القرار 2118 اول قرار في ظل نظام عالمي جديد؟ و لكن….؟

العميد د. امين محمد حطيط

سيكون القرار 2118 الذي اعتمده مجلس الامن بشأن التخلي السوري عن الاسلحة الكيماوية، علامة فارقة و مفصلية تؤشر الى التحول الذي يحصل على مسار النظام العالمي، فقرارات مجلس الامن خلال عقود ثلاثة سبقت تاريخ 27 ايلول 2013 كانت من طبيعة مختلفة كلياً عن القرار الجديد روحا و اهدافا و اطر تنفيذ، فاميركا و بعد ان تفكك الاتحاد السوفياتي وضعت يدها على المنظمات و المؤسسات الدولية و في طليعتها مجلس الامن، واتخذت منها مطية لها تنفذ عبرها سياساتها حتى جعلت مجلس الامن ملحقا بوزارة الخارجية الاميركية ينفذ قرارات البيت الابيض و لا يجرؤ من له حق الاعتراض على ممارسة الفيتو و لا يتردد احد من الاخرين في الخضوع لما تريده اميركا، و كان النموذج الفض لقرارات تلك الفترة القرار 1559 المتعلق بلبنان الذي جاء– رغم انه تحت الفصل السادس – مخالفا لمثياق الامم المتحدة ينتهك سيادة لبنان و قراره المستقل و يتدخل بشؤونه الداخلية و بعلاقاته مع دولة شقيقة ثم جاء التنفيذ بشكل غريب اذ عين موظف اممي خاص للمتابعة الذي انقلب في فترة من الفترات الى ما يشبه المفوض السامي الدولي – الاميركي في لبنان.

اما القرار الجديد – و رغم محاولة اميركا اظهاره انتصار ما لها في محاولة مكشوفة مفضوحة لا يمكن ان تمر الا على بسطاء جهلة بقواعد القانون الدولي – فانه يختلف كليا عن قرارات الفترة لسابقة و يمكن ان ينظر اليه على اساس انه القرار الاول المؤشر لعودة التوازن الى مجلس الامن و عبره الى العلاقات الدولية في نظام عالمي قيد التشكل ( كنا قلنا منذ سنتين انه نظام سيولد من الرحم السوري و ها هو بالفعل بدء بالظهور و من الميدان السوري ذاته ). و هنا نتوقف عند بعض المحطات الرئيسية المتعلقة بالقرار و ما رافقه حتى اقراره في مجلس الامن حيث نجد :

1)   لجهة الاشارة الى الفصل السابع : رغبت المنظومة الغربية بقيادة اميركية و تحريض خليجي ان يعتمد القرار تحت الفصل السابع لتبرير استخدام القوة العسكرية من قبل مجلس االامن، او اعطاء الحق لاي من اعضاء المجلس او الامم الممتحدة باللجوء الى القوة العسكرية ضد سورية و حكومتها. و كان في نية اميركا ان تناور في هذ الشأن و ان تحصل على تفويض يجعل سورية اسيرة لارادتها، بشكل لا يخرجها هذا الاسر الا بعد ان تستجيب لكل الاملاءات و الاميركية.

لكن المعادلات الجديدة في السياسة و الميدان فوتت على اميركا خاصة و الغرب عامة فرص النجاح في هذه المحاولة و صدر القرار تحت الفصل السادس، اي ان تنفيذه لا يكون قسريا و باللجوء الى القوة بل يكون تنفيذا اراديا يشترط موافقة الدولة المعنية التي لها ان تعقد الاتفاقات التنفيذية مع الجهات المخولة بذلك بما يحفظ مصالحها و يؤكد على سيادتها.

و لا يغير في هذا الشأن ما ورد في الفقرة 21 من القرار من تلويح باتخاذ تدابير تحت الفصل السابع بحق من لا يمتثل لهذا القرار، لان هذا التهديد الضمني بالفصل السابع غير مقتصر على الحكومة السورية اولاً كما كانت تبتغي اميركا بل انه موجه ضد اي شخص معني بتنفيذ القرار بما في ذلك الجماعات المسلحة القائمة على الارض السورية، و كذلك دول الجوار السوري التي تسهل لهذه الجماعات امتلاك و نقل الاسلحة الكيماوية.

و من جهة اخرى فان العمل بالفصل السابع و ما يعنيه من اللجوء الى القوة لن يكون تلقائيا، بل انه بحاجة الى قرار جديد يتخذ وفقا للاصول و يكون لكل عضو دائم في مجلس الامن ممارسة حق الفيتو عليه، و قبل الوصول الى ذلك ينبغي التحقق و تعيين المسؤول عن عدم الامتثال و تحديد اسلوب استعال القوة و حجم التفويض و بالتالي فاننا نرى ان هذه الفقرة – التي قد يدعي الغرب انها استجابت لطموحاته – هي فارغة من المضمون الفعلي لان اي شأن دولي قائم او هو في علم الغيب يمكن ان نقول بانه قد يعالج في مجلس الامن تحت الفصل السابع و بالتالي فاننا و من وجهة نظر قانونية بحتة لا نرى للبند 21 هذا قيمة تذكر، و يبقى اثره و وزنه ذو طابع سياسي ليس اكثر.

و اخيرا نرى ان للنص هذا ايجابيات لصالح سورية قد يحاول الغرب اغافلها، فهو يقطع الطريق كليا على الجميع بما فيهم الولايات المتحدة و يمنعها من اللجوء الى القوة بمفردها ضد سورية، فاذا ادعت خرقا او انتهاكا للقرار عليها ان تلجأ الى مجلس الامن و ان تمتثل لقراره و في هذا تأكيد للمرجعية الدولية لمجلس استعاد التوازن، و فيه تخلي عن فكرة العدوان اوالتهديد به.

2)   لجهة المخاطبين بالقرار : منذ ان بدأ العدوان على سورية، جهدت اميركا و كل من تبعها من دول و هيئات تاتمر بامرها، جهدت في الترويج لعدم مشروعية النظام السوري و للحكومة السورية القائمة، و ادعاء بان مجموعة من “نزلاء الفنادق” في الخارج هم من يمثل الشعب السوري ( مجلس وطني او ائتلاف سوري ) و ثابرت في سعيها الى الحد الذي دفعت فيه ما يسمى الجامعة العربية الى اعطاء مقعد سورية الى تلك المجموعة الفندقية، ثم ثابرت على تحميل الحكومة السورية مسؤولية الدم الذي يراق في سورية.

لكن القرار جاء ناقضا لكل هذا المشهد، فهو نصا و روحا يتعامل مع الشرعية القائمة في سورية و يطلب العمل و ابرام الاتفاقات التنفيذية معها، ثم انه يسقط النزعة الاميركية السابقة في تبرئة الجماعات المسلحة من مسؤوليات اعمالها الاجرامية، و يوازن في الخطاب بين الجميع من اشخاص و هيئات و منظمات و دول خاصة دول الجوار السوري و يحملها مسؤوليات تنفيذية محددة في مجال امتلاك و نقل و استعمال الاسلحة الكيماوية. و كان مهما ورود البند 5 من القرار حيث انه “يؤكد أنه لا ينبغي لأي طرف في سوريا أن يستخدم أو يطور أو ينتج أو يمتلك أو يخزن أو يحتفظ أو ينقل أسلحة كيماوية” في اشارة ضمنية واضحة الى عدم تبرئة الجماعات المسلحة من هذا الامر كما كانت تروج اميركا و اتباعها.

3. لجهة النصوص التي تفترض الحذر و محاولة الانحراف في التطبيق. رغم ان القرار جاء بصيغة تمكن من القول بتوازنه و مراعاته للسيادة و الصلاحية الاقليمية للدولة لسورية و حكومتها القائمة الا ان هناك ملاحظات لا بد من تسجيلها و الدعوة للحذر في التطبيق حتى لا يأتي التنفيذ متجاوزا لروح القرا ر و نصه و ان تحاول اميركا التي لا زالت تملك الهيمنة و السيطرة شبه التامة على الامانة العامة للامم و المتحدة و على الامين العام بالتحديد، تحاول ان تحرف القرار عن مساره في عملية استفزازية يبدو ان مندوب سورية تنبه لها و لذا قال “ان القرار يغطي معظم هواجس سورية ” و لم يقل كلها، اما اهم الملاحظات هذه فهي:

أ) مسألة اختيار الافراد و الاشخاص الاممين الذين سيكلفون بمهام تنفيذية من احصاء و تفتيش و تحقق و اتلاف السلاح الكيماوي. فالقرار نص على صلاحية الامين العام في اختيار هؤلاء و على موجب الحكومة السورية في التعاون و تمكين هؤلاء من تنفيذ مهامهم بحرية تامة. و هنا يكون ضروريا ان يضبط سلوك الامين العام في هذا الشأن و لا يقحم في المهمة من يكون سببا لعرقلتها من اجل استفزاز الحكومة السورية و الخروج عن المسار المطلوب بالقرار.

ب) تكليف الدول الاعضاء في الامم المتحدة بالابلاغ عن ملاحظاهم في التنفيذ او عدم الامتثال، و هنا ينبغي التنبه الى السلوك الاسرائيلي في هذا الشأن و ان يكون هناك هيئة دولية لتقييم ما يقدم للامم المتحدة من اخبارات و مزاعم حتى لا تتسبب الافتراءات بحرف القضية عن مسارها و الدفع باتجاهات تعقد الامور.

ج) النص على ” هيئة حكم انتقالي تمارس صلاحيات تنفيذية كاملة و يمكن ان تشارك فيها الحكومة و المعارضة و جماعات اخرى ” و هنا يجب الانتباه الى امرين :

– الاول ان الغرب قد يسعى لتطوير هذا النص باتجاه حصر مسؤولية المرحلة الانتقالية بهذه الهيئة التي يختار اعضاءها بما يوافقه، متجاوزا ما ورد في البنود الاخرى من القرار لجهة التأكيد على الصفة الوفاقية لتشكيل هذه الهيئة و على ضرورة ان يكون من ينخرط في الحل ممثلا للشعب السوري اي ان يكون سوريا ذو قاعدة تمثيلية معتبرة،

– و الثاني اعتبار هيئة الحكم التي يتحدث عنها القرار بمثابة سلطة بديلة تحل مكان السلطة الشرعية القائمة و هذا غير صحيح و لا ينطبق مع قواعد المنطق لان في تطبيقه فيما لو حصل نوع من الاقرار بان الجماعات المسلحة انتصرت و ان دور المؤتمر هو تنظيم عملية انتقال السلطة ليس اكثر و هذا امر لامناقض للواقع تماما و ان الحل المنطقي و الواقعي يكمن في قبول الجماعات السورية المسلحة، و الجماعات المعارضة غير المسلحة بان تتمثل في حكومة تشكل وفقا للدستور، و ان تقوم خلال مرحلة محددة تسمى المرحلة الانتقالية بالحوار و التفاوض فيما ينها من اجل انتاج صيغ سياسية و دستورية تعرض على الشعب السوري في الاستفتاء العام ليقرر بشأنها.

و هنا لا بد من التأكيد على اهمية ما صدر عن وزيرالخارجية وليد المعلم من توصيف لمؤتمر جنيف بانه مكان للحوار و البحث عن صيغ الخروج من الازمة و ليس هو مكان لتسليم السلطة الى جماعات لا يعلم احد مدى تمثيله للشعب السوري او استقلاله في القرار، فالشعب السوري وحده من يقرر من يحكمه و لن يقبل ان يفرض عليه حاكم من اي جهة جاء هذا الفرض.

و في الخلاصة و رغم هذه الملاحظات التي تستدعي الحذر، يبقى ان نؤكد نظرتنا بان القرار 2118 شكل اول ثمار انتصار سورية في دفاعها ضد العدوان الكوني، انتصار اعاد التوازن الى مجلس الامن و هو اول الغيث في نظام عالمي جديد مبني على التوازن بين المجموعات و الاقطاب المتعددة، و الحذر يبقى مطلوبا في التنفيذ لان الفريق الذي اضطر الى التراجع و ابتلاع الفشل لن يتخلى عن المناورة و محاولة اقتناص الفرص من اجل الاخلال بهذا التوازن فتبقى الحيطة امرا واجبا للمحافظة على المكتسبات المتحققة نتيجة الصمود السوري في المواجهة الدفاعية التي مكنت من الوصول الى هذا التوازن و حفظ سورية في موقعها سيدة موحدة، اكد القرار عليها.

:::::

جريدة الثورة دمشق، 3092013