“لا” مصرية للابتزاز الأمريكي

محيي الدين سعيد*

ألقت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بقرار تجميد جزء من معونتها التي تعهدت بتقديمها بشكل سنوي لمصر منذ إقرار الأخيرة اتفاقية كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، في وجه القاهرة، ظناً منها أنها يمكن أن تشكل ورقة ضغط على الإدارة الحالية فيها، خصوصاً الجيش المصري، لإجبارها على تغيير مسار خارطة الطريق التي أعلن عنها قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح السيسي في الثالث من يوليو/تموز الماضي بعد إطاحة نظام الرئيس “الإخواني” محمد مرسي، فارتد القرار في وجهها هي  الإدارة الأمريكية  بارتباك داخل دوائر صنع القرار فيها من جانب، ومزيد من الالتفاف الشعبي في مصر حول الجيش من جانب آخر، ودعم عربي جديد للقاهرة من جانب ثالث، والأهم أيضاً قلق في داخل حليفتها “الدولة العبرية” من أن يلقي القرار بتداعيات سلبية على اتفاق السلام بين القاهرة و”تل أبيب” .

في الساحة المصرية، استدعى القرار الأمريكي الذي وصفته القاهرة ب”المتسرع” تنامياً عالياً وواسعا في الشعور القومي لدى طوائف الشعب المصري التي استعادت خطاباً ظنت واشنطن أن ما جرى من مياه في نهر الطبيعة المصرية منذ ما يزيد على أربعين عاماً، قد محاه، أو على الأقل أضعفه، فإذا بقرار إدارة أوباما يحييه بقوة ويستعيد معه المصريون مواقف الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الرافضة لأن تكون مصر وقرارها الداخلي رهينة مساعدات من هنا أو هناك، خصوصاً من الولايات المتحدة الأمريكية، وأصبح من المعتاد أن تجد في الشارع المصري  وحتى ممن لم يعاصروا حكم عبد الناصر  من يذكرك بالقول الشهير للزعيم الراحل “أنا باقول اللي سلوكنا مش عاجبه يشرب من البحر”، رداً على محاولات التدخل في الشؤون المصرية في ذلك الوقت وابتزاز القاهرة بورقة المساعدات الاقتصادية .

تاريخ المساعدات الأمريكية لمصر لم يبدأ مع معاهدة السلام بين مصر والكيان الصهيوني، حين جعلت واشنطن، وباعتبارها الراعي لتلك الاتفاقية من المعونات السنوية لمصر “اقتصادية وعسكرية”، ضامناً لاستمرار واستقرار تلك المعاهدة، وإنما يعود إلى عام ،1953 حيث بدأت بشحنات من القمح تلقتها حكومة ثورة يوليو، في إطار مشروع “النقطة الرابعة” الذي أعلنه الرئيس الأمريكي هاري ترومان كإطار لبرنامج للمعونات والموجه من الولايات المتحدة إلى الدول النامية، في سياق التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت، فيما كان واضحاً أن واشنطن تخطط لاستقطاب الثوار المصريين، ولاحتواء ما أظهروه مبكراً، وعلى رأسهم قائد ثورة يوليو جمال عبد الناصر من عداء للاستعمار والإمبريالية، وسعيهم إلى مساندة دول المنطقة وكثير من دول العالم على التخلص والتحرر منهما، وسرعان ما بدأ الصدام الأول مع وقوف الولايات المتحدة عائقاً أمام حصول مصر على قرض من البنك الدولي لإنشاء السد العالي بقراره التاريخي بتأميم قناة السويس في عام ،1956 وردت واشنطن بتجميد معوناتها الاقتصادية لمصر فيما ظنت أنه سيكون عقاباً لناصر .

بدأت الأوضاع تتحسن تدريجياً بين مصر والولايات المتحدة بعد عامين من حرب ،56 ووقعت حكومة الرئيس الأمريكي أيزنهاور ثلاث اتفاقيات تجارية مع مصر بقيمة 164 مليون دولار، وفي عام 1962 أوصى الاقتصادي البارز إدوارد ماسون حكومة الرئيس جون كنيدي باستمرار المساعدات، وكان الهدف الأمريكي من ذلك هو التصدي للتوجه المصري نحو الكتلة الشرقية بزعامة الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت، ليأتي قرار الرئيس عبد الناصر بإرسال قوات مصرية لدعم الثورة في اليمن كسبب لقرار أمريكي جديد بوقف المساعدات الاقتصادية لمصر، وازداد الأمر سوءاً مع المظاهرات التي اندلعت في مصر عام 1964 التي اتهمت الولايات المتحدة بالتورط في حادث مقتل الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، وبدا أن الولايات المتحدة تساوم الزعيم المصري على استئناف المساعدات لدعم مشروعاته التنموية ليرد الزعيم الراحل بخطابه الشهير في 23 ديسمبر/كانون الأول 1964 الذي قال فيه: “إذا كان الأمريكان بيفهموا إنهم بيدونا المعونة عشان ييجوا يتحكموا فينا ويتحكموا في سياستنا، أنا بقول لهم احنا متأسفين، احنا مستعدين نقلل من استهلاكنا في بعض حاجات، ونحافظ على استقلالنا استقلالاً خالصاً، وإذا كان سلوكنا مش عاجبهم أنا باقول اللي سلوكنا مش عاجبه يشرب من البحر” .

في العام التالي وبعد توقف شحنات السلاح المصرية إلى الكونغو وتوقيع اتفاقية وقف إطلاق النار في اليمن، وقعت القاهرة وواشنطن اتفاقيتين تمنح بموجبهما أمريكا 65 مليون دولار لمصر في شكل معونات، لكن عبد الناصر عاد ورفضهما بسبب ما تضمنتاه من قيود على مصر، وقال في تصريح آخر شهير: إن الحرية التي اشتريناها بدمائنا لن نبيعها بالقمح أو الأرز . . لقد أوقفوا معونات القمح الأمريكية، لأننا نتحدث عن “إسرائيل” ونفكر في إنتاج الصواريخ والأسلحة الذرية”، لتتفاقم حالة العداء بين القاهرة وواشنطن مع حرب ،1967 وظلت العلاقات مجمدة حتى اندلعت حرب أكتوبر ،1973 وبدأت مياه جديدة تجري في نهر العلاقات بين البلدين في ظل وجود وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر الذي اقترح في عام 1974 إرسال كميات من القمح إلى مصر بعد أن بدأ كيسنجر برعاية اتفاقيات التهدئة بين مصر والكيان الصهيوني .

ومع توقيع اتفاقية “كامب ديفيد” عام 1979 صارت المعونات الأمريكية بشقيها العسكري والاقتصادي جزءاً من الضمانات الأمريكية للاتفاق بين القاهرة و”تل أبيب”، حيث أعلن رئيس الولايات المتحدة في ذلك الوقت جيمي كارتر تقديم معونة اقتصادية وأخرى عسكرية سنوية لكل من مصر و”إسرائيل”، تحولت منذ عام 1982 إلى منح لا ترد بواقع 3 مليارات دولار ل”إسرائيل”، و1 .2 مليار دولار لمصر، منها 815 مليون دولار معونة اقتصادية، و3 .1 مليار دولار معونة عسكرية، لتمثل المعونات الأمريكية لمصر 57% من إجمالي ما تحصل عليه من معونات ومنح دولية، من الاتحاد الأوروبي واليابان وغيرهما من الدول، فيما لا يتجاوز مبلغ المعونة 2% من إجمالي الدخل القومي المصري .

القرار الأمريكي، وكما سبق القول، ارتد على الإدارة الأمريكية ليكشف أن تخبطاً واضحاً تعيش فيه دوائر صنع القرار فيها، فبين تلويح بالقرار ونفي له، ثم الإعلان عنه، ومسارعة مسؤولين بارزين للتأكيد على حرص واشنطن على علاقاتها الاستراتيجية مع مصر، وعلى استمرار التعاون “الأمني” مع الجيش المصري، بدا الارتباك واضحاً، ولاحقته انتقادات إعلامية سياسية من داخل الولايات المتحدة تتهم إدارة أوباما بسوء التقدير، وتلفت إلى مخاطر تنامي العداء الشعبي داخل مصر للولايات المتحدة جراء دعمها الواضح لجماعة الإخوان ومحاولاتها التدخل لتغيير المعادلة السياسية في مصر بما يبقي الجماعة في المشهد السياسي، على الرغم من الرفض الشعبي الذي عبّر عن نفسه بقوة في 30 يونيو/حزيران وما تلاه من أحداث على الساحة المصرية، كما تشير إلى المكاسب التي حصدتها واشنطن جراء استمرار معوناتها لمصر طوال السنوات الماضية، وعلى رأسها تعزيز وحماية الأهداف والمصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، والسماح لطائرات الولايات المتحدة العسكرية بالتحليق في الأجواء العسكرية المصرية، ومنحها تصريحات على وجه السرعة لمئات البوارج الحربية الأمريكية لعبور قناة السويس، إضافة إلى التزام مصر بشراء المعدات العسكرية من الولايات المتحدة، حيث قدمت أمريكا لمصر نحو 3 .7 مليار دولار بين عامي 99 و2005 في إطار برنامج مساعدات التمويل العسكري الأجنبي، وأنفقت مصر خلال الفترة نفسها نحو نصف المبلغ، أي 8 .3 مليار دولار لشراء معدات عسكرية ثقيلة أمريكية .

ولأن واحداً من أهم أهداف تقديم المعونات الأمريكية لمصر كان هو السعي إلى الحفاظ على استقرار العلاقة بين مصر و”إسرائيل” بعد إبرام معاهدة السلام بينهما برعاية أمريكية، فقد كان من الطبيعي أن ينتاب قلق واضح وواسع مختلف الدوائر في داخل الكيان وأن يتحدث مسؤولون بارزون فيه عن أن القرار الأمريكي بتجميد جزء من المعونات لمصر “يضع المعاهدة في مهب الريح”، وأن يعبر آخرون عن آمالهم في ألا يؤثر القرار في مستقبل تلك المعاهدة، وكان طبيعياً في المقابل أن يلوح المصريون بإمكانية طرح المعاهدة للمراجعة وأن تتحدث تقارير إعلامية في القاهرة عن أن دوائر سياسية في الحكم تبحث الأمر كرد فعل على الخطوة الأمريكية .

رد الفعل الأكثر قوة تمثل في التلميح المصري تارة والتصريح أخرى على لسان مصادر عسكرية بأن القاهرة تسعى إلى البحث عن مصادر جديدة للسلاح، خصوصاً أن أخطر قيود وسلبيات المعونات الأمريكية  في شقها العسكري  كانت تضمن لواشنطن تحديد نوعية تسليح الجيش المصري، وجاء الحديث عن علاقات “تسليحية” مع روسيا والصين وكوريا والهند والبحث عن بدائل وقوى دولية أكثر تأثيراً ودعماً لمصر في المرحلة الراهنة، ليعيد إلى الأذهان وإلى الشعور القومي المصري أجواء قرار عبد الناصر في عام 1955 بشأن صفقة الأسلحة التشيكية الذي أنهى احتكار المعسكر الغربي للسلاح، وأعطى للعالم الثالث فرصة جديدة للانطلاق لبناء الجيوش الوطنية .

في الساحة الداخلية المصرية انطلقت أيضاً حملات الدعوة للاستغناء الكامل عن المعونات الأمريكية، ودعوة الإدارة الحالية إلى تبني مشروعات قومية للتنمية لبناء استقلال اقتصادي حقيقي يدعم طموحات الشعور القومي لدى المصريين في إنهاء الحاجة إلى أي مساعدات من أي طرف خارجي، ليأتي الحديث عن دعم عربي، خاصة من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ويزيد من الاطمئنان المصري إلى وجود ظهير “شقيق” يدعم التطلعات للتحرر من السيطرة الأمريكية على القرار الوطني المصري .

:::::

*كاتب وباحث مصري

“الخليج”