عصر الحرب أو التسوية؟!

سليمان الصدي

 

  لقد ضُبِط إيقاع العالم كله في الأيام الماضية على الإيقاع الدمشقي، وبات الحديث عنها الشغل الشاغل. هل تكون الضربة العسكرية؟ هل تُحقق المراد منها؟ وفي سياق هذا الهاجس تثار أسئلة كثيرة. فلماذا أثيرت مشكلة الكيميائي الآن بالتحديد؟ ولماذا هذا التجييش غير المسبوق على سورية؟ ولماذا انتقلت الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب بالوكالة عن طريق أذرعها إلى الحرب المباشرة؟

  إننا نرى أن خطاب الرئيس الأمريكي محاولة للخروج من أزمة أوقع نفسه بها. لقد فتش عن مخرج بعد أن اصطدم بالمعسكر المقاوِم، وأدرك أنه لا يوجه ضربة إلى سورية بمعزل عن المعسكر كله، وأن النتائج المترتبة على ذلك أكبر من قدرة الولايات المتحدة على تحملها، فكان الخروج من الأزمة من باب الكونغرس. لقد صعّد حتى وصل إلى أقصى درجات التصعيد، وحين أدرك حجم النار التي ستشتعل خفف من لهجته، فطالب بالسماح له بضربة محسوبة. ولكن ماذا تعني الضربة المحسوبة؟ هل هي ضربة وكفى؟ إنها ليست كذلك، فالضربة لن تغير النظام في سورية، وسيحاسِب المجتمع الدولي أوباما على ضربته، فما الفائدة المرتجاة منها؟ إن في هذه الضربة من وجهة نظري مضمراً، وهو في رأيي أن هذه الضربة ستكون موظفة لاغتيال الرئيس السوري، هكذا تكون قد حققت هدفها. وتعال -أخي القارئ- نتذكر معاً حين حدث الاحتلال الأمريكي للعراق كيف كانت الضربات موجهة لاغتيال الرئيس العراقي، وكانت التقارير تأتي عن الأماكن المحتمل وجوده فيها، ثم تخطئ إلى أن ظهر، وتمكنوا منه، وفي ليبيا كان عمل الاستخبارات الفرنسية والبريطانية منصباً على الضربات الجوية للأماكن التي يمكن أن يكون الرئيس الليبي الراحل معتصماً بها، وقد تمكنوا من قصفه، وجعلوا الرأي العام يقتنع أن الشباب الليبي الثائر هو من تمكن منه. لا مشكلة عندهم من أن يهدوا النصر لغيرهم طالما أن ضربتهم حققت هدفها.

  أما في الشام فالوضع مختلف. لقد تراجع أوباما؛ لأنه لم يحتمل النتائج، والحلف الذي أراده للغطاء السياسي فقط لا لمساعدته في الضربة بدأ بالانسحاب واحداً تلو الآخر، فعلق ضربته في الهواء؛ ليبقى احتمال تلاشيها وارداً، واحتمال حدوثها محدوداً؛ لذا علق الإعلام الإسرائيلي على خطاب أوباما بالقول: إنه انتصار لقوة الردع الإيرانية، وإننا نضيف عليه إنه انتصار لقوة الردع المقاوِمة كلها. إن انتظار إشارة الكونغرس أضعف همة الفرنسيين، وها هي ذي فرنسا تنتظر على قارعة الكونغرس، فضعف بريطانيا جعل أوباما يتراجع، وها هي ذي الشام تمضي في خارطة السياسة السورية إلى خارطة السياسة العظمى.

  لقد أصبح الإسرائيليون في الملاجئ، وأوباما وكاميرون صعدا إلى الشجرة، ولا يعرفان كيف ينزلان –كما رأى د. بشار الجعفري- في حين يحيا السوريون حياتهم الطبيعية، وهم يشعرون أنهم يمتلكون الطلقة الأخيرة.

  إن من يتحدث عن حل المسألة السورية بعيداً عن مشكلة الشرق الأوسط الكبرى يكون واهماً. فلا يمكن هزيمة المعسكر الآخر، وعودة سورية إلى ما كانت عليه إلا بالحرب. وما جرى الآن إعلان تهدئة، ولن يتحقق الحلم إلا بالحرب الكبرى التي تزيل إسرائيل. فلا أحد يتحدث عن حل في جينيف، أو غيره. لقد أرادوا تقسيم المقسَّم، وتدمير معسكر المقسَّم لكننا نعدهم بتوحيد المقسم، والمعركة القادمة لن تكون في سورية بل في أرض سورية الكبرى على أرض فلسطين المحتلة. فالمعركة إن توقفت الآن فستحدث غداً لا محالة. فانتظري يا قدس يوم الفتح العظيم.