الاقتصاد السياسي لجم الوحش

باشروا المقاطعة/ التنمية بالحماية الشعبية

عادل سمارة

بعيداً عن تأجيل، إلغاء، تصغير، توسيع العدوان الجديد على سوريا، وبعيدا عن الصمود السوري نفسه ودور إيران وحزب الله وبعيدا عن دور روسيا والصين، أود الدخول للأمر من باب مختلف هو الباب المخفي وقد يكون الرئيسي رغم أن الذين يدخلون منه قلائل. هو باب الاقتصاد السياسي. هذا السحر الذي يحتاج إلى سحرةٍ كي يشرحوه،ونا لست هنا ساحرا بل قارىء واقع،  لأننا حينما نفهمه نصبح كالعجَّان الذي يُكيف شكل الخبز على هواه.

أدوات الاقتصاد السياسي ليست معادلات رياضية رغم أن الأرقام تملأ حقول الاقتصاد. أدوات الاقتصاد تشمل السياسة والمجتمع والأرقام وحجم الإنتاج وأدوات الإنتاج، وعلاقات الملكية…الخ. لكن سحر الاقتصاد السياسي كامن في قراءة السياسة والمجتمع معاً وهذا قلما تتعلمه الناس في الجامعات.

إنها لحظة جميلة لأن هذا العلم السحري وحده الذي يؤكد لنا بأن البطالة في الولايات المتحدة تقارب 20 بالمئة، وأن الديون عليها وصلت 17 تريليون دولار، وأن حصة الصين وحدها من هذه الديون تصل إلى 3 تريليون دولار مضمونة بسندات قروض على المصرف المركزي الأميركي، وبأن حصة الولايات المتحدة من الإنتاج المدني العالمي  هبطت من 40 إلى أقل من 19 بالمئة وربما أقل، وبأن الحديث عن الخروج من الأزمة المالية الاقتصادية هو فبركات إعلام. وأن مقياس قوة اقتصاد  بمقدار طلب العالم أي السوق العالمي على ما تنتجه الطبقة العاملة في ذلك البلد (الطبقة العاملة لأنها هي التي تُنتج وليس راس المال)، وهذا ما يكشف هشاشة الاقتصاد الأمريكي لأن الطلب على منتجاتها يتراجع لتشغل مكانها الصين وروسيا والهند والبرازيل…الخ. وما نقوله عن الولايات المتحدة ينطبق على الاتحاد الأوروبي بشكل أكبر إلى درجة أن الوحدة النقدية في هذا الاتحاد تشارف على التفكك (افضل من كتب عن هذه النقطة الزميل د. سمير امين).

بدأت هذه الأزمة، وهي حلقة من أزمات النظام الرأسمالي المتتالية، بدأت عام 2008. وحينها، لم تكن ابعادها واضحة، فاعتقدنا بأن اقتصاد الولايات المتحدة لا يزال يجلس على كرسي ذي محور مرن، يدور بسبب الأزمة على محوره ولكنه قوي إلى الحد الذي يحول دون هبوطه إلى اسفل.

لكننا كنا نعرف بأن هبوطا تدريجيا يعاني منه ذلك الاقتصاد وهو ما يسمى عادة من قبل الاقتصاديين غير الراسماليين ب “تراخي قبضة الإمبريالية” وهو التراخي الذي تستفيد منه البلدان التي تقودها انظمة وطنية تهدف التخلص من التبعية كما حصل بين الحربين العالميتين في حالات (ارجنتين، المكسيك، تشيلي). ويفيد كذلك القطبيات الصاعدة البريكس هذه الأيام.

وبعيدا عن موقفنا من انظمة الدين السياسي في الخليج، وعن توحشها ضد المرأة، وعن العقيدة الوهابية والإخوانية لها ولقوى الدين السياسي –تسييس الدين، فإن هذه الأنظمة بدل ان تستغل التراخي قامت بالتبرع للمركز الإمبريالي بصناديقها السيادية اكثر من 2 تريليون دولار.

تصوروا لو كانت هذه الأنظمة وطنية واستخدمت ما تتحكم به من ثروة الأمة في دعم تحرير الأقصى ماذا كان سيحصل، مثلا كما تفعل الصين. فماذا غير المال يمكن استخدامه حينما تصيق ذات يد الإمبريالية وتتراخى قبضتها عن اعناق العرب والمسلمين بل وكل العالم؟

والأخطر أن هذه الأنظمة والقوى بايعت الإمبريالية  ولعبت دور دفع هذا المركز لتحطيم الدول العربية ذات التوجهات القومية. ومثل هذه السياسة المتواطئة لم تحصل في تاريخ الأمم. لذا، نرى أنه بدل ان تتمكن الأنظمة القومية من تصفية الأنظمة القُطرية والتابعة يحصل العكس!!! ومتى، حينما بدأت اصابع الأخطبوط تتداعى؟ فأي دور لهذه الأنظمة والقوى كمنقذة للشر!!

مع استفحال الأزمة، استندت الولايات المتحدة إلى البديل الذي ركزت عليه منذ عقود وهو التفوق في إنتاج الأسلحة. وإنتاج الأسلحة كما البضائع المدنية يحتاج إلى اسواق. لذا حاولت الولايات المتحدة تعويض تراجع مركزها في الإنتاج للسلع المدنية بتسويق إنتاجها من السلاح. وبالتالي كان لا بد لها من ممارسة الحروب أو دفع دول للإحتراب. وهي سياسة ذات حدين، وخاصة حينما تدخل الولايات المتحدة نفسها في مشروع حربي  منذ فيتنام وحتى العراق وأفغانستان وغيرها. وبالطبع كانت النتائج أزمة اقتصادية مالية مستفحلة. وفي هذا السياق لعبت انظمة الدين السياسي في الخليج دور المتبرع بشراء أسلحة اميركية بمبالغ هائلة دون استعمال ودون حاجة إلى أن تتلف فما كانت يهمها هو تصريف هذا الإنتاج الوحشي ودفع المال للولايات المتحدة  (انظر مجلة كنعان الفصلية العدد 148 شتاء 2011، صراع اليورو والدولار والخليج العربي: محمد مراد). أما حجة هذا الإنفاق فهو “الخطر الشيعي” على الخليج. ولكنها فرشت على مساحة الجزيرة قواعد عسكرية امريكية بشكل خاص! فمن يحمي الخليج الجندي الأميركي أم سلاح في الصناديق؟ وممن؟ من خطر هو على الغرب وليس على الجزيرة.

 

النفط والسوق ثم….الكيان الصهيوني

نعم لقد تغير العالم. فالولايات المتحدة والاتحاد الأووبي معنيتان في الوطن العربي بالنفط والسوق العربيين، ومن ضمن ذلك ولأجل ذلك الكيان الصهيوني الإشكنازي.

إن علاقة المركز الإمبريالي هذا بالكيان هي نظرا لكونه جزء من بنية سياسة المركز في المنطقة وهذه السياسة هي المصالح المادية-الاقتصادية-. لذا قد يكون من الخطا القول بأن هذا المركز معني بالنفط والكيان على نفس المستوى،أي أن الأولوية للإطار الأوسع وهي مصالح المركز الإمبريالي التي من ضمنها وجود الكيان طالما له دوره في تحطيم القوة والثورة والتنمية العربية. هو جزء من تلك المصالح. لقد مرت ولا تزال لحظات كثيرة كان فيها الكيان في لحظة شهوة عالية لضرب سوريا وحزب الله وإيران، ولكن مصالح المركز الإمبريالي تغلبت على الغنج الصهيوني. وهذه مسألة تحتاج لبحث موسع لقراءة مصير الكيان ذات زمن قادم مختلف.

 

الاقتصاد مرة أخرى

أكدت سوريا بهدوء بأنها سوف ترد على العدوان، وأكدت إيران كذلك وبوضوح، وأكد حزب الله الرد بالصمت الذي يخفي ما لا يُخفى وأكدت روسيا أنها أعطت سوريا ما يسمح لها بالدفاع عن نفسها وإيذاء الأعداء. ولكن ما ترجمة هذا بالاقتصاد السياسي؟

ترجمة هذا اشتعال النفط سواء كآبار أو كلفة نقل أو سعر مرتفع، اي اشتعال حريق نفطي صغير في كل بيت في العالم. فإذا كانت الناس في كل مكان تصرخ من سعر برميل النفط الآن (109) دولاراً فكيف حينما يصبح 400 دولاراً. من سيدفع هذه الفواتير؟ قد يقول قائل، وماذا؟ فدول النفط العربية سوف تحول المال المتأتي عن هذا إلى المصارف الغربية بل وإلى الحكومات. لا باس ولكن راس المال الاحتكاري وخاصة في حقبة اللبرالية الجديدة، لن يوزع الفلوس على الشعوب التي ستدفع الفواتير لكي تُثري الطبقة الغنية بل النخبة الصغيرة جدا ثراء يودي بها إلى مصير حي بن يقظان! أما مشكلة بقية العالم وهو الأكثرية فستكون اشد  لأن انظمة النفط مثلا لن تحول المداخيل الجديدة إلى الهند والصين…الخ.

وإذا كانت فواتير النفط مؤلمة جدا حتى قبل الأزمة الاقتصادية المالية الجارية، فكيف الوجع الآن والبطالة مستفحلة؟

في ظروف مختلفة ربما كانت دولة عدوانية سوف تستدين من أخرى لتمويل العدوان. وفي ظروف مختلفة حين كان كرباج الإمبريالية في يد قوية بوسعها رفعه على من ترغب تأديبه كان بوسعها تقشيط الآخرين. ألم تقم الولايات المتحدة عام 1991 بإرغام (توابعها مثل اليابان) على تمويل العدوان علىى العراق لإعادة الكويت إلى حضن اسرة فرضتها بريطانيا على الولاية 19 من العراق. وفي هذا العدوان كانت النتيجة ربحا صافيا للولايات المتحدة، استعادت ما دفعت، بل لم تدفع، واستعادت الكويت بعد تحريرها لأشهر قليلة.

ليس سوى الصين التي بوسعها إقراض الولايات المتحدة. والصين تدير مع الولايات المتحدة حربا اقتصادية خفية على الكثيرين، فهي ترمي للمقامر الأمريكي بأموال كثيرة تعرف انه لا يستطيع ردها فتأخذ منه اضعافها ترمي له سيولة وتقتنص مواقع الإنتاج والسوق. فالقروض الصينية للولايات المتحدة تقارب 3 تريليون دولار. وبالمقابل تحصل الصين على سندات قروض على البنك المركزي الأميركي أي ان الخزينة مرهونة للصين. وفي الوقت نفسه ترحل شركات كبرى من امريكا لتعمل في الصين وتُعيد منتجات العمال هناك إلى امريكا صادرات فربح البرجوازية الصينية ربحين:

·        ربح تشغيل العمال باجور ضئيلة (استغلال العمالة الصينية بالطبع)

·        وربح اقتناص التكنولوجيا وتصدير المنتجات العمالية إلى الولايات المتحدة

فتحقق الصين المزيد من التراكم الأولي، وتراكم فيها السيولات المالية. ومن هنا التحكم الصيني بالولايات المتحدة وهي عملية الشد على الخصيتين. لذا لا تقوم الصين بإقراض الولايات المتحدة من أجل تخريب العالم، فالصين ليست اليابان. وهنا دور الصين غير المعلن في فرملة العدوان. بل إن الصين تؤهل عملتها اي “الين” ليحل محل الدولار، أو على الأقل تهيىء البريكس لاعتماد صندوق غير صندوق النقد الدولي الذي تديره الولايات المتحدة والغرب الراسمالي. وهذا يقوض دور الدولار، ولا حاجة للتفصيل أكثر حول نتائج توقف الدولار عن أن يكون العملة العالمية، لأن حصول تلك اللحظة يعني إفلاس هذه الإمبراطورية وانكماشها إلى حدودها الجغرافية التي طالما تحدث عنها حتى اقتصاديون برجوازيون مثل جوزيف شومبيتر صاحب اول فكرة ل “التدمير الخلاق”.

ما من شك، بأن الصين تضغط مالياً على الولايات المتحدة لوقف تصعيد العدوان، وهي قادرة على ذلك. أما أوروبا فلم تقم سوى بإعلان أنها عاجزة عن العدوان، أي تأدبا وليس أدباً. بل إن أوروبا تستجدي الصين لإقراضها حتى بالشروط المهينة التي تقترض بها ألولايات المتحدة، لكن الصين تعلم بأن الأساس هو الإمساك بمركز المال العالمي والباقي يتساقط كأحجار الدومينو. نعم إن العالم يتغير بما يفقىء العيون المكابرة.

مفيد هنا التذكير بأن الموقف المتحمس للحكومة “الإشتراكية” الفرنسية للعدوان على سوريا محفوز بفوز فرنسا ببيع صفقة اسلحة للسعودية ب تريليون يورو (http://english.ahram.org.eg/News/80299.aspx ) فلنلاحظ هنا أمرين:

·        الأول يبين قول ماركس بأن ” تآخي اللصوص” (الفرنسيين وألأمريكان) لا علاقة له بحقوق الإنسان بل بالمال.

·        والثاني، أن  روسيا ليست كما كتب عزمي بشارة أقصد فتى الموساد، بأنها دولة إمبريالية، فلنتذكر رد بوتين على بندر بن سلطان. روسيا راسمالية نعم، ولكنها ليست امبريالية، او راسمالية لا تُشترى ولا سيما من عقل بدوي يتحكم براسمال معولم.

 

الشارع العربي

هنا نأتي إلى الشارع العربي وحرب الشعب طويلة الأمد. هنا تظهر أهمية مقاطعة منتجات الأعداء. وبدون مبالغة فإن اي دولار تدفعه السوق العربية ثمن منتجات غربية تستهلكها هو رصاصة في راس عربي سوري او فلسطيني او بحريني او يمني…الخ. فلماذا يقوم المواطن العربي بقتلنا وهو غير مضطر لذلك؟ أي بدل المساهمة في تحرير القدس، يساهمون في تصفية شعبنا وتصفية الشعب السوري وتدمير العراق وليبيا  ولاحقا مصر…الخ.

من هنا تصبح مقاطعة منتجات الثورة المضادة مسألة قومية اخلاقية دينية إنسانية بلا مواربة. ويصبح من يستهلكها عدو للعرب خاصة رغم كونه عربياً. تصبح سيدة البيت قاتلة إذا ما اشترت هذه المنتجات ويصبح الرجل قاتلا طالما لا يهتم بما يشتري لأسرته…وهكذا.

هذا إضافة إلى أن مقاطعة اية منتجات أجنبية هو بحد ذاته تنمية لأنه يشجع على الاستثمار المحلي. وهذا تبسيط اولي لنموذج “التنمية بالحماية الشعبية” كمكون اساسي من حرب الشعب.

من هنا، يركز كاتب هذه السطور على أن حرب الشعب يجب أن تبدأ وأن لا تتوقف  سواء توقف العدوان او تجدد لأن حرب المقاطعة هي الأمضى وهي الأكثر ديمومة. إن تفكيك مفاصل مصالح العدو ممكنا على يد سيدة البيت والرجل بوقف الاستهلاك بالاستهلاك الواعي بالوعي بالاستهلاك، وهذا السلوك لا يمكن لأحد أن يمنعه أو يضبطه حتى لو كان الملك السعودي. فلا يمكن تشكيل مطاوعة للاستهلاك.

إن تفكيك مفاصل مصالحهم ممكن بل ضروري بضربها وإخراجها من البلدان العربية، دون إيذاء الأفراد.

نعم تغير العالم، فبعد أن كانت بلطجة الكيان الصهيوني تُمارس كل يوم على اي قطر عربي من بلدان الطوق اصبح الكيان يحسب الف حساب للبلطجة ولا يفعل، بينما تبكي على قدميه أنظمة وقوى الدين السياسي، تبكي على قدميه ملوك العرب وأمرء العرب ورؤساء العرب وثوار الناتو  كي يفعل ولا يفعل ناهيك عن بكاء اللبراليين وفلاسفة النفط والناتو وشعراء الديمقراطية والحرية…وغيرهم.

بل إن البلطجي الأكبر لا يقوى اليوم على ما كان يفعله بالأمس، تغير العالم…لكن التوابع لا تتغير.