لقمة العامل الفلسطيني مغمسة بالدم

محمود فنون

يزحف العامل نحو لقمة العيش على يديه ورجليه وبطنه ,يزحف ويزحف عله يبلغها نظيفة سالمة له ولأولاده,وفي سياق زحفه هذا تحصل الهوائل على رأسه ورأس اولاده فتتغمس لقمته بدمه.
يستفيق الرجل الساعة الثانية ليلا هو وزوجته,زوجته تقوم على شأنه تحضر له وتساعده على تحضير نفسه ,انها تعبر عن وقفتها معه ,عن مشاركته رحلته المضنية .
يذهب مع رفاقه الى نقاط اللقاء فينقسموا الى قسمين :
حملة التصاريح:وهم مضطرون الى الوصول مبكرا الى نقاط العبور كي يحجزوا لأنفسهم دورا قبل غيرهم .فمن نقطة العبور هذه سيمر الوف من العمال واصحاب المصلحة في العبور الى رزقهم ومعيشتهم.وهذا المعبر مثله مثل غيره يفتح ابوابه الساعة الخامسة صباحا لمرور العرب وهو مفتوح طوال الوقت لمرور المستوطنين .
يصطف العمال العرب متعجلين الدخول إلى أعمالهم دون تأخير كي لا تحسم ساعات التأخير التي يقضونها وقوفا على الحواجز ومعابر المرور في برد الصباح القارص شتاء.
ان العامل الذي يحمل التصريح والذي يسعى للوصول في وقت العمل مضطرللتوجه للمعبر الذي يعبر منه مبكرا ,وكلما اقتضته الظروف ليصل ابكر من غيره حيث تبدأبعد فتح المعبر رحلة التفتيش والتدقيق وفحص التصاريح وفحص الهوية والتأكد من الشخصية , تلك العملية التي تتكرر كل صباح وبنفس الرتابة والذل.
المحرومون من التصاريح وهم الاغلبية:هؤلاء يتسللون وراء الخط الاخضر سيرا على الاقدام من مناطق عبور يعرفونها , في محاولة لتجاوز رقابة الامن الاسرائيلي على حدود الخط الاخضر الذي يفصل الضفة الغربية المحتلة عام 1967 عن باقي فلسطين المحتلة عام 1948م والمحروسة دوما للاسباب الامنية ومن اجل ان يحولوا دون مرور العمال.
انهم مضطرون لاجتياز الحواجز الامنية ولذلك يجدون معابرهم ويسيرون على الاقدام مددا تتراوح بين الساعة في الاماكن القريبة وست ساعات في الاماكن الابعد.
بل ان بعض العمال يأتون من جنين ونابلس الى منطقة بيت لحم من اجل ان يجدوا منافذ للعبور,ثم بعد ذلك يسيرون على الاقدام من اجل الوصول الى مراكز عملهم .
يسيرون ست ساعات من نحالين الى بيت شيمش,في وسط الغابات وكل انواع المخاطرة,وحينما يصادفهم الجند ,يطاردوهم فيلجأوا الى مخابيء ,او يعودوا ادراجهم ,اما من قبض عليهم فيسجنون ويحاكمون بأشهر في السجن (شهرين او ثلاثة او اكثر)بالاضافة الى الغرامات المالية التي تصل الى الفي شيكل فأكثر .
ان العمال غير المصرحين ,ينامون في اماكن عملهم بشروط غير انسانية ,بل لا تتأمن لهم اية شروط فهم ينامون في ورشات البناءغير المكتملة في البرد بل وفي اسوأ الظروف .(وكثير ون من حملة التصاريح يفضلون المبيت ليتخلصوا من اذلال المعابر والحضور قبل الصباح
والاحتلال لا يتركهم بل يداهم ورشاتهم ليلا ويقبض عليهم ويتعسف بهم ,ويدفعهم الى المحاكم العسكرية والسجون والغرامات .
ان العامل يتعرض الى كل هذه المتاعب ليعود في اليوم التالي الى المحاولة من جديد وليس امامه من سبيل آخر
العامل اما خيارين :اما ان يموت هو واولاده جوعا ,او يبذل كل جهود من اجل ان يصل الى مكان يعمل فيه في بناء الستوطنات الاسرائيلية او أي مجال عمل آخر.
انه ممر اجباري ,وهو خيار وحيد بالنسبة للقوى العاملة الفلسطينية .ولا يفيد التفكير بحلول فردية ما دمنا امام النسبة الغالبة من قوة العمل والعاطلين عن العمل ,مادنا نتحدث عن قضية تحتاج معالجتها الى متغيرات سياسية كبرى.
فمنذ الاحتلال عام 1967 م,جهد الاحتلال بسياسة مدروسة لتدمير البنية الاقتصادية الفلسطينية ,والحاق الاقتصاد الفلسطيني في اراضي الضفة والقطاع بالاقتصاد الاسرائيلي ومتخلفا عنه ومعتمدا عليه ومن خلاله بالاضافة الى مصادرة الاراضي الزراعية على نطاق واسع ,ولم يتمكن الاقتصاد الفلسطيني من النمو والتطور بشكل يسمح له باستيعاب القوى العاملة .
وانتقلت القوى العاملة بنسبة كبيرة منها الى العمل في الاقتصاد الاسرائيلي في مختلف القطاعات والفروع ,ولكن تركزت النسبة الاكبر في قطاع الاسكان يليه قطاع الزراعة.
لقد تغيرت ظروف حياة الناس مع الايام وزاد عددهم واختلفت توجهاتهم ,واصبح العامل في القرية يتحمل الاعباء التالية :
1-نفقات الزواج وهي عالية وتصل من 7-10 آلاف دينار اردني .
2- نفقات بناء بيت ,انه لا خيار اما ابن القرية سوى ان يبني بيته الذي يسكن فيه حيث لا تتوفر مساكن بالاجرة ,وهذا يصل الى تكلفة تتجاوز 20 الف دينار كحد ادنى (الكثيرون يبنون بيوتهم على مراحل ويعتمدون على الديون فيما بين الاقارب والاصدقاء او القروض من البنوك,مما يعني انه يحتاج الى سنوات طويلة لاستكمال بناء البيت)
3-نفقات تدريس الاولاد في الجامعات ,والعمال كثيروا الاولاد ومتلاحقين بحيث يمكن ان يكون اثنين او ثلاثة في الجامعات في آن واحد .ومن المعلوم ان الفلسطينيين يبذلون كل جهد من اجل تدريس الاولاد ذكورا واناثا
4-نفقات مساعدة الاولاد في الزواج والبناء.
5-بالاضافة الى نفقات المعيشة وهي عالية.
وتظل الدورة تدور هكذا منذ بداية الاحتلال وحتى اليوم .
والاحتلال يدرك ارتباط العامل بالعمل في المستوطنات الصهيونية فليس امامه خيار آخر: اما الموت جوعا ,او الهجرة وهي تساوي الموت بالنسبة للفلسطيني ,واما العمل في الاقتصاد الاسرائيلي .
والاحتلال بحاجة ماسة للايدي العاملة الفلسطينية ولكنه ولأسباب عنصرية ودوافع سادية وفاشستية ,يعذب العمال بشكل جماعي سواء الذين منحهم تصاريح العمل او الذين رفض منحهم مثل هذه التصاريح لأسباب امنية وهم اعداد كبيرة او الشباب دون سن معينة الذين لا تنطبق عليهم سياسة وفرصة التصريح .
ان العامل مجبر لتحصيل رزقه من اجل بقائه وتسيير شؤون حياته واسرته ,وهو لهذا يعاني من اجل الوصول الى مكان العمل
انه يعاني اكثر بكثير من الجهد الذي يبذله اثناء العمل ,بل انه لا يحصل على المقدار الكافي من النوم والراحة .
ان هذا من مظاهر الازمة المادية والنفسيةالتي يعيشها الفلسطيني:فهو في وضع لا يستطيع فيه الا ان يعمل في الاقتصاد الاسرائيلي ويتاجرمعه, ولا حيلة له بغير ذلك ,وهو يدرك انه بهذا ورغما عنه يقدم دعما للاحتلال الجاثم على ارضه بل انه يبني مؤسسة الاحتلال ,ويبني المستوطنات الجديدة على الاراضي المصادرة حديثا وربما تكون ارضه او ارض اقربائه واهل قريته . وكل ارض فلسطينية هي ارضه وعزيزة عليه
هذه مفارقة فمن جهة نناضل ضد وجود الاحتلال ومن جهة اخرى ورغما عنا نسانده .وليس من حل سوى التحرر من هذا الاحتلال.