تونس – الجبهة الشعبية من إسقاط النظام إلى إنقاذه

(بمناسبة الذكرى الأولى لتأسيس “الجبهة الشعبية”)

الطاهر المعز

تأسست “الجبهة الشعبية لتحقيق أهداف الثورة” يوم 07/10/2012 بتحالف بين أهم التيارات التقدمية (اليسار الشيوعي والقومي ) وعدد من المستقلين التقدميين، بكثير من التأخير، وتحت ضغط الأحداث، بعد فترة فراغ طويلة تركتها “جبهة 14 جانفي” التي تأسست في شباط (فبراير) 2011، إثر سقوط رأس النظام المتمثل في رئيسه زين العابدين بن علي الذي لجأ إلى السعودية… انفرط عقد الجبهة الأولى (14 جانفي) مباشرة بعد إعلان حكومة “الباجي قائد السبسي” عن موعد انتخابات المجلس التأسيسي وشروطها (حزيران 2011)، بإشراف ممثل الإمبريالية الأمريكية “جيفري فلتمان”، وخاضتها الأحزاب منفردة، طمعا في الفوز ببعض المقاعد (بفضل طريقة توزيع الكسور)، فكانت نكسة كبيرة للقوى التقدمية وانتصارا هاما للقوى الرجعية والظلامية، لأنها كانت الأكثر تنظيما وثروة، واستنزفت الحملة الإنتخابية الجهود وطاقة المناضلين، مؤجلة قضايا “الشغل والحرية والكرامة الوطنية” إلى ما بعد الإنتخابات، إضافة إلى انخراط بعض أطراف “جبهة 14 جانفي” في “هيئة عياض بن عاشور” التي لعبت دورا هاما في توفير الأرضية السياسية والقانونية لانتخابات 23 اكتوبر 2011…

ركزت “النهضة هجوماتها أواخر 2012 وبداية 2013 على الجبهة الشعبية، وتزامن ذلك مع قرار الإضراب العام (13/12/2012) وأحداث “سليانة”، التي شارك فيها الشباب وأهالي المنطقة بكثافة، برغم عدم مساندة الجبهة الشعبية بشكل صريح لمختلف الإنتفاضات المحلية، ولم تتبن شعار “إسقاط النظام” أو “الثورة من جديد” ولكنها تطمح إلى “تحقيق أهداف الثورة”، بحسب البيان الأول الذي أصدرته، وأصبحت بعد مدة قصيرة طرفا ثالثا في الحياة السياسية التونسية إضافة إلى الحزب الحاكم الحالي (النهضة) والحزب الحاكم السابق (نداء تونس)، يهدف إلى “تجميع القوى الوطنية و الثورية و توحيد صفوفها… لاستكمال المسار الثوري و إرساء سلطة الشعب عبر كل أشكال النضال الممكنة بما في ذلك الانتخابات”، وأعلن حمة الهمامي، الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية، في كلمة ألقاها بمناسبة أربعينية الشهيد “شكري بلعيد” عن “قرب البدء في نقاش حول تأسيس الحزب اليساري الموحد”… يفترض تحقيق هذه الأهداف رؤية وبرنامجا يستجيب لمطالب “الشغل والحرية والكرامة الوطنية”، ووسائل لتطبيق هذه الرؤية وهذا البرنامج، وتصورا عن تكاليفه وعن الموارد ومصدرها الخ، كما يفترض القطع مع النماذج السابقة والحالية للتنمية وللحكم وتسيير شؤون البلاد ووضع حد (ولو تدريجيا) لعلاقات التبعية نحو القوى الإمبريالية ومؤسسات “بريتن وودز” (البنك العالمي وصندوق النقد الدولي) الخ، وهذا يفترض وجود البديل، ويفترض القيام بعمل دعائي ضخم حول إمكانية تطبيق سياسة أخرى مناقضة لما عرفته أجيال من المواطنين على صعيد محلي أو عربي أو عالمي، وحول وسائل تحقيقها، وحول مشاركة المستفيدين من هذه السياسة وهذه البرامج في إعدادها وتطبيقها وتصويبها ونقدها، وكانت هذه الفرصة متاحة خلال الأشهر القليلة الأولى من سنة 2011 حين كان “مجلس حماية الثورة” يشكل حاضنة لقوى التغيير وحين كانت الجماهير المعتصمة في ساحة “القصبة” (حيث توجد الوزارة الأولى وأهم الوزارات) تنادي بالتغيير الجذري، وعدم الإكتفاء بتغيير رأس النظام، غير أن معظم القوى تغاضت عن القمع الشديد الذي طال المعتصمين القادمين من مختلف جهات البلاد، وانتقلت من “الشرعية الثورية” إلى “الشرعية الإنتخابية”، وكانت تلك بداية هزيمة المسار الثوري…

ورد في النداء الأول “للجبهة الشعبية” نقد لسياسة الإئتلاف الحاكم بقيادة “النهضة” (إسلام سياسي) بخصوص المسائل الديمقراطية ك”الإستحواذ على أجهزة الدولة وتوظيفها لصالح سياسات حزبية ضيقة…” ونقد “الخيارات والإجراءات الإقتصادية الليبرالية المتوحشة التي تعمق معاناة الشعب وتزيد من فقر المواطنين وبؤسهم… إن هذا الائتلاف يرهن مقدرات الوطن للدوائر الاستعمارية ووكلائها، (ويهدد بشكل غير مسبوق) النسيج الاجتماعي و السيادة الوطنية و قيم الجمهورية…” ووعدت الجبهة بالإهتمام بالمسائل الوطنية “والتصدي لهذه السياسات اللاشعبية واللاوطنية، وتقديم بديل سياسي يرسم (للجماهير الشعبية) آفاقا على درب تحررها الوطني وانعتاقها الاجتماعي…” ويتوجه النداء بالخصوص إلى “العمّال والفلاّحين، والطلبة والمثقفين والمبدعين، والشباب المعطّل… محرّك الثورة وشعلتها لاستكمال أهداف الثورة…” ودعت الجبهة هذه الفئات للمشاركة “في بناء الجبهة الشعبية والمساهمة في برامجها، لتحقيق أهداف الثورة، وبناء جبهة شعبية تنتصر للشعب ولقيم الثورة”، وورد في “الأرضية السياسية” أن أهداف الجبهة تتعارض مع سياسة “… (هذا التحالف الذي) يسير بخطى حثيثة نحو الإلتفاف على ثورة شعبنا والتمهيد لإعادة إنتاج نظام التبعية والإستبداد والفساد، بغلاف ديني…”

لقد تمكنت مكونات الجبهة الشعبية من الإتفاق على أهم مطالب المرحلة من إصلاحات ديمقراطية (حريات، عدالة انتقالية، إعلام، قضاء، أمن…) ومن استقلال اقتصادي مناهض “لرهن مقدرات الوطن للدوائر الاستعمارية ووكلائها…”، وترفض الجبهة في أرضيتها السياسية: “الاستقطاب الثنائي المغشوش الذي يقابل بين (قطبين) يلتقيان في الحفاظ على نفس التوجهات الاقتصادية الليبرالية المرتهنة للدوائر الأجنبية و إن تغلف أحدهما بغلاف (ديني) و الاخر بغلاف (حداثوي)… مما يدفع باتجاه طمس التناقض الحقيقي بين القوى المتمسكة بتحقيق أهداف الثورة والقوى التي تعمل على الإلتفاف عليها” وتعتبر الجبهة أن “لا مخرج (للبلاد) إلا بمواصلة الشعب التونسي لمسيرته النضالية بأبعادها الوطنية والديمقراطية والاجتماعية والثقافية والبيئيّة حتى تحقيق أهداف الثورة كاملة وإرساء سلطة الشعب، ولن يكون ذلك ممكنا إلا بالقطع مع تشتت القوى الثورية والوطنية والديمقراطية والتقدمية أحزابا وجمعيات ومنظمات وشبابا وشخصيات مستقلة وتحالفها معا صلب جبهة شعبية تشكل بديل حكم حقيقي… لاستكمال المسار الثوري وإرساء سلطة الشعب عبر كل أشكال النضال الممكنة بما في ذلك الانتخابات… ويؤكدون على الاستعداد للتفاعل الايجابي مع كل المبادرات الوطنية والشعبية التي تلتقي مع توجهات الجبهة ومهامها”… لقد أوردنا هذه الإستشهادات المطولة المقتطفة من النصوص القليلة التي اصدرتها “الجبهة الشعبية” في بدايات تكوينها (وبقي بعضها مجرد مشاريع لم تعرض للمصادقة النهائية) لإظهار الهوة بين المنطلقات، والمسار الذي اتخذته في ما بعد، وهي بمثابة انقلاب “كامل الأوصاف” على الأهداف المعلنة عند التأسيس…

يفيد استخدام عبارات “استكمال مهام الثورة” أن هناك انتكاسة استغلتها “قوى الثورة المضادة” التي “التفت” على الثورة ومطالبها، ووجب إعادة توجيه المسار التاريخي نحو تحقيق مطالب الجماهير التي انتفضت ضد الإستبداد، وضد انسداد الأفق الإقتصادي أمام الشباب الباحث عن عمل، وبالتالي فإن “الجبهة الشعبية” اختارت صفها بوضوح إلى جانب الفقراء والكادحين والفئات المهمشة والعاطلين عن العمل وهي الفئات التي انتفضت قبل أن تلتحق بها فئات أخرى مثل المدرسين والمحامين والإعلاميين والفنانين الخ، وورد في النصوص الأساسية أن الحلول تنبع من الداخل وليس من التبعية للإمبريالية أو الخضوع لمؤسساتها المالية (صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية…)، والتبعية والإستبداد والفساد هي قواسم مشتركة بين التحالف الحاكم بقيادة الإسلام السياسي (اليمين الديني) والتحالف الذي كان حاكما بقيادة “نداء تونس” (اليمين “الحداثي”)، وكثيرا ما رفع المتظاهرون شعار “ثورتنا شعبية لا دساترة ولا إخوانجية” أو ” لا، لا للرجعية …دساترة و اخواجية ” (الدساترة هم منتسبو حزب “الدستور” الذي حكم البلاد منذ 1956، وغير اسمه سنة 1987 إلى “التجمع الدستوري الديمقراطي” وحكم إلى غاية 14/01/2011)، وأعلن حمة الهمامي، الناطق الرسمي باسم الجبهة، خلال أول مهرجان عمومي للجبهة في “قصر المؤتمرات” في العاصمة يوم 7 تشرين الأول (اكتوبر) 2012 “ان الجبهة ليست جبهة احتجاج و معارضة بل جبهة بدائل و حكم و هي قادرة على تسيير شؤون البلاد”…

ممارسات سلطة “النهضة”

بداية لا بد من التذكير أن أعضاء “النهضة” وقياداتها وكوادرها لم يشاركوا في المظاهرات قبل يوم 17/01/2011 أي بعد ثلاثة أيام من هروب الرئيس السابق، وشهرا بعد انطلاق المظاهرات من “سيدي بوزيد”، وما تأسيس الميليشيا التي أسموها “روابط حماية الثورة” سوى عملية التفاف على حدث لم يساهموا فيه، بل استغلوا المال الوفير والتنظيم العمودي (شبه العسكري) الذي يتميز به حزبهم، للإنقضاض على البلاد… يتمثل دور “النهضة” في كونها مجرد “وكيل” لشيوخ النفط (بالخصوص قطر، راعية تيار الإخوان المسلمين)، وشيوخ النفط هم وكلاء للإمبريالية، متعاقدون من الباطن ( تحتل القواعد العسكرية الأمريكية في العيديد والسيلية نصف أراضي قطر، إضافة إلى قاعدة فرنسية)، أي أن “النهضة” وكيل من درجة ثالثة، وتميزت فترة حكمها في تونس (وكذا حال الإخوان المسلمين في مصر) ببعض الممارسات تميزت باللهفة على المال والمناصب منها:

-رهن البلاد ومقدراتها للدائنين من قوى امبريالية (مجموعة الثمانية، وملتقى “دوفيل” ومنتدى “دافوس”) وأدوات الهيمنة الإمبريالية (صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير)

– تعيين أعضائها في كافة المناصب السياسية والإدارية والأمنية والقضائية والإعلامية، دون اعتبار المؤهلات أو ضرورة “حياد الإدارة”، وهي ممارسات تقوم بها الأحزاب الحاكمة في دول “العالم الثالث”، بعد سنوات من الحكم، وليس منذ الأشهر الأولى لحكم انتقالي مؤقت !

– تأسيس قوى “أمنية موازية” وميليشيا حزبية مسلحة (تحت أسم “روابط حماية الثورة”) مارست القمع العلني ضد المتظاهرين والمعارضين لسياسة الحزب الحاكم، وحرقت وخربت محلات “الإتحاد العام التونسي للشغل” (نقابة العمال) وجرحت قيادات نقابية ومارست العنف ضد العمال المضربين (عمال نظافة المدن على سبيل المثال) وقامت بترويع كل من اختلف مع الحزب الحاكم

– إطلاق إحدى أسوا حملات القمع التي شهدتها البلاد في تاريخها ضد الإعلاميين والفنانين والنقابيين والنساء وسجن كل من اختلف سياسيا وعقائديا مع تيار الإخوان المسلمين الحاكم في تونس (النهضة)، وترويج الدعايات الفجة التي كان يروجها النظام السابق ضد كل من خالهم الرأي، ونعت المعارضين والمختلفين ب”فلول النظام السابق”

– قمع المتظاهرين في المدن الداخلية الفقيرة التي انطلقت منها شرارة الإحتجاجات ضد حكم الرئيس السابق، وقنصهم بالرصاص، وقمع العاطلين عن العمل وأهالي الشهداء و الجرحى خلال مظاهرة 9 نيسان (أبريل) 2012 (عيد الشهداء في تونس)، واضطر الشباب الذي أشعل لهيب الثورة إلى الهروب، عبر البحار، بحثا عن عمل حرم منه في بلاده، والموت غرقا في سبيل ذلك في زوارق مهترئة، إضافة إلى ما يعانيه الشعب من حرمان وغلاء الأسعار وتضخم، وبطالة…

– مواصلة خصخصة ما تبقى من مؤسسات عمومية، وبيع الممتلكات التي صادرتها الدولة (وأصبحت ملكا لها) من العائلة الحاكمة السابقة (عائلة بن علي – الطرابلسي)إلى المقربين (سياسيا وعائليا) بأسعار منخفضة إلى الموالين والمقربين من رجال أعمال وقياديين حزبيين وأفراد عائلاتهم وأصهارهم الخ

– رفع الدعم عن بعض المواد الأساسية (وفقا لأوامر صندوق النقد الدولي) وارتفاع جنوني لأسعار الكهرباء والغاز والطاقة، إلى جانب الإرتفاع المشط لأسعار الخضروات والفواكه والحبوب، واختفاء العديد من المواد الضرورية كالحليب، لأشهر عديدة

– اللهث وراء المال بأشكال دنيئة ومريبة، ومحاولة زيادة رواتب نواب المجلس التأسيسي، وتعويض مساجين النهضة (ماليا)، وتعيين قادتها في مناصب لا علاقة لها بمستوياتهم العلمية أو خبرتهم المهنية، واختلاق مهمات وهمية لتبرير الرواتب والحوافز المرتفعة لبعض قادة ونواب الحزب الحاكم، وابتزاز أرباب العمل “للتبرع الإجباري” لفائدة الحزب الحاكم، إضافة إلى أخبار متواترة عن أعمال سرقة وفساد وابتزاز وتلاعب بالمال العام…

– التطبيع مع الكيان الصهيوني من خلال اللقاءات المباشرة والتصريحات العلنية، واعتبار المسألة الفلسطينية شأن خاص ب”الفلسطينيين” (أي سلطة الحكم الذاتي الإداري في رام الله وحماس في غزة وليس اللاجئون في المخيمات)

– دعوة الإمبريالية لاحتلال سوريا، وقطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق السفارة وطرد السفير، قبل أن تقوم بذلك بعض دول الخليج، الداعمة لقوى الإسلام السياسي المسلح في سوريا

كما نجح الإسلام السياسي الحاكم في خلق حالة من الفوضى (“الخلاقة”؟) جعلت المواطن العادي الذي كان يشتكي من قمع الأجهزة الأمنية، يطالب بتركيز “هيبة الدولة” وتعزيز أجهزة الأمن وتحويل مهام الجيش من الدفاع على حدود الوطن إلى مهام الأمن الداخلي، لتوفير الطمأنينة، وردع “السلفيين” والمجرمين والمنحرفين الذي روعوا مستخدمي وسائل النقل والطرقات والتجار وسكان الأحياء الشعبية، وأصبح بعض المواطنين يترحمون على النظام السابق الذي (رغم القمع) “جنب البلاد هذه الفوضى السائدة حاليا”

منعرجات في سياسة الجبهة الشعبية

بعد اغتيال “شكري بلعيد”، احد قادة اليسار والجبهة الشعبية، (يوم 06/02/2013) خرجت جماهير غفيرة إلى الشوارع، يوم جنازته، غطت مسافة سبعة كيلومترات، احتجاجا على الجريمة، رغم البرد القارس والرياح والأمطار، وطالب عشرات آلاف المواطنين الإنتساب إلى الجبهة الشعبية وإلى أحزاب اليسار، لكن قيادة الجبهة (المؤلفة من زعماء الأحزاب وبعض المستقلين) اتجهت نحو التحالف مع حكام الأمس الذين تجمعوا في “نداء تونس” بقيادة “الباجي قائد السبسي”، أحد رموز النظام الحاكم منذ 1956، وأعلنوا في البداية أنها مجرد “تقاطعات” حول بعض القضايا، او “مجرد تنسيق مواقف أو تفاهمات حول مهام محددة لا ترتقي إلى مستوى التحالف الجبهوي” ثم تحول الأمر إلى تحالف صريح بعد اغتيال “محمد براهمي” (يوم عيد الجمهورية 25/07/2013)، أحد قادة الجبهة الشعبية أيضا، والنائب في المجلس التأسيسي، وانتقلت الجبهة الشعبية من “التقاطع” مع “نداء تونس”، إلى التحالف الصريح، إلى حد الذوبان، في جبهة جديدة تحت مسمى “جبهة الإنقاذ الوطني”، وغاب اسم الجبهة الشعبية من البيانات والدعوات إلى التظاهر وبقية الفعاليات، ولم يستشر قادة الجبهة قواعدهم، بل قرروا ذلك ووقعوا الإتفاقيات، ثم برروا ذلك لاحقا للقواعد والجهات النائية وللمنتسبين والأصدقاء، وأقصيت بعض القوى والأحزاب التي عبرت عن خطورة هذا التوجه (وكان محمد براهمي قد اعترض على هذا التوجه قبل اغتياله)… وتغير الهدف من “استكمال مهام الثورة وإرساء سلطة الشعب” إلى “حكومة تكنوقراط للإنقاذ الوطني”، مع من؟ مع من أمروا بقمع الشباب والمتظاهرين في ساحة “القصبة” سنة 2011، وشباب وأهالي الحوض المنجمي، ومع من اتهم العمال المضربين “بتعطيل عجلة الإقتصاد ودفع البلاد نحو الهاوية وإبعاد السياح والمستثمرين الأجانب” الخ، وتحولت العملية إلى ذوبان الجبهة الشعبية داخل “جبهة الإنقاذ”، باسم البراغماتية (الواقعية) وموازين القوى، وباسم الحداثة ضد الظلامية… أما الأساس النظري لهذا الذوبان فهو ينطلق من فرضية تعتبر أن الإسلام السياسي الحاكم قوة فاشية، ولذا وجب القيام بتحالف واسع لإسقاط الحكم الفاشي، وتأجيل “تحقيق أهداف الثورة” إلى ما بعد الإطاحة بحكم الإستبداد الديني (وهي نفس المبررات التي قدمها حزب العمال أثناء تحالفه مع الإخوان المسلمين في “ائتلاف 18 اكتوبر” سنة 2005 ضد “الحكم الإستبدادي لبن علي”)، وهو هدف ينأى بالجبهة بعيدا عن مطلب “إسقاط النظام” الذي طالما ردده المتظاهرون قبل وبعد الإطاحة ببن علي (“الشعب يريد إسقاط النظام” أو “الشعب يريد الثورة من جديد”)، أما قادة “نداء تونس” (أو “الإتحاد من أجل تونس”) فإن جزءا هاما منهم كانوا من مسؤولي ومسيري ذلك النظام الذي يريد الكادحون والمضطهدون والفقراء إسقاطه، لأنهم يدركون استحالة ترميمه ( لا يحس الجمرة إلا من اكتوى بنارها)، والتحق جزء هام من كوادر وقياديي الحزب الحاكم قبل 2011 بحركة النهضة بعد استيلائها على دواليب الحكم والدولة، واستقطبت النهضة عددا هاما منهم وعينتهم في مناصب قيادية…

إن هذا الإتجاه الجديد يزج بالجبهة الشعبية في مساومات مع قوى رجعية، ليبرالية، ذات مصالح متناقضة مع قواعد الجبهة الشعبية، وذات تجربة في السلطة، ما يؤدي إلى وضع “موسى الحاج ” مكان “الحاج موسى”، ويفقد الجبهة الشعبية ارتباطها بالفقراء والعمال والكادحين الذين يطمحون إلى تغيير حياتهم نحو الأفضل، ويفقدها شرعية التعبير عن مطالبهم في “الشغل والحرية والكرامة الوطنية”، كما يفقدها استقلالية قرارها (بحكم ذوبانها داخل “جبهة الإنقاذ) ويبعدها عن “تحقيق أهداف الثورة”، وعن جماهيرها التي خرجت لتشييع شكري بلعيد ومحمد براهمي (طلبت عائلة هذا الأخير من أعضاء “نداء تونس” الإمتناع عن حضور جنازته وعن المشاركة في أربعينيته) من شباب ونساء وفقراء ومعطلين وعمال ونقابيين، من سكان القرى والمدن الداخلية والأحياء الشعبية، ويجعل من الجبهة الشعبية مطية لعودة قادة الحزب الحاكم السابق إلى الحكم، من الباب الكبير، وعلى أكتاف اليسار والقوميين وشباب وسكان سيدي بوزيد والحوض المنجمي والقصرين وسليانة، الذين اكتووا بنار القمع والتهميش والفقر، الذي كان الحلفاء الجدد “للجبهة الشعبية” سببا مباشرا فيه (من التخطيط إلى التنفيذ)، واهتم قادة الجبهة الشعبية بالمحادثات في صالونات الفنادق الفاخرة مع حكام الأمس وبالتزاحم للظهور في وسائل الإعلام، وأهملوا البحث في تطوير وسائل النضال وتوسيع نطاق الإحتجاجات والمد الشعبي جغرافيا وطبقيا، وتطوير المطالب الجزئية إلى مطالب أكثر شمولية والمطالب المحلية أو القطاعية إلى مطالب وطنية، وتعتبر قيادة “الجبهة الشعبية” مسؤولة سياسيا عن تراجع الزخم الثوري للإنتفاضة وتحويله إلى مسار انتخابي، قد يضعف الحزب الحاكم حاليا (النهضة) ولكنه سيعيد حتما الحزب الذي كان حاكما من 1956 إلى 2011، خصوصا وأن “جبهة الإنقاذ” تضم اتحاد أرباب العمل (الإتحاد التونسي للصناعة والتجارة) وكبار الفلاحين، ويشاع أن اتحاد أرباب العمل مول مهرجانات وفعاليات لبعض القوى، منها تلك المنتمية إلى “الجبهة الشعبية”، فكيف يمكن في هذه الحالة التوفيق بين مصالح ومطالب العاطلين عن العمل والفقراء في الحوض المنجمي وسيدي بوزيد وتالة والقصرين، ومصالح أرباب العمل وقادة الحزب الحاكم سابقا؟ أهي “الواقعية الإنتهازية” والوفاق الطبقي (بعد الواقعية الإشتراكية”) أم هي المكيافيلية وتغييب المبادئ في أوضح مظاهرها؟

من جهة أخرى دعت قواعد الجبهة الشعبية إلى نمط تنمية يعتمد على القوى المنتجة المحلية، والتصدي إلى سياسة الإرتباط بالإمبريالية من خلال التداين ورهن البلاد إلى صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنتدى دافوس، وغيرها من أدوات ومؤسسات الهيمنة الإمبريالية (منها تقديم مختلف التسهيلات والحوافز للإستثمارات الأجنبية)، وها هي اليوم تتحالف مع من يدافع عن نقيض برنامجها الإقتصادي والإجتماعي، بدعوى ضرورات المرحلة، وباسم الواقعية، ومن جهة أخرى طالب عدد من قياديي الجبهة الشعبية بإعادة النظر والتدقيق في مسألة الديون الخارجية ورفض تسديدها (دعا حزب العمال إلى تأجيل أو تعليق تسديدها لفترة ثلاث سنوات)، في حين أغرق حلفاؤها البلاد بالديون أثناء حكم بورقيبة وبن علي وخلال الفترة الإنتقالية (حكومات محمد الغنوشي والباجي قائد السبسي)، إضافة إلى مواقفهم وممارساتهم الرجعية بخصوص القضية الفلسطينية وقضايا التحرر من التبعية والإستعمار والهيمنة، وعلاقات التبعية تجاه الإتحاد الأوروبي وأمريكا…

التناقض بين مطالب قواعد الجبهة الشعبية وطموحات قادتها

أصبح بعض القادة البارزين للجبهة الشعبية يصرحون (بعد اغتيال أحد قادتها محمد براهمي) بأنها “ليست جبهة يسار وليست جبهة تقدمية وإنما هي جبهة ديمقراطية”، وتعلل نفس القادة بميزان القوى لتبرير الذوبان داخل جبهة الإنقاذ (وليس مجرد التقاطع الظرفي المحدود في الزمان والمكان) لكن الجبهة الشعبية فرطت في مكاسب هامة ولم تحاول خلق ميزان قوى يخدم “أهداف الثورة” بل بالعكس، تركت مواطني وشباب المناطق الداخلية بدون حماية ودون سند لمواصلة نضالاتهم العديدة، ولم تحول هذه البؤر الثورية المتعددة إلى غضب عارم على المستوى الوطني، وخلق موازين قوى لصالح البرنامج والتغيير الثوريين، مقابل اليمين الديني الحاكم واليمين “الحداثي” الذي كان يحكم قبله… لم تطور الجبهة الشعبية (والأحزاب المكونة لها) أشكال النضال والتنظيم والمساندة والإعلام، لتغيير ميزان القوى لصالح الفقراء والكادحين والمنتجين والعاطلين، والأجراء، ولم تواكب جهودهم ونضالاتهم للإرتقاء بالمطالب المحلية إلى مطالب وطنية أوسع، وتوسيع مجال الحريات، بل تقهقر الوضع وتراجع مستوى الحريات الفردية والجماعية التي اقتلعها الشعب خلال الإنتفاضة، وهيمن الإسلام السياسي على الإعلام والأمن والقضاء والإدارة، وزج بالفنانين والصحافيين والنقابيين والشباب الغاضب في السجون، وترك مجموعات الإسلام السياسي المسلح ترتع في البلاد، تغتال وتعتدي وتهدد وتكفر من تشاء… ووجدت الجبهة الشعبية الحل في الإنتقال من شعار “بناء سلطة الشعب” إلى المطالبة ب”حكومة تكنوقراط” (محايدة؟) بدعوى إنقاذ البلاد، باسم الواقعية وموازين القوى وترتيب الأولويات، وتصنيف “الأصدقاء” و”الأعداء”، ولم تنشر الجبهة تحليلا للقوى السياسية والإجتماعية (أحزاب، منظمات نقابات…) لتوضح نظرتها للتحالفات، وما هي القوى التي يمكن التحالف معها “لتحقيق أهداف الثورة” أو للتقدم خطوة نحو تحقيق هذه الأهداف، وما هي القوى التي تعرقل التقدم نحو تحقيق هذه الأهداف، وما هي القوى التي يجب العمل ضدها الخ، كما لم تبين الجبهة كيف يمكن للتحالف مع نداء تونس إلى حد الذوبان داخل “جبهة الإنقاذ”، أن يكون خطوة إيجابية باتجاه “استكمال المسار الثوري وتحقيق أهداف الثورة”… هل يمكن لقيادات الجبهة الشعبية الدفاع عن مصالح الفئات الإجتماعية الكادحة والفقيرة وتمثيلها، والتحالف في نفس الوقت مع كبار التجار والمالكين العقاريين والبرجوازيين الذين حكموا البلاد مع بورقيبة وبن علي، وهم مستعدون لمساندة النهضة (ومشاركتها الحكم) لو تركت لهم هامشا أوسع؟ لقد اتسمت تصريحات بعض قيادات اليسار والجبهة الشعبية بالتذبذب في مسألة التحالفات، إذ سبق لأحد فصائل اليسار (“حزب العمال الشيوعي” سابقا، “حزب العمال” حاليا)، أن تحالف مع نظام بن علي ضد “الظلامية والفاشية” (أي ضد حركة “النهضة) ومثلت صحيفة “الإعلان” (التي كانت تديرها وزارة الداخلية) ومكتب أحد المقاولين الكبار، همزة الوصل بين الطرفين، وتجسد هذا التحالف في اصطفاف “حزب العمال الشيوعي”، حزب العمال حاليا (الذي كان ينشر جريدة أسبوعية علنية وقانونية) إلى جانب النظام، ضد بعض رموز تيار الإخوان المسلمين، الذي كان يسمى “حركة الإتجاه الإسلامي” ثم “النهضة” منهم علي لعريض (وزير الداخلية ثم رئيس الحكومة في عهد “النهضة”) الذي لفق له النظام الحاكم قضية أخلاقية وهو في السجن (1990/1991) وضد عبد الفتاح مورو، أحد أبرز مؤسسي تيار الإسلام السياسي في تونس، وبعد سنوات (2005) تحالف نفس الحزب مع “الظلاميين” (النهضة) في ائتلاف “18 اكتوبر”، ضد نفس الحزب الحاكم ونفس النظام، بدعوى “الكل ضد الحكم الإستبدادي”، وتأجلت كل القضايا الأخرى، بدعوى أنها ثانوية، أمام “ضرورة القضاء على الإستبداد” بالتحالف مع “الإخوان المسلمين”، وافتخر قادة اليسار بزيارات سفراء بريطانيا وأمريكا ومبعوثي أوروبا لهم، وبالرحلات العديدة لعدد من “الناشطين” لحضور ندوات مشبوهة في بركسل وباريس وواشنطن، تمولها أجهزة حكومية متخفية وراء “منظمات غير حكومية”، إضافة إلى تمويلات مشبوهة باسم جمعيات تأسست بغرض كسب المال واستخدمت كواجهة لاستجداء التمويل الأجنبي ومساندة السفارات الأجنبية والمراكز الثقافية ومنظمات ومؤسسات خطيرة مثل “ميبي” و”فريدوم هاوس” و (NED)… وعاش اليسار المصري والسوري نفس التجربة، أما اليسار الفلسطيني فقد اختنق من مثل هذه المشاكل…   ويحاول كل طرف، في هذه التحالفات المشبوهة، إقناع القوى الامبريالية الراعية لـ “الانتقال الديمقراطي” انه الأقدر على ضمان مصالحها بإشاعة “الاستقرار” وهو ما يفسر تد خل سفارات الدول الامبريالية بشكل مفضوح و مباشر في هذه المعركة سواء بتنظيم الملتقيات والحوارات في تونس وخارجها أو باستقبال رموز الأحزاب والجبهات السياسية التونسية للسفراء في مقراتها، ويدخل في هذا الباب، ذلك الترحيب الذي لقيه السفير الأمريكي من طرف أركان الجبهة الشعبية، خلال زيارته لها في مقرها، فضلا عن اللقاء مع دبلوماسيين أوروبيين، و سرعان ما تبخر شعار : “شعب تونس شعب حر لا أمريكا لا فرنسا لا قطر”، الذي نادت به الجماهير (قواعد الجبهة الشعبية) التي تظاهرت، احتجاجا على زيارة أمير قطر، في الذكرى الأولى لهروب بن علي، وعوضه شعار مستتر تقديره “نحن أقدر من النهضة على ضمان مصالح الإمبريالية”…

في أوج الضجيج الإعلامي حول تشكيل “جبهة الإنقاذ الوطني”، بين رموز النظام السابق (1956 – 2011) ومعظم تيارات اليسار والقوميين، التقى في باريس (يوم 14 آب 2013) راشد الغنوشي، مؤسس ورئيس حزب “النهضة” والباجي القائد السبسي زعيم حزب “نداء تونس” (الذي لم يخبر حلفاءه الجدد بهذا اللقاء) ما أثار تساؤلات في صفوف “الجبهة الشعبية” وفي صفوف بعض أحزاب المعارضة وشرائح عديدة من المجتمع، وكل من آمن بضرورة التغيير الجذري، لصالح العمال والكادحين والمنتجين والفقراء… بعد هذا اللقاء، أعلن الحزب الحاكم (النهضة) قبول مبدأ تشكيل حكومة “وحدة وطنية”، ويمكن تفسير ذلك بأن الحزبين (النهضة ونداء تونس) يلتقيان حول نقاط مشتركة أهمها معاداة اليسار والفئات الشعبية الكادحة والدفاع عن  التوجه الاقتصادي الليبرالي، بمباركة الإمبريالية وأدواتها (صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية…)، وليس صدفة أن يلتقي قطبا الرجعية (الغنوشي وقائد السبسي) في باريس، عاصمة الدولة التي تهيمن على اقتصاد البلاد، وعى ثقافتها (بواسطة الفرنكفونية)، وهي التي استعمرت البلاد بشكل مباشر من 1881 إلى 1956…

كان الهدف المعلن من تأسيس الجبهة الشعبية هو تشكيل بديل ثالث (عن حركة النهضة ونداء تونس) يتضمن برنامجه النقاط الأساسية التي قامت من أجلها “الثورة”، منها تحقيق العدالة الاجتماعية و المساواة بين المرأة والرجل كما بين مختلف جهات البلاد، وتحقيق ديمقراطية تنبع من القاعدة، واتجهت مكونات الجبهة إلى تأسيس “قطب يساري” ليعطي دفعا للمطالب الشعبية، ورفضت أغلبية مكونات الجبهة، خلال الندوة المنعقدة في مدينة “سوسة” (1 و 2 حزيران 2013) التحالف مع “نداء تونس”، في حين دافع حزب العمال، وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد (كان الشهيد شكري بلعيد أمينه العام وأحد مؤسسيه)، عن هذا التحالف، بحجة “وجود تقاطعات من أجل إسقاط حكومة النهضة”، وانتهز حزب العمال فرصة اغتيال “محمد براهمي” أحد قادة الجبهة الشعبية، للعودة إلى “التقاطعات مع القوى المعارضة للحزب الحاكم” والتحالف مع نداء تونس (رغم معارضة عائلة الشهيد محمد براهمي)، وعاد حزب العمال إلى إحياء صيغة ما سمي “تحالف 18 أكتوبر” التي دامت من 2005 إلى 2007  وضمت الإخوان المسلمين (النهضة ) واليمين اللبرالي وبعض القوميين، وكان القاسم المشترك بين هذه القوى “تحقيق الحريات العامة والخاصة، وإقرار المواطنية الكاملة، وتحقيق العفو التشريعي العام وإطلاق سراح المساجين السياسيين”، وللمرة الثانية خلال سبع سنوات يساهم حزب العمال في إزالة الحدود بين القوى المحافظة والقوى الطامحة للتغيير، بين اليسار واليمين، بين المستغل والمضطهد (بكسر الحرف ما قبل الأخير) وبين من يقع استغلالهم واضطهادهم، واجتمع في “جبهة الإنقاذ” وزراء سابقون في حكومات زين العابدين بن على والحبيب بورقيبة (حامد القروي، وزير أول سابق، وكمال مرجان وزير خارجية ودفاع، مدعوم أمريكيا، ومحمد جغام وزير سابق، والباجي قائد السبسي وزير داخلية وخارجية ورئيس مجلس النواب سابقا…) مع سجناء سياسيين سابقين أثناء تولي هؤلاء الحكم، منهم حمة الهمامي، وكان هذا التحالف سببا في تصدع صفوف الجبهة الشعبية من الداخل، خصوصا بعد إعلان “الهيئة الوطنية لكشف الحقيقة عن اغتيال شكري بلعيد ومحمد براهمي” عن تورط قيادات من حركة النهضة ووزراء في حكومتها، في اغتيال شكري بلعيد، ولكن قادة الجبهة الشعبية كانوا منشغلين بتدابير تحضير مستلزمات “الحوار الوطني” بين الحاكم والمحكوم، بين السلطة والمعارضة، وأدانت قيادات «النهضة» هذه التصريحات “غير المسؤولة، التي تعطل الحوار الوطني”… انتقل محور المطالب والنضالات من إسقاط النظام وتحقيق أهداف الثورة في العدالة الإجتماعية والحريات إلى إصدار “وثيقة خارطة الطريق” التي غيبت مطالب من أشعلوا شرارة الإنتفاضة ومن ماتوا ومن جرحوا في سبيل تحقيق هذه المطالب، واكتفت الجبهة الشعبية (مع حلفائها الجدد في جبهة الإنقاذ) باستقالة حكومة النهضة وتعيين رئيس حكومة “مستقل”، تحت رعاية الرباعي المتكون من نقابة العمال ونقابة أرباب العمل ورابطة حقوق الإنسان وهيئة المحامين، وتعكس هذه التحالفات غير الطبيعية (أرباب العمل مع نقابة العمال ! والجبهة الشعبية مع نداء تونس !) تراجعا هاما في المسار الثوري، يجسمه الوفاق الطبقي بين ممثلي العمال مع أرباب العمل، بالإضافة إلى توظيف الجبهة الشعبية في خدمة أجندات الهيمنة الخارجية على البلاد، وتشريع العلاقات غير المتكافئة (مع الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة) وتحويل جزء هام من الدّخل المحلّي وعرق عمال البلاد لفائدة الرّاسماليّة العالميّة، سواء بطريق الديون أو الإستثمارات الأجنبية المباشرة أو خصخصة المؤسسات العمومية…

استنتاجات

لقد تزامنت لقاءات الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية (حمة الهمامي زعيم حزب العمال) بسفراء أمريكا وفرنسا وانغلترا (نفس الدول التي ترعى الحرب في سوريا وعلى سوريا) مع اجتماعات السفير الأمريكي براشد الغنوشي، بعد لقائه بالباجي قائد السبسي في باريس وبعد لقاءات الجزائر، وتزامنت مع قبول النهضة (الحزب الحاكم) ل”خارطة الطريق” التي تهدف إلى إرساء “حوار وطني” بين الحكم والمعارضة لتقاسم النفوذ “بالتي هي أحسن” بين حاكم الأمس وحاكم اليوم، في غياب (أو على حساب) من أشعلوا نار الإنتفاضة، وفي غياب أو ضعف القوى التقدمية والثورية التي عجزت عن تحويل الوضع الثوري إلى  فرض تغيير ثوري… إن الحوار الوطني الذي انخرطت فيه “الجبهة الشعبية” (بعد إقصاء جزء من مكوناتها) لا يمكنه يوصل إلى إرساء نظام ديمقراطي تقدمي يضمن الشغل والحرية والكرامة الوطنية ويضع حدا لتدخل القوى الإمبريالية في البلاد… ولا يمكن لقادة الجبهة الشعبية أن يتذرعوا بموازين القوى، لأنهم لم أهملوا ذلك الزخم الثوري في كافة مناطق البلاد والذي شمل عدة فئات من الشعب، وعرقل هؤلاء القادة أحيانا تطور هذه النضالات، وبذلك يمكن أن نعتبرهم مسؤولين عن درجة الضعف التي تنتاب القوى التقدمية حاليا، وعن غياب أي تمثيل للفئات التي دفعت ثمنا غاليا ولا زالت تسدد ثمن اختطاف ثمرة نضالاتها…

إن أحد أسباب الإنتفاضة هو فشل نموذج التنمية الإقتصادية الذي انتهجه النظام (منذ 1956) – إضافة إلى الإستبداد وغياب الحريات- ولم تنكب الجبهة الشعبية (والأحزاب المكونة لها) على إعداد نموذج اقتصادي وتنموي بديل من شأنه أن يدشن بداية التغيير الذي نادى به النقابيون والمنتفضون في الحوض المنجمي بداية 2008 والمتظاهرون منذ كانون الثاني (ديسمبر) 2010، ولا يعني التحالف مع حكام الأمس سوى طمس الحدود والفوارق مع هذه القوى التي خططت ونفذت سياسة التبعية والحيف الطبقي والتفاوت بين مناطق البلاد والتبعية للإمبريالية والوقوف إلى جانب أمريكا ضد الشعب الفيتنامي وإلى جانب الصهيونية والرجعية العربية ضد حقوق الشعب الفلسطيني الخ

لقد مثلت ولادة الجبهة الشعبية حدثا تاريخيا من حيث تجميع قوى اليسار والقوى القومية والتقدمية ومثلت أملا في خلق ميزان قوى قادر على مواجهة الرجعية (الدينية منها أو الحداثوية)، لكن قادتها ماطلوا (عن عمد) في تحويلها إلى قوة منظمة ومهيكلة، تغطي كافة مناطق البلاد وكافة القطاعات المهنية وفئات الشباب والنساء والعاطلين عن العمل، على أساس برنامج تقدمي، يقع نقاشه وإثراؤه ليصبح بديلا عمليا للسياسات التي انتهجتها القوى الرجعية بمختلف تلويناتها… لقد بينت الأحداث، خلال عام واحد من حياة الجبهة الشعبية، أن بعض القوى داخلها (حزب العمال وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، بشكل خاص) ما كانت ترغب في “تحقيق أهداف الثورة” وإنما اقتصر هدفها على الرغبة في “أن تصبح رقما في المعادلة الإنتخابية”، ورفضت قيادة الجبهة الرد على عدد من استفسارات بعض الأحزاب المكونة لها و”شبكة الجبهويين المستقلين” حول التسيير الديمقراطي وآلية اتخاذ القرارات، وحول الأهداف والتوجهات والتحالفات الجديدة للجبهة (وبعض هذه التوجهات يناقض القوانين الأساسية والنظام الداخلي للجبهة، مثل الإنخراط في جبهة ثانية قبل الإنسلاخ عن الجبهة الشعبية)، وتجسم تراجع الجبهة الشعبية في التنازل عن مطلب حل “المجلس التأسيسي” الذي تجاوز المدة والإطار والمهام المحددة له، ودعا الناطق الرسمي للجبهة الشعبية إلى “العصيان المدني”، دون أي تحضير أو شرح لما يقتضيه “العصيان المدني”، ولكنه لم يكرر الدعوة ثانية (أهي مجرد مزايدة لفظية؟)، وخفضت الجبهة الشعبية من سقف مطالبها إلى أن دخلت في وحدة اندماجية مع اليمين “الحداثي” الذي قد ينقلب عليها حالما يتوصل إلى عقد صفقة مع اليمين الديني…

إن غلاء الأسعار وضعف الرواتب والبطالة والفقر هي من اهتمامات قواعد الجبهة الشعبية، وهي على نقيض اهتمامات الحلفاء الجدد للجبهة الشعبية الذين ساهموا في استعباد العمال التونسيين والتونسيات في مصانع النسيج والسياحة والخدمات لفائدة المؤسسات الأجنبية، وأغرقوا البلاد بالديون وباعوا المؤسسات الوطنية (ملك الشعب)، ولا يمثل هذا التحالف الإنتهازي سوى إنقاذ بعض أطراف البرجوازية المحلية والأجنبية بعد فشل الإخوان المسلمين، وليس “إنقاذ الوطن”، فالوطن للجميع لكن مصالح المواطنين متناقضة، ولا يمكن أن تلتقي مصلحة الجلاد والضحية، مصلحة المستغل (بكسر الغين) والمستغل (بفتح الغين) مصلحة الحاكم (مباشرة أو غير مباشرة) والمحكوم… لقد حكمت قيادات الجبهة الشعبية على نفسها بالإفلاس وبالإنسحاب غير المشرف من ميدان النضال الإجتماعي، وأصبحت الجبهة الشعبية بسياستها الحالية جزءا من المشكلة وليست جزءا من الحل، فالحل يجب أن يتجاوزها، من أجل بديل تقدمي وديمقراطي، وهي صفات تفتقدها قيادات الجبهة، حاليا…