اميركا في ا لسعودية : لالقاء حبل النجاة لها ام لتحميلها عبء الخسارة ….؟

العميد د. امين محمد حطيط

لا يختلف اثنان من المراقبين الموضوعين و العاقلين على ان السعودية باتت في طليعة الخاسرين في العدوان على سورية ، و دخلت في دائرة عزلة دولية تشد الخناق عليها ، ثم انها و من جهة اخرى و بقصر نظر في السياسة و القراءة السياسية و التقدير الاستراتيجي استنكفت عن اعتماد استراتيجية تحديد الخسائر كما يفعل العاقلون و الواقعيون ، و اصرت على المكابرة و ضرب الرأس بالحائط مؤملة – بشكل جنوني – ان تدمر حائط الصوان او الفولاذ بنطحاتها . لكن و طبعا الامل الاحمق شيء و الحقيقة الواقعية القطعية شيئ اخر .

في ظل هذا الوضع الذي اقحمت السعودية نفسها فيه ، و في سياق قيادتها الميدانية بتكليف من اميركا بعد فشل قطر و تركيا بالمهمة –العدوان على سورية و تحشيد الارهابيين و تسخير الاعلام الاصفر و اغداق الاموال و حبك التلفيقات المتعددة من سياسية و غيرها و محاصرة سورية ايضا بالنار في العراق و لبنان بسيارات التفجير و القتل العشوائي الذي ليس له افق الا انه يزهق الارواح البريئة و يزعزع الامن و الاستقرار في الدولتين المستهدفتين بدوافع مذهبية حاقدة ، في ظل هذا الوضع قامت السعودية : ب”التطاول” ظاهريا على سيدتها اميركا حتى ظن البعض من البسطاء ان المملكة التي انشئت في الاصل لاجهاض فكرة  الوحدة العربية و هدر الحقوق العربية ، و منع تشكل اي اطار للوحدة الاسلامية  معتمدة فكرا تكفيريا اقصائيا يستبعد اكثر من 95 % من المسلمين و يكفرهم بصيغة او باخرى ، ان المملكة التي هذه وظيفتها و طبيعتها انقلبت على ذاتها و تاريخها و باتت حريصة على حقوق العرب و دمائهم و لاجل ذلك تتنفض للكرامة العربية و تتخذ من المواقف ضد اميركا و في الامم المتحدة ما يشير الى هذه الانتفاضة الظاهرة .( لو كانت صادقة فيما تدعي لاتخذت موقفا واحدا ضد اسرائيل و تهويد الاقصى و لما كانت ارسلت مبعوثيها الى اسرائيل للاستعانة بها لضرب سورية و دفعت 15 مليون دولار لاطلاق  صاروخ واحد ضد الجيش العربي السوري  )

لكن و منذ البدء و منذ بدأ ” الغضب السعودي ” يترجم افعالا ظاهرة ، و منذ ان بدأت السعودية تتفرد تقريبا بالمواقف العدوانية ضد سورية تشجيعا للقتل و التدمير فيها كنا نرى بان الامر لا يتعدى لعبة اميركية في سياق توزيع الادوار ، او في سياق الاستدراج لانشاء واقع معين  يتيح لاميركا صنع شيء تريده في السعودية و يحتاج الى ذريعة او مبرر لترويجه ، تماما كما فعلت في العراق منذ عقدين عندما ارسلت الى صدام حسين ” جميلة شقراء ” برتبة سفير و بوظيفة اغراء و استدراج لغزو الكويت ، و لما فعل فعلته و وقع بالفخ  الخديعة كانت الذريعة التي تريدها اميركا قد تحققت فسارعت للارتكاز عليها و غزت الخليج كله و  انتشرت بقواتها العسكرية فيه و لا زالت ، و اقامت القواعد الثابتة التي حولت ما يسمى “دول عربية في الخليج ” الى منطقة عسكرية  اميركية بالاحتلال المباشر و الرضائي .

لقد اتخذت السعودية من المواقف و السلوكيات المعلنة و المستترة في الشهر الاخير ما تبرره  بانه رد على التغيير في السياسة الاميركية حيال سورية و مجريات العدوان عليها و التي كان اهمها اخيرا احجام اميركا عن تنفيذ تهديدها بالعدوان العسكري المباشر على سورية  ، و حاولت ان توحي بانها “تعاقب اميركا ” و تريد ان تتفلت من القيود و الاغلال التي تثقل جوارحها .. و لكن لو كان الامر لعبة صبية و اطفال مراهقين لكان الامر محتمل التصديق  كما تريد السعودية  ان توحي به اما في ميدان لعبة الامم فالامر يختلف تماما . لان السعودية تعرف او عليها ان تعرف ان احدا من الذين تتوجه اليهم بالتصرفات تلك لا يمكن ان يصدقها اذا درس الواقع و حلل جزئياته .

قد يكون بعض المسؤولين في السعودية يعرفون ان المملكة كيان لا يمكن لاميركا ان تستغني عنه ، لا بل انه كيان محوري لسياستها الشرق اوسطية يلي في الاهمية موقع اسرائيل في تلك السياسة ، و لاجل ذلك قد يظن هذا البعض بان الغضب السعودي قد يترجم ضغطا على اميركا يلزمها بالتراجع عن سياسة اعتمدت او عن قرار اتخذت لا يناسب الاهواء السعودية . و لكن هذا قد يدخل في دائرة الصحة و الاحتمال الراجح اذا كانت السعودية ندا لاميركا و حليفا متكافئا لها ، اما و ان هذا غير متحقق لان اميركا لا ترى في السعودية ندية او تحالفية واقعية او اتفاقية ، بل لا ترى فيها اكثر من اداة لسياستها و تابع لها حيث تريد فان الظن السعودي مع هذه الحقيقة يكون بعيدا عن ميدان الواقع و الصواب .

و من جهة اخرى لا نشك بان معظم  ما تقوم به السعودية اليوم لم يكن الا بموافقة و تكليف اميركي تحت عنوان الضغط على الاخر او الذريعة لاعتماد تدبير معين حيالها و لهذا السبب كان ”  التساهل الاميركي ” مع السعودية فيما قامت به عبر “الثنائي المغرور ” بندر و سعود ، ( مدير المخابرات و وزير الخارجية ) ، اما الان فاننا نعتقد بالن ظروف اميركا تغيرت بتأثير من عدة عوامل ذات علاقة وثيقة بمجريات الازمة السورية ، و بات الوضع السوري ضاغطا على اميركا للاسراع في حل سياسي ما يحدد من خسائرها بعد ان بات الحل العسكري بوجهيه التقليدي عبر الجيوش او غير التقليدي عبر العصابات المسلحة و الجماعات الارهابية بات الحل العسكري مستحيلا و ان التلهي به اصبح ضربا من الحمق و اضاعة الوقت .

اننا الان و للمرة الاولى منذ ان شن العدوان على سورية بتنا نجنح للتصديق و القبول مع التحفظ  بفكرة السعي الاميركي للحل السلمي علها تحقق عبرها ما عجزت عن تحقيقه بالقوة العسكرية ،  سعي اضطرت اليه اميركا بعد ان خسرت الرهان على الحل الاخر ، ثم جاءت الاسابيع الخمسة الماضية لتقطع اي شك اميركي بذلك و تثبت لها بان الميدان السوري بات تحت السيطرة الاستراتيجية للجيش العربي السوري الذي و منذ ان انطلق في مهام التطهير و استعادة الامن و الاستقرار الى المناطق التي افسد الارهابيون امنها ، منذ بدء تلك المرحلة و الانجازات الميدانية تتراكم الى الحد الذي يمكن المراقب العسكري و الاستراتيجي من القول بان استكمال المهم الميدانية بالنسبة للدولة بات مسألة وقت فقط و كل يوم جديد يحمل بشائر انجاز نوعي جديد من مثيل انجازات القصير و الريف الدمشقي و ريف اللاذقية و مؤخرا  السفيرة و سواها .

و تعلم اميركا ان استمرار النجاحات العسكرية السورية  سيضيق عليها فرص التأثير في الحل السلمي لاحقا و ان ما يمكن ان تلعبه اليوم من اوراق سيكون اكبر مما قد يتاح لها تقليبه غدا على طاولة التفاوض في جنيف 2 اذا انعقد ، و لاجل ذلك و في سياق سياسة تحديد الخسائر باتت اميركا بحاجة الى التسريع في انعقاد المؤتمر في شروط محددة تراها ، او صرف النظر عنه كليا اذا عجزت عن ذلك و عندها  سيكون صراع من نوع آخر حيث  سيترك الامر للدولة السورية و محور المقاومة للتعامل مع الموضوع بشكل ثنائي مع ما  يعنيه الامر من نتائج و عندها تكون قمة الخسارة الاميركية .

لكل ذلك يقوم  جون  كيري وزير الخارجية الامريكية بجولته التي تقوده الى السعودية لاعادة تقييم الموقف و لتكليفها بوظيفة تناسب الظرف المستجد وفقا للاحتياجات الامريكية ، و ليغريها عبرها بدور يحفظها في الخريطة الاستراتيجية للمنطقة كعنصر قائم دون ان يحفظ لها  لها ما كانت تطمح به من ريادة للموقع في تلك الخريطة ، فالخاسر لا يبقى في موقع القيادة ، و كما ان خسارة حرب 1967 نقلت القيادة العربية من مصر الى السعودية فان اندحار العدوان على سورية سيطيح بتلك القيادة و لا يمكن للسعودية ان تحلم باستعادة موقع متفرد بالتأثير في الساحات التي كانت تطمع بها من لبنان الى سورية او العراق او اليمن ، و يببقى للبحرين كلام اخر لن يكون مريحا للسعودية ايضا .

و عليه فان المهمة الامريكية تجاه السعودية اليوم تتلخص في تحديد دورها الجديد الذي يتحمل عن اميركا خسارتها  دور  لا ينتمي لفئة الصف الاول و هذا قمة ما تستطيع اميركا تقديمه لها في هذا الظرف ، فان تلقفت الفرصة تكون قد تمسكت بحبل النجاة الاميركي القي الها من اجل خدمة اميركا اولاً ، و ان اخطأت التقدير فلن تلأسف اميركا كثيرا عندما ينقلب الحبل بوظيفته الى دور اخر يلف عنق بعض المغرورين او قد يتجاوز الاشخاص الى ابعد من ذلك .

:::::

“الثورة”، دمشق