في مواجهة نذر الإنتفاضة.. قتل، تهويد، ومفاوضات !

عبداللطيف مهنا

 

في الآونة الأخيرة تتالت التسريبات المحذِّرة من أن جاري المفاوضات المكتومة بين الصهاينة والأوسلويين الفلسطينيين قد “وصلت إلى طريقها المسدود. هذه التسريبات كانت في اغلبها أوسلوية المصدر، لكنما رئيس سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود تحت الاحتلال سارع ليضع حداً لها، وكأنما درءاً منه لمجرد توقع مثل هذا المآل، وانسجاماً مع معهود تفاؤله التسووي الدائم، ومعروف تمسكه بها خياراً وحيداً ولامن سواه. قال في مقابلة مع صحيفة المانية، إن الطرفين لايزالان يتفاوضان. المفاوضات في بدايتها، وهناك مايكفي من الوقت للإنشغال والبحث في المواضيع الصعبة التي على جدول الأعمال”… من هذه المواضيع الصعبة مايطلق عليه أوسلوياً “قضايا الحل النهائي”، أي القدس، والحدود، وحق العودة. كما وأن هذه المفاوضات التي تأخذ وقتها الكافي براحة، وتلك التسريبات المنذرة وضحدها، كلها جرت بموازاة طرح مشروع قرار في الكنيست الصهيوني يسمى “قانون تحصين القدس” يقضي بأن “لاتفاوض على تقسيمها، أو تسليم اجزاء منها، دون موافقة باغلبية لاتقل عن 80 صوتاً”. والمراد من هذا القانون هنا لايخفى وهو تكبيل يد الحكومة والقضاء على أي فرصة تسووية، لاسيما وأنها، كما قلنا، تعد واحدة مما يعرف بقضايا الحل النهائي الجوهرية في اتفاق أوسلو التصفوي. وإذا ما اضفنا كون عودة اللاجئين مسألة يجمع كافة الصهاينة على رفضها، وأن لديهم مايلزم من متعدد السيناريوهات المناوراتية لمسألة الحدود، كتبادل الاراضي، والأسوارالعازلة، والتوسع التهويدي الجاري على قدم وساق، وكل مايجعل امكانية قيام الدويلة الافتراضية الموهومة بحد ذاته ضرب من الخيال، فيمكن لنا ببساطة تصوُّر مآل مثل هذه المفاوضات من اجل المفاوضات والذي لايتفق مع لامنطق ولاتفاؤل من لم يعد لهم من خيار سواها.

إذن، المفاوضات جارية والتهويد في ظلها تسابق ايقاعاته المتسارعة الزمن وتُسن له القوانين التي تحصنُّه، أي أنه بالنسبة للصهاينة ليس بالإمكان أحسن مما كان، إلا أن المستجد المقلق لهم وللأوسلويين معهم، وهنا تتقاطع موضوعياً مصلحتيهما، هو الخشية من انفجار الأوضاع في الضفة، التي تلتهب نار الإنتفاضة المتقدة تحت رماد واقع راهنها المتفاقم السوء. ففي اشارة لمصرع ثلاثة من الصهاينة خلال اسبوع واحد نقلت القناة العاشرة في تلفزيون الكيان عن ضابط وصفته بالكبير بأن عمليات المقاومة الأخيرة في الضفة توحي “بقرب وقوع شيىء كبير في المستقبل يشبه الإنتفاضة”. هذا الكلام سبقه اليه العديد من صهاينة المستويين السياسي والأمني، وهو ماطفق يردده اعلامهم في الآونة الآخيرة، والأمر الذي باتت سلطات الإحتلال تتحوط له وتسلك في تحوطها سبل ثلاث، أولاها، تشديد قبضتها الأمنية المفرطة مستفيدة من التنسيق الأمني معها من قبل اجهزة السلطة الأوسلوية، ولدرجة تحميل الأخيرة مسؤلية عدم تفادي وقوع أي فعل مقاوم يقع، كما كان الحال إثر مصرع الصهاينة الثلاثة مؤخراً. وثانيتها، مستمر عمليات الدهم والإغارة والاجتياحات الدموية المتصاعدة، التي تترافق عادةً مع القتل والتخريب والاعتقالات، والتي باتت في الآونة الأخيرة الأقرب إلى الفعل اليومي، ومنها ماحدث قرب قريتي بلعين وكفر نعمة غرب رام الله، والذي انتهى باستشهاد بطل قرية لقيا محمد العاصي، المطارد من قبل المحتلين منذ عمليته التي قادها في تل ابيب منذ عام ونصف، حيث قاوم الشهيد المحتلين ببسالة في معركة استخدموا فيها كل مالديهم حتى الجرافات، ولم يتمكنوا منه إلا بقصف المغارة التي يتحصن فيها بصاروخي لاو، ثم ماتلى من الاشتباكات التي دارت بين اهالي قريته وجيش الآحتلال التي سبقت تسليم جثمانه لذويه وما ترتب عليها من اصابات، الى جانب اجتياح قطعان المستعمرين لقرية بورين في منطقة نابلس منتصف الليل. وثالثتها، تسريع جار عمليات التهويد وابتلاع الأرض واصدارقرارات هدم البيوت لتفريغ الأمكنة قيد التهويد من اهلها.

واذا كانت الانتفاضة المنتظرة تقض، كما قلنا، مضجع المحتلين والسلطة القابعة تحت رحمة الاحتلال، ونقول السلطة، لأن اندلاعها من شأنه أن يؤبنها وبالتالي يمس مصلحة شريحة أُستنبتت وترعرعت في كنفها، فلابد لهم من اضافة خطوة تضاف إلى مثل هذه السياقات الإحترازية، أو محاولات قطع الطريق على اندلاعها المتوقع لنضوج كافة دواعيه الموضوعية، رغم جسامة موانعه التي لاينبغي تجاهلها والتقليل منها. ومن ذلك الايحاء بعدم انسداد آفاق التفاوض العبثي الدائر، وتعزيز هذا الإيهام بالحديث عن قرب الإفراج عن 32 اسيراً ممن قضوا في الأسر اكثر من عشرين عاماً، أو ما يعرف بالدفعة الثانية، وفق اتفاق اشهر التفاوض التسع، الذي هندسه كيري لإعادة الطرفين إلى طاولتها، والذي اطلق المحتلون على اثره الدفعة الأولى، واشترطوا التزامهم بمايتبعها برضاهم عن المسيرة التفاوضية المزمعة. هنا لابد من الإشارة إلى أمرين، الأول، هو أن الصهاينة، ومن حينها حتى الآن فحسب، قاموا باعتقال ماينوف على الاربعماية اسيرجديد، أي مايقارب ثلاثة اضعاف مجموع من اطلقوا صراحهم في الدفعة الأولى ومايزمعون اطلاقهم في الثانية معاً، والثاني، أن غلاتهم قد طالبوا نتنياهو بالتراجع عن هذا الالتزام لكنه رفض معللاً رفضه بأن اطلاق عدد محدود من الأسرى هو “أهون الشرين” مقارنةً بمطلب ايقاف التهويد الذي رفضه، بل بات يدفع بمزيد من خطواته المتسارعة.