ما هي العوامل الرئيسية التي تتحكم بمصير مؤتمر جنيف 2 ؟

امين محمد حطيط

رغم كل ما قيل ويقال عن تحديد مواعيد ل “مؤتمرجنيف 2”  فاننا نرى ان هذا المؤتمر لا زال عرضة للتجاذب، و لم ينتقل الى فلك الحقيقة الثابتة اذ ان هناك اكثر من عامل مؤثر على القرار به لم تكتمل عناصره  و لم يرس على بر الاستقرار بما يمكن من القول بحتمية الانعقاد او صرف النظرعنه.خاصة و ان هذا المؤتمر العتيد خاضع في مصيره لعوامل تتحرك في الداخل السوري، و مؤثرات اقليمية، فضلا عن  المعادلات الدولية التي تتحكم به.

أ‌. ومع دراسة الفئة الاولى من العوامل تلك  خاصة  الميدانية منها  يمكن  القول بان الاتجاه العام  الان لا يوحي بقرب انعقاد  المؤتمر لان الحكومة السورية  تتقدم بقدم ثابتة  وفقا لاستراتيجية واضحة تتسم بالحركية و المرونة، و في المقابل نجد ان  الجماعات المسلحة تتقهقر على اكثر من صعيد  ما يجعل فريق من اطراف النزاع يشعر بانعدام  التوازن الذي يتيح له الجلوس على طاولة التفاوض و هنا  نذكر بشكل خاص :

1) الانجازات العسكرية النوعية التي حققها الجيش العربي السوري في الاونة الاخيرة خاصة في محيط دمشق و حلب ما جعل الكفة ترجح بشكل ظاهر و اكيد لصالح الدولة التي تقوم بعمليات عسكرية دفاعية نوعية، و تدفع المسلحين الى الموت او الفرار او التضعضع المترافق مع  اليأس و الاحباط و انعدام الثقة بالمستقبل و بمن يسمون انفسهم قادة و امراء لهم. احباط يعبر عنه  بما بات سمة للمرحلة الراهنة  من سلوك المسلحين الذين يسارعون الى  التهويل والاستغاثة بهذا او ذاك هربا من المصير المحتوم. و هنا لا بد من التنويه بان الانجازات الهامة في جنوبي دمشق، معطوفة على ما تحقق في جنوبي شرق حلب من تطهير و فك حصار، كلها انجازات جاءت من طبيعة استراتيجية يبنى عليها في العمليات العسكرية القادمة خاصة ما يدور الحديث حوله من استعداد الدولة لاستكمال تطهير ريف دمشق و تنظيف المنطقة الغربية منه و اقفال الحدود اللبنانية كليا بوجه المسلحين مع ما يعني ذلك من خروج لبنان كليا من المعادلة الميدانية عند تحقق اهداف العملية تلك.

2) التضعضع و الانشقاقات في صفوف المسلحين. فقد تزايدت  في الاونة الاخيرة عمليات التفكك و التشرذم في صفوف المسلحين اولا و بين الجماعات المسلحة و الهيئات السياسية التي تدعي تمثيلها ثانيا. و هنا نسجل الحجم المتزايد للجماعات المسلحة التي تسلك طريق التوبة والعودة الى كنف الدولة، كما و حجم الجماعات التي تخرج من الميدان و تعود الى منازلها ان كانت سورية الجنسية او تغادر الى الخارج ان كانت من غير السوريين. و يضاف الى ذلك كثرة الانشقاقات في صفوف  تلك الجماعات و انفصالها عما كان يسمى قيادة لها في الخارج، و يسجل هنا اعلان اكثر من 180 تنظيما او جماعة من اصل 500 تعمل في سورية عدم اعترافها بالصفة التمثيلية لما يسمى “المجلس السوري ” او “الائتلاف المعارض”  الذي شاءته اميركا و عربان الخليج ممثلا للشعب السوري.

3) التناحر و الاقتتال  بين الجماعات المسلحة و تدمير بعضها للبعض الاخر، بحيث يضطر الكثير منها للعمل على جبهتين او اكثر، واحدة باتجاه الجيش العربي السوري، و الاخرى باتجاه جماعة مسلحة او اخرى.

4) بداية التضييق الخارجي على الجماعات المسلحة من حيث منع تزويدها بالسلاح والذخيرة و المقاتلين ما يؤدي الى تجفيف مصادر القوة و دفعها  الى الوهن و الترهل. و الملفت هنا ان توزع ولاءات الجماعات المسلحة بين السعودية و قطر و تركيا وصولا الى تشكل  ما يطلق عليه “التكتل العسكري  السعودي “، و ” التجمع  التركي القطري “، اضافة الى ما يسمى “جيش حر”، ثم دخول هذه المكونات في صراع دموي فيما بينها اولا، و صراع مع فئات شعبية خاصة الاكراد ثانيا، و اخيرا دخول تركيا على خط المواجهة النارية عبر اطلاق النار على بعض مكونات “التكتل السعودي”، ان حصول كل ذلك يوحي بامر اكيد هو ان الحكومة السورية التي تملك الرؤية و الخطة و القرار بملاحقة هذه الجماعات الارهابية المسلحة قادرة على انجاز المهمة دون اي شك بنجاحها في ذلك و بالتالي يمكنها ان  تتعامل مع الطروحات السياسية على ضوء هذه الحقيقة.

ب‌. اما في العوامل السياسية خاصة الاقليمية فاننا نجد ان بعض القوى ترى في انعقاد مؤتمر جنيف في ظل الواقع الميداني القائم و المعادلات الدولية المستجدة خسارة استراتيجية كبيرة لها، و بالتالي ترى ان مصلحتها تكمن في منع انعقاد المؤتمر الان او تأخير انعقاده وقتا ترى انها بحاجة اليه من اجل اعادة توازن ما او احدث خرق ما لصالحها، و يأتي في طليعة هذه القوة المملكة العربية السعودية التي باتت تشعر بالعزلة الدولية نتيجة خيبات الامل و  الخسائر المتلاحقة ما دفعها للتصرف بشكل انفعالي هستيري مغادرة  التقليد الذي اعتمدته في سياستها الخارجية المتسم  بالرتابة و الهدوء و البعد عن الاستفزاز الظاهر و اخفاء ما تضمره من شر  ضد الاخرين، و جاء تصرفها مؤخرا برفض مقعد انتخبت له في مجلس الامن مثلا صارخا على انعدام التوازن هذا. اذ بعد ان بذلت كل ما في وسعها لتصل الى هذا المقعد، حتى فازت به،  رفضته بذريعة ازدواجية المعايير في الامم المتحدة و في اللحظة ذاتها قدمت للامم المتحدة مشروع قرار لادانة ما تسميه مقاتلين اجانب في سورية و تعني بهم حزب الله، في تصرف اثار استهجان العقلاء المتابعين  لحركة العلاقات الدولية، ما حدا بروسيا الى ادانة هذا السلوك و دفع الاخرين الى الاستنتاج بان من يرفض العمل في مجلس الامن و هو اعلى هيئة دولية معنية بالامن و السلم الدوليين لن يدخر جهدا في عرقلة مؤتمر جنيف2 الذي سيحضر القرارات لتعتمد لاحقا بصيغة او اخرى في المجلس لتتخذ صفة المشروعية الدولية.  و بالتالي فاننا نتصور بان السعودية ستعمل مباشرة او عبر القوى التي تحركها لمنع انعقاد المؤتمر الا اذا ضمنت موقعا تحلم به و حصة تريدها في النتائج و هو امر لا يمكن تصور حصوله في ظل ما هو قائم اليوم.و يضاف الى السعودية من الخاسرين قوى اخرى اقليمية و  اروبية و منها فرنسا بشكل واضح.

ت‌. و على صعيد الدولي  يتقدم  الملف النووي الايراني و يؤكد  اهميته في صياغة المعادلات الدولية خاصة بعد ان بات اليوم المدخل لاعادة العلاقات بين  ايران و الغرب، و احد الابواب التي  تستعملها   ايران في ممارسة سياسة الانفتاح التي اعتمدتها منذ انتخاب الشيخ حسن روحاني رئيسا للجمهورية. و اذا كانت جولة المباحثات الاولى التي انعقدت في الاسبوع الفائت شكلت المدماك الاول لبناء الثقة بين الاطراف ما جعل الغرب يثني – و ان بتحفظ ما – على الوجه الايجابي للسلوك الايراني الجديد، فاننا نتوقع في الجولة المقررة في 7 تشرين الثاني نوفمبر و ما قد يليها من تدابير و جولات تفاوض، نتوقع استكمال بناء الثقة مع محاولة احداث ثقب و لو صغير في الجدار قد يشكل اساسا يبنى عليها للدفع في اتجاه حل سلمي لهذا الملف. وربطا بكل ذلك سيكون مؤتمر جنيف2 بشأن سورية متأثرا بالنتائج تلك سلبا او ايجابا، و عليه لا نتوقع ان يجازف الامين العام للمتحدة بالقيام بتعيين موعد لمؤتمر جنيف2 قبل انتهاء تلك الجولة من المفاوضات.

وبنتيجة كل ذلك نرى ان موعد مؤتمر جنيف 2 لم يحن بعد، و لم يقترب بشكل يقود الى تأكيد حدوثه في المدى المنظور. و رغم ان الحكومة  السورية تريد  الاسراع – دون التسرع – بانعقاد مؤتمر جنيف 2 و بالضوابط التي حددتها حفظا للسيادة و احتراما لارادة الشعب السوري و قراره المستقل، تريده لانه سيشكل الطريق الى الحل السلمي الذي يوقف العدوان و يضع حدا للقتل والتدمير، رغم كل ذلك فان الحكومة  السورية تتعامل كما يبدو مع الشأن على قاعدة الفصل بين السياسة و الارهاب فان حقق العمل السياسي الغاية المرجوة و ادى الى وقف الارهاب يكون خيرا، و ان لم يفعل فان قواتها ستستمر في ملاحقة الارهاب حتى استئصاله من سورية و هي تعمل على اساس ان المؤتمر قد يعقد غدا، او قد لا يعقد، و تتصرف على ضوء ما يمليه عليها واجبها حيال الشعب و الوطن و لهذا فهي تستمر في تقديم اقصى التسهيلات من اجل تسهيل انعقاد المؤتمر دونما تنازل مهما كان طفيفا اذا تعلق الامر الثوابت.

::::

جريدة “الثورة”، دمشق

 


[1]  قرم، جورج، حكم العالم الجديد: الإيديولوجيات، البنى والسلطات المعاكسة، بيروت: الشركة العالمية للكتاب، 2013، صفحة 40.

[2]   الإشارة هنا إلى ‘المنظمات غير الحكومية‘ إحدى المكونات الأساسية للمجتمع المدني.