صمت الأميركيين عن سياسات حكومتهم:

مساءلة الشعب والنظام… ومناقشة في الجذور والأسباب

(الجزء الثالث والأخير)

مسعد عربيد

 

IV

الآليات والوسائل

سأفرد المحور الأخير من هذه الدراسة لمناقشة الآليات التي يستخدمها النظام الحاكم في الولايات المتحدة في ضبط الشعب والتحكم بالقرار وتخريب الوعي الشعبي واختراق حراك القوى المعارضة فيه. بعبارة أخرى احكام الهيمنة الأيديولوجية على شعبها. وهذه الآليات فتّاكة وفعّالة، حيث تمكن النظام الحاكم من تحسينها وتطويرها بفضل تراكم تجاربه وتقنياته عبر العقود.

لن ُتتاح لنا فرصة مناقشة الآليات باسهاب، فهي كثيرة ومتعددة، ولكننا سنعمد الى تناول ثلاث منها نرى أنها الأهم والأكثر فعالية في الهيمنة على مقدرات الشعب وقراره: الاعلام والدين والتخويف المستمر.

 

الهيمنة الأيديولوجية

قبل البدء في مناقشة آليات الهيمنة، يكون من المفيد ان نتناول باختصار مفهوم الهيمنة الأيديولوجية وتجلياتها في المجتمع الأميركي.

لا تتشكّل الثقافة العامة والوعي الشعبي ومجمل القيم والمفاهيم والأيديولوجيا[1] (البنية الفوقية) في مجتمع او تشكيلة إجتماعية ــ اقتصادية ما في فضاءٍ مجرد او مستقل عن الواقع والحياة المادية والاقتصادية والعلاقات الإنتاجية (البنية التحتية)، بل ان البنية الفوقية هي في الأساس انعكاس للبنية التحتية. فالثقافة والقيم والمفاهيم والأيديولوجيا هي نتاج إجتماعي وتطور للأفكار والمفاهيم يتم ضمن ظروف اجتماعية واقتصادية معينة وفي ظل نمط إنتاج وعلاقات إنتاج محددة تخدم في نهاية المطاف غايات ومصالح طبقية محددة. وإستنادا الى هذا المفهوم نستطيع ان نفهم الأيديولوجيات القائمة في التشكيلة الرأسمالية في الولايات المتحدة من خلال منظور الطبقات والعلاقات الطبقية والصراع الطبقي.

أما بالهيمنة الأيديولوجية، فانني أقصد في سياق هذا البحث، سيطرة طبقة او نخبة حاكمة على كافة مستويات الأفكار ونسف أية محاولة لبناء وعي نقدي او فكرة ثورية او إمكانية للتغيير. وبهذا المعنى تفسر لنا الهيمنة لماذا يلوذ الناس بالصمت والنأي بالنفس عن الثورة وتغيير الأوضاع القائمة، على الرغم مما يقاسونه من ظلم وإستغلال، وكيف يجدون لانفسهم وضعاً مريحاً يشعرون أنه ملائم لعملهم وأنشطتهم وعيشهم ويتناسب مع كفاءاتهم المهنية والعلمية مما يبعدهم عن محاولات الثورة والتغيير.

 

تجليات الهيمنة الأيديولوجية في المجتمع الأميركي

تتجلى قدرة الطبقة الحاكمة في أميركا على تمرير سياساتها وحروبها العدوانية والحفاظ، في الوقت ذاته، على الأمن الداخلي و”السلام الاجتماعي” وكبح محاولات الثورة والتغيير، في مشاهد عديدة نذكر منها:

د‌)     “إقناع” فئات واسعة من الشعب الأميركي بسياساتها وحروبها عبر التلقين الأيديولوجي والاعلام المخادع وآليات الديمقراطية المزعومة و”العملية الإنتخابية”. ومن المعروف أن رؤساء أميركا وقادتها السياسيين لا يخفون نواياهم العدوانية لا في برامج حملاتهم الانتخابية ولا في خطاباتهم وتصريحاتهم.

ب) ضمانة حياد فئات عريضة من شعبها (1) إزاء الحروب والسياسات المجرمة، خارجياً، وفي الداخل (2) السياسات المعادية لمصالح وحقوق ونضالات ومكتسبات الطبقات الشعبية الفقيرة والمهمّشة.

ج) دعم وتواطؤ قطاعات كبيرة من الشعب الأميركي ومشاركتها في حروب وجرائم حكومتها، بالطبع مع بعض الإستثناءات المتمثلة في حالات التمرد ورفض المشاركة في الخدمة العسكرية التي يواجه اصحابها المقاضاة والملاحقة والسجن.

 

أولاً: الاعلام الأميركي

آلية للهيمنة على الشعب

ليس هنا مجال الإستفاضة في الاعلام الأميركي[2]، ولكني سوف أكتفي باطلالة عاجلة على أهم المفاهيم التي يقوم عليها الاعلام في الولايات المتحدة كاعلام رأسمالي وظيفته الرئيسية هي الهيمنة الأيديولوجية على الشعب وخدمة مصالح الطبقة الحاكمة.

 

د‌)     طبيعة الاعلام الأميركي: الاعلام الأميركي نظام مركب ومتكامل ذو أهداف ومفاهيم وآليات مرسومة بوضوح، ويشتمل على مؤسسات أيديولوجية قوية وغاية في الفعالية. وتقع ملكية وسائل هذا الاعلام في أيدي الشركات الكبرى التي تديرها وتضمن فرض وتنفيذ هذا النظام وآلياته. وبالاضافة، يتميز هذا النظام الاعلامي بنمط من الضبط والرقابة الذاتية بحيث لا يبدو ان هناك قسراً او تدخلاً خارجياً ينتهك “الديمقراطية” المزعومة.[3]

 

ب) التلقين (الأيديولوجي): يرتكز النظام الاعلامي في الولايات المتحدة في أدائه على آلية التلقين حيث تحتل البروباغندا موقعاً مركزياً، ويسترشد بقوى السوق وفق فرضيات ومُسلمات أصبحت مقبولة لدى عامة الشعب.

● يرتكز مفهوم التلقين على الدعاية ويستخدم تقنيات وآليات تؤدي الى نشر المعلومات الكاذبة والزائفة والتافهة من أجل الهاء المواطنين وخلق الأوهام لدى المتلقين من مشاهدين ومستمعين وقرّاء.

● ولكونه نظام هيمنة في غاية الإحكام، وانسجاما مع أجندته، فان هذا النظام الاعلامي يمنع وصول الكثير من المعلومات والأخبار الهامة الى عامة الشعب ويحول دون توعيتهم وإثارة فضولهم واهتمامهم ويقتل فيهم الرغبة في المشاركة والانخراط مما يودي بهم، في نهاية المطاف، الى العزلة والسلبية والاحباط.

 ● عبر هذه الآليات، يتم التحكم بالأفكار في ما يُسمى ب”المجتمع الديمقراطي”، ومن خلال أنظمة التلقين هذه، تتعامل الأنظمة الحاكمة مع مواطنيها وكأنهم “أدوات” او حجارة شطرنج، مما ينسف أسس الديمقراطية التي يدّعونها ويتناقض مع الطبيعة البشرية التي تنزع الى الحرية والإبداع.

 

ج) مَنْ يصنع القرار؟

 

يقع صنع القرار في الاعلام الأميركي في صلب مفهوم الهيمنة على الأفكار والمفاهيم في المجتمع الأميركي. فالاعلام أداة بيد الطبقة الحاكمة (انظر لاحقاً) ونخب السلطة وحلفائها ومكوناتها الاجتماعية والاقتصادية (الطبقية) التي تملك وسائله وتموله وتتحكم بمضمون الخبر والتحليل والمادة الاعلامية. وبهذا المعنى، فان هذه النخب قادرة على تدمير أية وسيلة اعلامية (صحيفة، اذاعة، محطة تلفزيونية…)، مالياً وفعلياً، إن هي أعلنت العصيان أو خالفت الأجندة السياسية والاجتماعية. هكذا يتسنى لهذه النخب فرض الأوهام والمعلومات الكاذبة على عقول عامة الناس لحرف انتباههم واقصائهم عن المشاركة في القرار السياسي والاقتصادي. ومن نافلة القول ان مَن يصنع القرار في المجتمع هو الذي يقرر تسيير شؤونه وهو الذي يتحكم بمستقبله.

د) مَنْ يمول الاعلام الأميركي؟

تعتمد وسائل الإعلام مالياً على الإعلانات كمورد رئيسي لدخلها. وعليه، فان النخب المالية والشركات الكبرى في الولايات المتحدة تدعم وسائل الاعلام مالياً كي تحظى باولوية التغطية وأفضلية الخبر وإنحياز التحليل الاخباري أو السياسي والاجتماعي لخدمة مصالحها. وهذا الانحياز الممأسس لوسائل الإعلام (خصوصاً الخاصة) لا يحمي مصالح الشركات الكبرى فحسب، بل يسلب الرأي العام ويحرمه من فرصة الاطلاع على التطورات وفهم العالم والواقع من حوله، فيصبح الاعلام وسيلة ناجعة للتضليل الجماعي.

ه) الاعلام والطبقة الحاكمة

لسنا هنا في صدد مناقشة اشكاليات القوى الحاكمة في الولايات المتحدة، فهي مسألة معقدة ومتشابكة، غير ان فهم صمت الأميركيين يستعصي دون تناول العلاقة بين الشعب والمجتمع والاعلام وغيرها من المكونات الاجتماعية، من جهة، والسلطة الحاكمة، من جهة أخرى، ودون تحديد المعالم الرئيسية للطبقة الحاكمة ومصالحها وآليات عملها في ذلك البلد. وربما يكون من المفيد ان نقدم الخلاصة التالية[4]:

تتكون الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة وفي السياق الراسمالي الأميركي، من تشكيلة معقدة ومركبة من عدة مكونات ونخب تتحكم بمواقع القوة والسلطة وتلتقي في مصالحها وخاصة في مجالات السياسة والاقتصاد (ملكية وسائل الانتاج في القطاعات الاقتصادية الأساسية) والثقافة. وتشمل هذه التشكيلة النخب التالية:

ــ النخبة السياسية الإدارية في السلطة (السلطات التنفيذية والتشريعية وأجهزة الدولة ومؤسساتها القانونية والعسكرية والأمنية والاستخباراتية) ؛

ــ النخبة الراسمالية المالكة أي التي تملك الصناعات المدنية والعسكرية والعديد من المرافق الاقتصادية والانتاجية الكبرى؛

ــ النخبة الثقافية الأكاديمية الاعلامية؛

ــ نخبة الدين السياسي أي قيادات وكبار ممثلي المؤسسة الدينية.

أما علاقة الإعلام الأميركي بالسلطة الحاكمة، فتتمثل في نقطتين أساسيتين:

د‌)     خضوع الاعلام لسلطة الدولة وإن على نحوٍ خفي ومغلف لا يفضح حقيقة الديمقراطية الأميركية وتواطؤه مع مصالح الطبقة الحاكمة والنخب المالية والثقافية وامتيازاتها.

2) اعتماد وسائل الاعلام على مصادر الأخبار الخاصة والعامة، وهو من أخطر التحديات التي تواجه هذا الاعلام. فاذا ما أثارت صحيفة أو محطة تلفزيونية نقمة الحكومة لموقف ما، فانه يتم حرمانها إعلامياً من مصادر المعلومات والأخبار. وبالطبع، فان هذا لا يتم بشكل علني او فوري بل بالتدريج. ونتيجة لذلك تتكبد وسيلة الاعلام المستهدفة خسارة جمهورها من القراء او المشاهدين او المستمعين، مما يدفع الشركات المعلنه الى ايقاف اعلاناتها فيها. وعليه، لكي يتجنب أصحاب وسائل الاعلام والمحررون مثل هذه الكارثة الماليه، فانهم يحابون الحكومة ويعمدون الى تقديم الأخبار على نحو يرضيها ويلتزمون في تغطية الأخبار والتحليلات نهجاً يضمن رضى السلطة الحاكمة.

و) الاعلام والشعب

يُقسّم الاعلام الأميركي الشعب من الناحية الوظيفية الى قسمين رئيسين:

د‌)     الطبقة السياسية[5] political class والتي تشكل ما يقارب 20% من المجتمع الأميركي وهي فئة المُلقِنين والمتعلمين الذين يُناط بهم دور ادارة وسائل الاعلام وصناعة القرار فيها.

2) أما الأغلبية المتبقية من السكّان اي 80% من المجتمع الأميركي فيجري تهميش وعيها السياسي والاجتماعي وتجهيلها بما يحدث من حولها في داخل البلاد وخارجها.

الاعلام والمعارضة

 

من الناحية النظرية واللفظية، تتشدق الديمقراطية الأميركية بحرية المعارضة السياسية وحق المواطن في التعبير عن رأيه. إلا ان الأمر، في الواقع الملموس، يأخذ منحى آخراً إذ يتيح الاعلام لبعض أصوات المعارضة مساحة اعلامية ضيقة ويسمح لها بالتعبير عن موقفها بشرط طرح وجهة نظرها بايجاز شديد مراعاة ل”ضيق الوقت”، مما يرغم المعارضة على طرح الحد الأدنى من الأفكار والطروحات التي لا تفي بشرح مواقفها بشكل كامل.

وقد تمكنت الطبقة الحاكمة عبر مؤسساتها السلطوية والقميعة والهيمنة الاعلامية من ضرب أشكال المقاومة والمعارضة:

داخلياً: كانت الحصيلة ضرب النضالات والمكتسبات العمالية والاجتماعية وكافة أشكال الدفاع عن حقوق العمال والمرأة والطفل والفقراء، والنضال من أجل توفير الاحتياجات والخدمات الاجتماعية الأساسية.

وخارجياً: تمكنت الإمبريالية الأميركية من الانفلات في الهيمنة على الأسواق الخارجية وثروات الشعوب، سواء عن طريق الحروب العسكرية او الاقتصادية او عبر المؤسسات المالية الدولية والتي تحتكم الى قرار الإمبريالية الأميركية (وأهمها البنك الدولي، وصندوق النقد العالمي، ومنظمة التجارة العالمية وبعض منظمات هيئة الأمم المتحدة).

الإنترنت

 

أضحت الشبكة العنكبوتية وسيلة اعلام أساسية ومفضلة لدى الملايين من الأميركيين، ووفرت بديلاً اعلامياً وحيزاً للتواصل الحر بين الناس بعيداً عن رقابة الدولة وسيطرة الشركات الكبرى. إلا أنّ التجربة في الولايات المتحدة ومجمل الغرب الرأسمالي، تؤكد أن مصير الإنترنت كوسيلة اعلامية سيكون كسابقاتها من وسائل الاعلام وشؤون السياسة والاقتصاد والمجتمع، وان رقابة السلطة والتضييق على مواقع الإنترنت يتعاظمان، وستصبح هذه المواقع تحت رحمة الشركات الكبرى وأصحاب رأس المال، وان الربحية المالية ستكون المعيار الرئيس على حساب الاعتبارات المهنية والإخلاقية لمهمة الاعلام ووظيفته في المجتمع.

ظهر خلال السنوات الأخيرة عدد من الشركات العملاقة التي احتكرت وسيطرت بالكامل على فضاء الإنترنت نذكر منها AT&T, Verizon, Comcast, Google, Facebook, Apple, Amazon.

وقد غيّرت هذه الشركات ذات النفوذ الهائل وجه الإنترنت وطبيعتها، وإنتهكت حقوق المواطنين ومعلوماتهم الخاصة والشخصية، ولم يعد المواطنون يتمتعون باية حصانة قانونية أو حماية لخصوصياتهم في إستخدام الإنترنت:

د‌)     تمتلك الشركات المذكورة كماً هائلاً من المعلومات الشخصية والخاصة للمشتركين فيها، وهي بدورها تضع هذه المعطيات في خدمة الشركات التجارية التي تسعى لتسويق سلعها وخدماتها عبر الإنترنت.

2) إلا ان الأخطر من هذا، أن هذه الشركات تتعاون مع السلطات الحكومية (المخابرات الفيدرالية، سلطات حفظ الأمن، وكالة الأمن القومي، المؤسسة العسكرية وغيرها) وتقدم لها بشكل منظم ودوري المعلومات التي تجمعها حول مستخدمي الإنترنت مما يتيح لمؤسسات الحكومة مراقبة انشطة واهتمامات هؤلاء المواطنين.[6]

***

خلاصة القول في الاعلام ودوره في تدمير الوعي الشعبي، تفضي بنا الى السؤال الأهم وهو: ما هي آثار مثل هذا الاعلام على المجتمع؟ وماذا يحصل حين ينظر الاعلام الى الشعب بهذه الطريقة ويتعامل معه بكل إزدراء وخبث، وحين تنحاز وسائله لخدمة مصالح الطبقة الحاكمة والشركات الرأسمالية الكبيرة وضمانة الحفاظ على استقرار الوضع القائم Status quo؟

في محاول الاجابة على هذا السؤال، نقدم الملاحظات التالية:

د‌)     أن الشركات الكبرى تحتكر الملكية الخاصة لوسائل الاعلام، وهي شركات تشترك مع الطبقة الحاكمة في المصالح والأهداف.

2) وأنه يتم اقصاء أصوات المعارضة والتضييق على مناقشة آرائها ووجهات نظرها، وحصر هذه الفرصة على أطراف قليلة.

3) هذا يتيح المساحة الرحبة للمواقف والآراء الرسمية للنظام الحاكم وتحقيق هيمنتها على الرأي العام فتصبح هذه المصدر الوحيد للمعلومات والأخبار ومرجعية “الذاكرة” الشعبية التي تكتب التاريخ وتقدمه للشعب وللأجيال القادمة.

4) ينحرف انتباه عامة الشعب وينحصر اهتمامها بالقضايا “الراهنة” أي تلك التي يقرر الاعلام أن يثيرها ويغطيها فتصبح الوحيدة الملحة والمطروحة أمامهم.

ثانياً: توظيف الدين في خدمة مصالح الطبقة الحاكمة

كما أشرت في عنوان هذه الفقرة، فان ما يهمنا هنا هو استعراض مقتضب لبعض الآليات التي توظّف الدين السياسي والمؤسسة الدينية في خدمة مصالح الطبقة الحاكمة ومشروعها الرأسمالي ـ الإمبريالي:

 

د‌)     التنشئة الدينية: تبشر التنشئة الدينية، من بين ما تبشر به، بقيم الطاعة والامتثال لأوامر السلطة والحاكم والمؤسسة الدينية ذاتها، مما يؤدي الى تدمير المبادرة لدى الفرد وفقدانه لاستقلالية قراره وانقياده للمؤسسة الدينية. فعلى سبيل المثال، يتوسل أتباع الكنيسة والمؤمنون في صلواتهم طالبين من الله حماية الملك أو الرئيس أو القوات المسلحة، دون أن يسألوا أنفسهم إذا ما كانت هذه الحكومة وقواتها المسلحة تشن حروباً عدوانية وتقترف الجرائم وتقتل شعباً آخراً وتدمر وطنه؟

2) الدين والمصالحة الاجتماعية/الطبقية: في بحثها عن بصيص من الأمل في غدِ أفضل، ومن أجل الحد من ألم الفقر والجوع والحرمان، توكل الطبقات الشعبية المسحوقة أمرها “للعناية الربانية” وتلجأ الى الدين وقوة وهمية خارجية آتية من السماء، وتبحث عن العزاء في حياة أخرى سعيدة تنتظرها في الجنة. وهكذا تضمن الطبقة الحاكمة ‘الأمن‘ الاجتماعيواحكام قبضتها على الأوضاع القائمة واخماد الثورة واجهاض محاولات التغيير.

3) الاتكالية: تحوّل النزعة الدينية شأن التغيير السياسي والاجتماعي من مشروع نضالي الى مراسيم الصلاة والتوسل الى الله لهداية الحاكم وإرشاده الى الحق والصراط المستقيم، وهكذا فهي تحيل الأمر برمته الى قرار قادم من السماء وتضع مصيرها ومستقبلها رهن العناية الربانية.

4) الدين كأداة سيطرة وتعميق الخوف: يقوم الايمان أساساً على الخوف من قوى خارجية مجهولة لا يستطيع الإنسان فهمها أو السيطرة عليها والتحكم بعواقبها، وهنا يستدخل المؤمن، وفق عقيدته الايمانية، ما يجلب له الطمأنينة وهو تدخل الحاكم لحمايته والحفاظ على أمنه وسلامته. وعلى سبيل المثال نسوق حروب الرئيس الأميركي السابق بوش الصغير على “الارهاب الذي يهدد أمن الأميركيين وحياتهم”، التي ما زالت غالبية الأميركيين تصدقها، والتي استخدمت مراراً وتكراراً لزرع الخوف في الشعب الأميركي.

وربما يحق لنا هنا أن نتساءل:

كيف يمكن لمجتمع يدّعي الحداثة والتقدم ورفاهية العيش ويتمتع بتقنية صناعية ومعلوماتية عالية أن يعيش حبيس جهله وخوفه؟

كيف يمكن للمحافظية الجديدة في الولايات المتحدة ومقولاتها الغبية والكاذبة أن تتغلغل بين صفوف عشرات الملايين من الأميركيين؟

كيف يتسنى للمرء هذا الانفصام المَرَضي بين عمله التقني – ربما الأكثر تقدماً في العالم وفي التاريخ – وإيمانه الغيبي  الكاسح؟

5) الدين والآخر

 

د‌)     الدين وعولمة “القيم الأميركية”: لا تخفي الولايات المتحدة سعيها لفرض “قيمها وثقافتها” على المجتمعات الأخرى، وهي تستند (أو هكذا تدّعي) الى قيم وتعاليم المسيحية الغربية.

 

ب) الدين ومعاناة الآخر: على الرغم من ان المسيحية تنادي بمكافحة الظلم وخاصة ظلم الأغنياء للفقراء، فان “العقل الديني” الغربي، إن جاز التعبير، يقبل ويستدخل الذريعة الأخلاقية لشن الحروب وقتل الأبرياء. وهي مفارقة مذهلة دأبت الولايات المتحدة على تكرارها في حروبها. ولا يرى هذا العقل، وهو عقل إمبريالي بامتياز، تناقضاً بين قيم الدين ورسالته النبيلة وما يمارسه من أفعال التقوى والتعبد من جهة، وشن الحروب والقتل وتدمير الأوطان وإقتراف أبشع الجرائم بحق الشعوب، من جهة أخرى. بعبارة أخرى، فان هذا العقل لا يقيم الرابطة بين متناقضين: الذرائع الأخلاقية من جهة، ومن جهة أخرى شن الحروب التي تحبكها الإمبريالية الأميركية بحذق وخبث في عدوانها على الشعوب.

 

ج) المؤسسة الدينية وتبرير الحروب: من الأمور التي قلّ ما ُتناقش في الأوساط الثقافية والسياسية والشعبية الأميركية، باستثناء ندرة من المحللين، هي أن خطاب ومواقف المؤسسة الدينية كثيراً ما تقف وراء عدم إكتراث الكثيرين من الاميركيين بحياة الآخرين من شعوب وأعراق وأقليات قومية وإثنية ودينية. وهو ما يتناقض مع مبادئ المسيحية التي تبشر بالمحبة والسلام والوئام بين الناس والشعوب. فعندما تقف المؤسسة الدينية مع الحكومة وسياساتها (وهي قلما تخالفها)، فان الحروب العدوانية ونهب موارد الشعوب وسطوة الأغنياء على ثروات الفقراء يصبح امراً مُبرراً ومقبولاً دينياً وأخلاقياً.

لنأخذ، على سبيل المثال، احتلال العراق أو أفغانستان أو محاصرة الشعب الكوبي لخمسة عقود. فحين يعظ رجال الدين بتبرير فظائع هذه الجرائم والحروب على أرضية ’أخلاقية‘ دينية، بغض النظر عن ’الذرائع‘ السياسية والاقتصادية، فانهم كمن يقول لنا: “ان معاناة الشعب العراقي أو الأفغاني أو الكوبي…. هي محصلة حاصل وأمر ثانوي يجب تبريره وقبوله في سبيل ’الغاية الاسمى‘ والمصلحة العامة. والحقيقة أن الأمر لا يتوقف عند مجرد التبرير لمثل هذه السياسات، بل يتعداها الى مناشدة المواطنين والمصلين في مراسيم القداس المسيحي ان يطلبوا من الله دعم رؤسائهم وجيشهم في العدوان على الشعوب الأخرى. فأي نفاق هذا، وأي تواطؤ في دعم الحروب العدوانية، بل وأي إله هذا الذي يبارك سفك الدماء البرئية!

د) أرماجيدين وتحقيق النبؤات التوراتية: لو نظرنا الى احتلال العراق من منظور أرماجيدين، حيث تُعتبر بابل في بعض النبؤات التوراتية المحطة الاولى في هذه المعركة، فاننا نستطيع أن ندرك كيف يسوّق بعض رجال الدين المتشددين الذرائع لقتل مئات الآلاف من العراقيين وتدمير بلدٍ وحضارةٍ بأسرها. ويبدو أن الامر لن يتغير، وفقاً لهذه المعتقدات، حتى لو وصل الأمر الى إنفجار حرب أو مسلسل حروب، لان هذا كله من شأنه ان “يقرّب من مجيء المسيح”.

فهل هناك مبررات أفضل من هذه لشن الحروب الامبريالية؟ وإذا علمنا ان أتباع هذه المعتقدات يشكلون نسبة كبيرة من الناخبين الأميركيين، لأدركنا جسامة المخاطر التي تحيق بمستقبل الإنسانية والتأثيرات بعيدة المدى للمواقف ’المحايدة‘ والمتخاذلة للأحزاب والقوى السياسية والعلمانية ومنظمات المجتمع المدني التي تدّعي مناوءة أيديولوجيا المحافظين الجدد.

 

ثالثاً: الخطر الخارجي… عدو متحرك وخوف متأصل

 

على مدى العقود التي تلت الحرب العاليمة الثانية، وربما الى درجة أقل في العقود التي سبقت، تمكنت الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة من استخدام شرائح عريضة من الإنتلجنسيا الأميركية والاعلام في خدمة أهدافها وتوظيفها في تضليل الرأي العام واقناعه بتصديق الأوهام بان العدو الخارجي يتربص بالشعب الأميركي ويريد حرمانه من حريته وديمقراطيته ورفاهيته. وهذا هو ما عبّرت عنه صيحة الرئيس الأميركي السابق بوش الابن في أعقاب تفجيرات 11 سبتمبر 2011: “لماذا يكرهوننا؟”. ومن أجل نشر هذه الأوهام وتعميقها في النفسية الأميركية، رصدت الادارات الأميركية والشركات والمؤسسات الخاصة أموالاً هائلة من اجل اقامة وتمويل العديد من مراكز الدراسات والأبحاث Think Tanks.

في أوائل خمسينيات القرن الماضي ومع صعود المكارثية، تمثّل “العدو” في الشيوعية والخطر الأحمر والإتحاد السوفيتي مروراً بحقبة الحرب الباردة. إلا ان هذا العدو لم يختفِ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بل ثم العثور على عدوٍ آخر: الارهاب والارهاب الإسلامي تحديداً. بعبارة أخرى، كان العدو وما زال، متحركاً يغيّر عنوانه وصورته، وظلت أميركا وفق هذه الأطروحات تواجه عدواً، بل أعداءً خارجيين “يتآمرون” ليل نهار على شعبها وحياته وديمقراطيته ومستوى معيشتة ورفاهيته. هكذا استقر في وعي الأميركي خوف عميق ومتأصل ودائم من الآخر وقلق مستمر على المستقبل. وليس الخطر الأحمر والشيوعي والاسلامي ومسلسل الكوارث الطبيعية (اعصار كاترينا) والأوبئة (سارس، انثراكس، إنفلونزا الخنازير…) سوى عينة من مشاهد هذا الخطر الذي تتلاحق فصوله أمام المواطن العادي دون أمل في غدِ آمن ولا ضوء في نهاية النفق.

أما كيف ولماذا تتحالف الولايات المتحدة مع أنظمة الدين السياسي الحاكمة في بعض البلدان العربية، وكيف تحتضن وتموّل انظمة وقوى إسلامية وعصابات ارهابية موغلة في ظلاميتها وتخلفها ووحشيتها، فهذه أمور لا تخطر على بال أحد، وأسئلة لا يسألها أحد، وشأن لا يقض مضجع الأميركي وحكامه طالما انه يحقق المصالح الاقتصادية والإستراتيجية ويعود بالأباح الطائلة على الشركات الأميركية الكبرى. لذا تجد السياسة الأميركية نفسها مضطرة كسلطة ونخب لتقديم تعريف آخر  للعدو: فتصنع من بعض المسلمين أو بعض المذاهب الإسلامية عدواً جديداً، أو تبحث عن عدو جديد في  إيران والصين وغيرهما.

 

خاتمة

لا غنى لنا عن نقد الغرب الرأسمالي وتعرية مشروعه وحروبه، فهذه مهمة ملحة تقع في صلب فهمه وفي صلب مشروع مقاومتنا له. الا ان هذا لا يعفي أحداَ من المسؤولية حيال سياسات الإمبريالية الأميركية. فشرح الجذور والأسباب هو محاولة لفهم العدو ومعرفته وبناء وعي نقدي والتأسيس لمقاومته، لا لاعفاء الشعب من مسؤوليته حيال جرائم حكومته.

إن قراءة مسيرة الغرب كمشروع هيمنة رأسمالية والوقوف على الخلفيات والجذور (التاريخية والثقافية والسياسية)، لا تترك القارئ حائراً في النتيجة التي ينتهي اليها: جماهير صامتة وراضية ومنتفعة من النهب الإمبريالي كمصدر لرفاهيتها وأي تغيير لهذا الواقع قد يحرمها مما تتمتع به من إستقرار وترف. فالمصلحة، لا الأخلاق، هي الحَكَم. ولعلنا نجد التعبير المكثف عن هذه الرؤية في المقولة التالية: “إذا كان بمقدورك أن تتصور عالماً بدون أميركا، أي بدون ما تدافع عنه أميركا وما تفعله في العالم، عندها تكون قد قطعت شوطاً طويلاً وبدأت تلتقط ملامح عالمٍ جديدٍ ومختلفٍ كلية”.[7]

 

بقي أن نطرح سؤال المستقبل: هل ما زالت الرأسمالية الأميركية قادرة على النمو على حساب الشعوب الأخرى؟ وهل ما زالت الطبقة الحاكمة قادرة على رشوة شعبها وطبقتها العاملة ببعض الفتات والمكاسب كي تضمن صمتهم واذعانهم لحروبها الإمبريالية؟

الجواب يظلّ برسم المستقبل، ولكننا لا نجازف اذا قلنا ان استقراء الواقع والتاريخ يؤكد ان حيز المناورة للطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة ما زال كبيراً، وأنها ستعمل على إقناع شعبها بان مسيرة الحروب ممكنة بل ضرورية للنمو الإقتصادي الأميركي وللدفاع عن الأمن القومي وسلامة الأميركيين وأنها (اي الحروب) ستجلب لهم الخير والرفاهية.

إلا انه بات مؤكداً بان الولايات المتحدة لم تعد القطبية الوحيدة المنفردة بالقرار والمهيمنة على مستقبل العالم. فبالقدر الذي تتصاعد فيه مقاومة الشعوب وتصديها للهجمة الإمبريالية، وبقدر ما تتنامى القطبيات والمحاور والتحالفات الإقليمية والدولية المناهضة للهيمنة الأميركية المتوحشة، بقدر ما نرى إنزياح الأرض من تحت أقدامها (الإمبريالية الأميركية) وتلاشي هيمنتها وضعف قدرتها على القبض على زمام الأمور.

 

لا خيار للشعوب المستعمَرة والمضطَهَدَة إلاّ المقاومة: مقاومة مشروع الهمينة الغربية بكافة الأشكال المتاحة والإعتماد على القوى الذاتية بشكل أساسي ونسج التحالفات مع القوى الصديقة والحليفة. وهو نضال لا يتسنى إلا بإزالة الغبش عن العيون وقراءة الواقع كما هو: قراءة وفهم العدو وطبيعة الصراع معه. إلا ان مواجهة الإمبريالية ومخططاتها تحتاج أيضاً الى جبهة داخلية تدق ركائز النظام من الداخل، وهذه بدورها تستلزم خطاباً وبديلاً ثورياً تغييرياً ومشتبكاً مع الرأسمالية في الداخل الأميركي. وهذا أيضاً لن يتم دون خلق الفهم والوعي النقدي لأخطار الإمبريالية الأميركية وتحرير العقل من كافة القيود الاجتماعية والمعرفية والدينية والاقتصادية والطبقية من أجل المضي قُدماً نحو عالم أفضل: عالم لنا وليس لهم، فقد احتلوا هذا العالم قروناً طويلة، أما الآن فقد حان زمننا، زمن الشعوب والفقراء.