الثابت والمتحول في ازمة النظام السعودي

جمال محمد تقي

 

يبسط البعض ما يعانيه نظام الحكم السعودي من ازمة بنيوية مستعصية تحتم تهاويه ، ويختصرها ويحصرها ابتذالا بمأزق التوريث الافقي او العمودي لابناء عبد العزيز ال سعود مؤسس مملكة العائلة فالمأزق يمكن تجاوزه ببعض العناء من خلال اجراءات وترتيبات استباقية ، تختلط فيها ثقافة صلة الارحام بالتحالفات القبلية والمناطقية ، بالاعتصام بالعروة المذهبية التي كرستها ساسيولوجيا البداوة المغيرة على كل ماحولها من ، حضر، لابتزازه ، ان كان هذا الحضر ، مركزا دينيا كالكعبة ، يدر ريعا ماديا ومعنويا او مركزا تجاريا كموانيء السواحل ، او مركزا لانتاج النفط ، حيث الريع الذي لا يفوقه ريع ، فالمأزق قابل للتجاوز ، من خلال التوافق على اختيار الملك من مؤسسة الاحفاد وهكذا من احفاد الاحفاد ، او حصرها عموديا باخر ملك من ابناء عبد العزيز ، حتى وان كان مفعول الاغارة ساريا فيما بين الابناء والاحفاد ، وليس الامر هنا بدعة ، لان تاريخ المملكة كله عبارة عن سلسلة من الاغارات الافقية والعمودية على الداخل والخارج ، على الدين والدنيا على المال والاعمال وحتى الامال !

تركيبة الاغارات السعودية تتميز بسلاح الايديولوجيا الوهابية الذي اعطاها مدى اوسع للحركة والطموح ببناء امبراطورية لا دستور لها غير التعاليم ، المعصومة ، والتي لا تقبل النقض للامام محمد بن عبد الوهاب والتي لا انفكاك بينها وبين الحق الالهي المملوك لنسل ال سعود وعلى هذه العقدة بنيت مؤسسة الحكم التي تعطي لنفسها الحق الشرعي بالاغارة على الاخرين على اعتبار ان الاخرين خارجين عنه وهم في جحيم من البدع .

لقد حققت الاغارات السعودية اتساقا غاية في الريع عندما توسعت لتشمل الحرمين الشريفين وموانيء البحر الاحمر والخليج ، حتى حلول حمى اكتشاف النفط وفروضها التي تقدمت كل الفروض ، وحينها فقط اكتسبت الاغارات بعدا اخر لا يتطلب سوى الرضوخ لشروط  المستثمر ـ المستعمرـ  النفطي الذي تحول الى راعي وضامن وحامي ومعلم لكل نظام يتبعه ويجعل قراره تاجا غير معلن على رؤوس كل ملوك النفط وامرائه وسلاطينه .

طبع الاغارة غلاب عند ال سعود ، الذين لم يستثنوا حتى التسمية ، ففقط هم من بين اقرانهم من يتمسك بتسمية الدولة باسم الجد ، لتكتمل المعادلة شكلا ومضمونا ، الجذر والبذر لكل عصر ومصر ،  الاسم على المسمى ، حتى بعد اعلان قيام المملكة عام 1932 ،  وحتى بعد ان تدخل المستثمر بترسيم حدود الاغارات الممكنة وغير الممكنة ، لم تنجو إمارة من امارات الخليج من الاغارات السعودية ، حتى الاردن والعراق لم يسلما منها ، اما اليمن فحدث ولا حرج ، ويكفي ان نشير هنا  الى ان السعودية قد قضمت من اليمن وحدها ارض تقدر مساحتها بمساحة دولة اليمن الشمالي ، عسير وجيزان ونجران !

من اغار على الملك فيصل وقتله عام 1975 ؟ اليس هو ابن اخيه الامير فيصل بن مساعد بن عبد العزيز ولاسباب ودوافع لها صلة بالحكم والصراع عليه ، وايضا لها صلة بالاغارات الخارجية التي يستثمر بها المستعمر النفطي الاكبر والتي يمكنها ان تخترق تاج اي ملك ينسى انه تابع لتاتي الرصاصات المنطلقة من سلاح من العائلة نفسها لتذكر جميع ابناء واحفاد العائلة بالمصير المحتم للخارجين عن التزامات الملك عبد العزيز ال سعود للرئيس الامريكي روزفلت عام 1945 ، والتي تشكل بوصلة وحيدة لنظام الحكم القائم!

قد تكون مقاربة البعض ، بين ما حصل في قمة الهرم السوفيتي ، حيث وفاة اغلب اعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي من المحسوبين على الحرس الحديدي وقدوم جيل جديد من الاعضاء من امثال غورباتشوف ، وثأثيرات هذا التغيير على سرعة انهيار نظام الحكم السوفيتي المعلول اصلا ، وبين انقراض الجيل الاول لابناء عبد العزيز وتأثيراته السلبية على تماسك نظام الحكم السعودي ، باعتبار ذلك بداية العد التنازلي للانهيار الكلي ، لها ما يبررها من بعض الوجوه لكن هذه المقاربة ستشبه الابتذال الذي اشرنا اليه اعلاه ، حين تختزل ازمة نظام الحكم السعودي بمأزق التوريث ، من دون تبيان حقيقة كون النظام السعودي نفسه اصبح عبئا على تطور واقع الحياة الحضرية في السعودية ، فالعيون قد تفتحت والاذهان قد فسرت والاقنعة قد سقطت ، والشعب السعودي ليس بعبد الا للذي خلقه ، والبلاد ليست ملك طابو لعائلة نصبت نفسها ملكية مطلقة بالحديد والنار وبالتضليل الشرعي ، الشعب السعودي يدرك دوافع الرشاوى التي اغدق بها الملك عبدالله على العامة والخاصة وهي لن تغطي على الحقيقة الساطعة والقائلة بان الشعب السعودي جدير بحكم يحترمه ويحترم ارادته ، ونظام يخدم المواطن وليس العكس ، الشعب السعودي هو المالك الحقيقي لاكبر ريع نفطي في العالم ، 10 مليون برميل يوميا ، وهو الاجدر بالرفاه من حكامه الذين يفسدون بهذه النعمة دون حسيب او رقيب ، النظام السوفياتي لم يكن تابعا لاحد كما النظام السعودي ، الذي لا يعيد انتاج نفسه الا بأليات التوافق التبعي مع مؤسسة الحكم الامريكي ، والا بتضليل شعبه بالتقوى التي هي ابعاد الصفات عنه ، النظام السوفيتي عجز عن تغطية تكاليف الحرب الباردة ، واقتصاده راسمالية دولة بيروقراطية غير قادرة على مجاراة اقتصاديات دول عبرت مرحلة راسمالية الدولة الاحتكارية نحو مرحلة الاحتكار العولمي ، الاتحاد السوفيتي لم يستطع تحمل وزر شعاراته الاشتراكية التي اصبحت عبئا عليه ، اما النظام السعودي فهو يملك احتياطي نقدي فلكي يلعب دورا في تسكين اوجاع الازمات النقدية الامريكية ذاتها ، حتى اصبح الدولار الامريكي مغطى بكفالة البترو دولار السعودي ، وبرغم ذلك يعجز هذا النظام عن توفير الحد الادنى من شروط العدالة الاجتماعية وتقليص نسبة الفساد فيه ، والذي يمكن تقدير حجمه وهوله بذكر رقم جزئي يحكي حجم تركة امير واحد من امراء ال سعود ، انه ولي العهد الاسبق سلطان بن عبد العزيز والذي ترك 277 مليار دولار فقط  لتوزع على ابنائه !

الصراعات بين اجنحة العائلة السعودية المالكة تشتد كلما جاء الدور على اختيار ولي عهد جديد ، وهي اليوم تنحصر باربعة افرع رئيسية متصارعة ، فرع ابناء نايف بن عبد العزيز ، فرع ابناء سلطان بن عبدالعزيز ، فرع ابناء سلمان بن عبدالعزيز ، وهؤلاء جميعا يتوافقون برابطة مازال لها ثقل في صراع مركز القوى داخل عائلة ال سعود فهم جميعا سديريون اي ينحدرون من نسل ام واحدة هي حفصة السديري احدى زوجات عبد العزيز ، اما ام الملك الحالي عبدالله بن عبد العزيز فهي فهدة بنت العاصي آل رشيد وهو الاخر يحاول ان يترك لابنائه مراكز مهمة في السلطة تجعلهم بمراكز قوة من بعد رحيله ، وهناك اجنحة ثانوية اغلبها مهمش ومنهم الامير طلال الذي لاقى وابنه الامير الوليد بعضا من الدعم المالي والمعنوي من الملك عبدلله نتيجة لتعاطفهم معه في صراعه مع الاجنحة السديرية الثلاثة ، وبحسب كل الاشارات والتسريبات والخبرات فان اي من هذه الاجنحة لا يقدم على خطوة باتجاه الحسم الا اذا وجد دفعا ما او تبني محدد من المرشد الامريكي الاعلى !

وفاة الامير نايف ولي العهد عزز من قدرة الملك عبدالله على سحب ولو جزئي للبساط من تحت اقدام السديريين صحيح انه قد عين محمد بن نايف وزيرا للداخلية لاحتواء الحنق وعين الامير بندر بن سلطان وزيرا للمخابرات لكنه كان قد عين ابنه متعب وزيرا للحرس الوطني ووزيرا للدولة كي لا يختل التوازن لاسيما ان ولي العهد الجديد السديري سلمان بن عبد العزيز والبالغ من العمر 77 عاما هو بنفس الوقت رئيسا للوزراء وزيرا للدفاع .

الثابت في اعادة انتاج السلطة السعودية لنفسها ،هو الاستقتال على عدم خروجها من ايادي ابناء واحفاد ال سعود اما المتحول هو امكانية تشذيب السلطة وتقنينها بما يضمن استقرارها ، ويبدو ان هذا التشذيب وان اتى لا ياتي طواعيا ، اي بمبادرة ذاتية ، وانما نتيجة لتهديد شعبي اونتيجة لتدخل امريكي خفي ، يخشى من فقدان الجمل بما حمل ، وعليه لا نستغرب من ظهور تسريبات عن نصائح امريكية بريطانية تريد جعل النظام السعودي ملكيا دستوريا بعيدا عن التشدد الثيوقراطي الحالي .

عقيدة الحكم المطلق المتلحف بعباءة الدين المطلق في ازمة متتابعة ، لتناقضها مع طبيعة الاشياء النسبية في المكان والزمان ، والاحكام المطلقة ذاتها لم يعد لها قبول معرفي او تاريخي ، فالتمدن الانساني يرفض بطبعه التسليم دون مراجعة وتمحيص ، على قواعد معرفية وفقهية  منبعها الاسلام قبل غيره ، ومنها : انتم ادرى بشؤون دنياكم ، والضرورات تبيح المحظورات ، ودوام الحال من المحال ، وعليه فان الحكم السعودي يعاني من الاثنين معا تحجر التأويل في العقيدة الوهابية ، وتحجر في طبيعة وبنى النظام نفسه !