهم؟؟

إن استمرار الإنكار لا يقود إلا إلى مأزق وجودي عميق، واستمرار هبوط هذه الأمة إلى الحضيض .

إن الضحية الأولى التي يجب أن تحظى بالاهتمام هو “جمهور” هذه الجماعات من غير الملتزم بها حزبياً الذي ظنَّ يوماً أنها “خدمته”، وأنها “بتاعة ربنا”، وأنها لم تعط الوقت الكافي في الحكم، وأن هناك مؤامرة عليها من قبل آخرين يكرهون الجماعة (المصطفاة) وإسلامها (المثالي) .

 إن هذا الجمهور، مغيَّب عن معرفة “الأجهزة السرية” لهذه الجماعات، وعن فكرة السمع والطاعة للمرشد وأمثاله، وعن سياسات الاستثمار السياسي للدين، وعن نزوعها الانتهازي والرغبة في الاستحواذ على السلطة بأقصى سرعة .

إن هذا الجمهور، واقع الآن تحت ضغوط “تديُّن هائج منتقم”، فضلاً عن تراكم مكبوتات وسياسات هوجاء خارجية وثقافة عنف أفرزت طغاة كباراً وصغاراً، ولم يشهد حركة إصلاح ديني حقيقي، تجتث وحش الغلو، وتفتح العقل للتفكير العقلاني والتجدد الثقافي والفكري .

هل تخرج قيادات هذه الجماعات من “صندوقها” الفكري والسياسي المنغلق على نفسه، وتعالج معضلتها الفكرية والثقافية قبل فوات الأوان؟؟ هل تغيّر طبيعة التنشئة السياسية في مجتمعاتها الحزبية، نحو قيم التسامح والاختيار الحر وقيم احترام الآخر المختلف والاندماج والمشاركة والفعل الرشيد في المجال العام المفتوح للنقاش والشفافية والمصالحة؟؟

أسئلة وتداعيات سقوط هذا المشروع السياسي الإسلاموي، لها ما بعدها .

 ::::

المصدر: دار الخليج