قراءة في كتاب: “متى وكيف توقفت أن أكون يهودياً؟”

لمؤلفه شلومو زند

 

يرى أن مستقبله على كف عفريت

مؤرخ “إسرائيلي ” الكيان أشد الأنظمة عنصرية

المصدر : (“القدس المحتلة- “الخليج  )

أفضل المساعي للكشف عن حقيقة الصهيونية، جوهرها، دوافعها وممارساتها بحق الفلسطينيين والعرب واليهود أيضاً هي تلك الصادرة عن باحثين يهود أو صهاينة سابقين كونها توفر شهادة أصلية من الداخل . وهذا ما يفعله المؤرخ “الإسرائيلي” البارز بروفيسور شلومو زند بكتاب جريء جديد صدر أخيراً بالعبرية بعنوان “متى وكيف توقفت أن أكون يهودياً؟” عن دار النشر “كنيرت زموراه – بيتان” .
كما في كتابيه السابقين المثيرين “متى وكيف اخترع الشعب اليهودي؟” و”متى وكيف اخترعت”، أرض “إسرائيل”؟ “يحمل زند على الصهيونية ويعري” أكاذيبها وعمليات غسل الدماغ والتزوير، نسج الأساطير واستنساخ التاريخ التي تواصل التورط بها .
ويؤكد أن “إسرائيل” تحولت من دولة ذات طابع ديني لمملكة صليبية جديدة فيها نظام فصل عنصري مستقبلها على كف عفريت .
زند المحاضر في جامعة تل أبيب يسخر من التعريف “يهودي علماني”، فهذا بالنسبة له غير قائم، وفي الكتاب يعلن قطع صلته به معتبراً نفسه “إسرائيلياً” وغير صهيوني .
ويتميز الكتاب الجديد بتكريس مساحة واسعة منه لتجارب الكاتب الشخصية والذي يؤسس استنتاجاته عليها ويبدي موقفه تجاه اليهودية وللدولة التي يقيم بها .
يستعرض الكاتب مجمل تجاربه، وتأملاته ومحطات مسيرته الشخصية ولقاءاته بيهود العالم، مستنتجاً أن اليهود أتباع ديانة وليسوا شعباً بخلاف مزاعم الصهيونية . ويوضح أن هذه الحقيقة تفسر التناقضات العميقة في الصهيونية التي تتزلف تقاليد اليهودية تعويضاً عن فراغ عربة اليهودية العلمانية التي يجسدها الفكر الصهيوني . وهذا هو منطلقه في تخليه عن تعريف نفسه ك”يهودي علماني” وفي تكرار مقولته بأنه ليس هناك شعب يهودي في العالم وأن الصهيونية نحتت شعباً متخيلاً له عمق تاريخي . ويعتبر أن الصهيونية نجحت كبقية الحركات القومية بذلك بخلق شعب متخيل بنظرة للخلف فقط لكنها فشلت بخلق قومية يهودية عالمية جامعة بدليل أن أغلبية يهود المعمورة يفضلون عدم الإقامة في إطار سيادي مشترك حتى لو كان في “ملجأ الشعب اليهودي”، “إسرائيل” ويفضلون البقاء بدول مختلفة .
ومقابل فشلها بخلق شعب يهودي عالمي وقومية يهودية، أنجبت الصهيونية، برأيه، شعبين آخرين لا تعترف بهما اليوم أولهما هو الشعب الفلسطيني الذي يقاتل نتيجة استعمارها وطنه وسيادته .
والثاني الشعب “الإسرائيلي” الذي يقاتل على استقلاليته القومية وله مزاياه الثقافية الخاصة، التي لا يشترك فيها مع يهود العالم .
زند الذي يتعرض اليوم لحملات وعمليات تحريض عليه في أوساط إعلامية وأكاديمية نتيجة محتويات الكتاب يكرر فيه ما جاء في كتابيه السابقين بالتأكيد على أن علمنة التلمود قد تمت بموازاة تأميم الشتات اليهودي، مشيراً لأسطورة تهجير اليهود من قبل الرومان التي رعتها الصهيونية كدليل صلب على “الحقوق التاريخية لليهود على فلسطين” التي حولتها ل “أرض: “إسرائيل”” .
ويؤكد مجدداً أن طرد اليهود من فلسطين أسطورة استخدمت كواحدة من تقنيات مذهلة لصياغة الذاكرة الجماعية تقوم على فكرة أن يهود أوروبا مهجرون من فلسطين وهم من سلالة سيدنا إبراهيم .
ويشير لفشل المحاولات “الإسرائيلية” من خلال مختبرات بيولوجية لتسويق نظرية علمية عرقية مفادها أن اليهود شعب واحد يجمعهم حمض نووي واحد منذ قرون .
ولا يتردد زند بالتأكيد على رؤية خطيرة يتبناها مؤرخون كبار في العالم ومنهم “إسرائيليون”، أبرزهم أفرهام فولك، محاضر في جامعة تل أبيب، وهي أن أصل اليهود من مملكة الخزر ومنها انتقلوا لشرق أوروبا .
وينبه أن بوسع الصهاينة في العالم مساعدة “إسرائيل” مالياً وسياسياً، لكنهم لا يفهمون لغتها ويمتنعون عن الهجرة ل “الشعب الذي عاد لأرض آبائه”، ويتجنبون إرسال أولادهم للقتال في حروب الشرق الأوسط .
ويتابع تغريده خارج سرب “الإسرائيليين” ليقول ما تحاول أغلبيتهم التكتم عليه “كلنا نعرف أيضاً أنه لو أتيح للمهاجرين من الاتحاد السوفييتي سابقاً الهجرة للولايات المتحدة لما وصلوا إلى هنا” .
ويذكر أن استطلاعات موثوقة تشير إلى أن 40% من اليهود في “إسرائيل” بحوزتهم جوازات سفر أجنبية ويدرسون بجدة إمكانية الهجرة منها، فهم في الشرق وقلبهم بالغرب .
ولذا لا يكتفي زند بحملته على الصهيونية ويشير إلى أن “الأخلاق اليهودية” تسهم في اتساع العداء للقيم الليبرالية والديمقراطية داخل “إسرائيل” .
ويستعرض الباحث أسباب مساعي “إسرائيل” الحثيثة من أجل تهويدها ومطالبة الآخرين الاعتراف بها كدولة يهودية، موضحاً أن ذلك بدأ غداة احتلال الضفة وغزة عام 67 وظهور “الفزاعة الديموغرافية” نتيجة وجود مجموعة فلسطينية كبيرة بنطاق حكمها .
ويعتبر ذلك نتيجة لسيطرة اليمين على الحكم للمرة الأولى عام 1977 بمساعدة اليهود الشرقيين الذين شددوا على هويتهم اليهودية بقوة أكبر من بقية المهاجرين اليهود نتيجة شعورهم بالدونية ورغبتهم بإثبات يهوديتهم ووطنيتهم .
وبرأيه، تكررت الظاهرة مع الهجرة الروسية الكبرى غداة انهيار الاتحاد السوفييتي، لأن المهاجرين من هناك خلوا من أي مؤشر ثقافي “إسرائيلي” ولأن كثيرين منهم ليسوا يهوداً بتاتاً، فنبعت الحاجة للتشديد على يهوديتهم من قبل المؤسسة الحاكمة .
وعلى خلفية توقفه عند انتهاكات “إسرائيل” لحقوق الشعب الفلسطيني، يتساءل زند تساؤل العارف: كيف لا تتطابق مكانة اليهودي في “إسرائيل” مع مكانة البيض في جنوب الولايات المتحدة قبل سنوات الستين من القرن العشرين، أو مع مكانة المستعمرين الفرنسيين في الجزائر حتى ،1962 أو مع البيض في جنوب إفريقيا قبل 1994؟
ويتابع مقارناته التي تستبطن تعريفاً استعمارياً ل”إسرائيل”: “قريبا ربما تتشابه مكانة اليهود في “إسرائيل” مع مكانة الألمان الآريين في ثلاثينيات القرن العشرين” . متسائلاً في بيت القصيد: كيف يمكن بمثل هذه الظروف أن يواصل إنسان نزيه وليبرالي وديمقراطي غير متديّن تعريف نفسه يهودياً؟
ويسخر من قيام أحفاد الناجين اليهود من الاضطهاد الأوروبي بشمل أنفسهم ضمن قبيلة اليهود العلمانيين الجدد الذين يرون في “إسرائيل” ملكهم الحصري .
زند المتمسك بتوجهاته الإنسانية والليبرالية ولا يهتم كثيراً بالهوية القومية يتمنى أن تتسع المسافة الثقافية بينه وبين حفيده أكثر من المسافة بينه وبين جده .
ويقول ذلك رغم أنه يقيم داخل “إسرائيل” منوهاً لوعيه بأنه يعيش في أكثر المجتمعات العنصرية في العالم الغربي ويضيف “العنصرية في كل مكان لكنها في “إسرائيل” بنيوية وكامنة في القوانين وتدرس بالمدارس وتبث بوسائل الإعلام والأخطر أن العنصريين لا يشعرون أي واجب بالاعتذار” .
ولذا يجزم أن “إسرائيل” تشكّل اليوم قدوة لكل حركات اليمين المتطرف في العالم والتي كانت توصف بالسابق ب”لا سامية” .
ويرى بنفسه “إسرائيلياً” بثقافته الأساسية وحياته اليومية وهو ليس فخوراً بذلك بقدر افتخاره بكونه رجلاً عيناه بنيّتان وقامته متوسطة ويضيف أحياناً كثيرة أخجل في “إسرائيليتي” خاصة في لحظات الذروة خلال السلوك العسكري الفظ ل”إسرائيل” ضد الضعفاء من غير المنتمين ل “شعب الله المختار” .
ويعبر عن حلمه “غير الواقعي” بأن يشعر الفلسطينيون في “إسرائيل” على الأقل كما يشعر اليهودي – الأمريكي في نيويورك .
ويرى أن التسوية السياسية باتت بعيدة المنال لأن “إسرائيل” عاجزة عن تخليص نفسها بنفسها من تحكم استعماري بشعب آخر . وعلى غرار مثقفين ليبراليين يهود آخرين، يبدي زند أسفه بأن العالم لا يفعل ما يكفي لإنهاء الاحتلال، بسبب عقدة الضمير . ويشير بالمقابل إلى أن “إسرائيل” غير مستعدة لضم الأرض المحتلة عام 67 خشية منح الفلسطينيين فيها الجنسية والتحول عندئذ لدولة ثنائية القومية . ويقدم تشبيهاً من عالم الافتراس والحيوان قائلاً: “يبدو أن الأفعى الأسطورية التي تبتلع فريستها من الأرض تفضل الاختناق ببطء وعدم التفريط” .
أما أرض “إسرائيل” “التي اعتبرتها الصهيونية ملجأ لليهود في العالم فباتت، برأي زند، أخطر الأماكن عليهم، معتبراً أن مرد ذلك رفض الصهيونية الاعتراف بوجود شعب “إسرائيلي”، تعزله عن بيئته، ترى به جيشاً طلائعياً لاستيطان أبدي ينبغي أن يستمر، تطمح توسيع حدوده، تفضل تغليفه بغلاف أيديولوجي عرقي انعزالي” .
وينهي الكتاب بفقرة حاسمة: “مستقبل المملكة الصليبية الجديدة هذه، المرسلة من قبل الغرب لقلب الشرق موضوع على كف عفريت”

:::::

“الخليج”