وردٌ للقسَّــام

بسام الهلسه

 

          * قد يكون الشيخ الشهيد “عزالدين القسّام” أكثر شخصية حظيت بتقدير وإحترام مختلف قوى وتيارات الحركة الوطنية الفلسطينية المسلحة المعاصرة، سواء كانت: وطنية، أو قومية، أو ماركسية، أو يسارية، أو إسلامية.

          وربما لا يدانيه في هذه الحظوة سوى قائد “جيش الجهاد المقدس” الشهيد الكبير: “عبدالقادر الحسيني”.

فبعد فترة التشتت والإنقطاع التي تلت النكبة عام 1948م، ومع إنطلاق الثورة الفلسطينية المسلحة المعاصرة عام 1965، أُعيد من جديد وبقوة، بعث وإحياء التراث الكفاحي المسلح للشعب الفلسطيني ضد الإنتداب البريطاني والعصابات الصهيونية. وأُعيد الإعتبار لرموزه وقادته: شهداء “هبة البراق” في العام 1929م (محمد جمجوم، فؤاد حجازي، وعطا الزير) وأبطال الثورة الوطنية الكبرى (1936م-1939م)، والمواجهة عامي (1947م-1948م): الشيخ فرحان السعدي، وعبدالرحيم الحاج محمد، وحسن سلامه، وأبو درة، وأبو دِيّه وغيرهم…

          لكن الشيخ “القسّام” السوري الأصل، إبن بلدة “جبلة” الساحلية، تبوأ مكانة مميزة بين الجميع، تمثلت بـالدور الريادي الذي قام به في شق طريق جديد لكفاح الحركة الوطنية الفلسطينية التي كانت أحزابها وهيئاتها العديدة قد بددت قواها في أشكال النضال السلمي “الشرعي والعلني” :(الإحتجاجات، المؤتمرات، العرائض، المظاهرات…)، وفي عدم حسم خيار المواجهة مع العدو الرئيس آنذاك (الإحتلال البريطاني)، وفي الطابع الإرتجالي العفوي للنضال، وفي التركيز على المدن وإهمال الريف الذي كان سكانه يشكلون أغلبية الفلسطينيين، وفي الطابع العائلي والعشائري (الحمائلي) للأحزاب وقياداتها.

*    *    *

كان “الشيخ القسّام” قد وعى تجربة إخفاق المقاومة السورية التي شارك فيها في منطقة الساحل ضد قوات الإحتلال الفرنسي بين عامي (1919م-1920م)، ونقل معه هذا الوعي إلى فلسطين التي لجأ إليها فراراً من الفرنسيين الذين أصدروا بحقه حكماً بالإعدام ولاحقوه بعدما رفض التعاون معهم، وإستقر في “حيفا” على الساحل الفلسطيني الشمالي.

ومن موقعه كخطيب في جامع “الإستقلال” وكمأذون شرعي، باشر “القسَّام” بهدوء وصبر عمله الطويل في بناء نواة تنظيم سري مسلح ضم إليه العناصر الجادة والمُخلصِة من الحِرفيين والفلاحين المهاجرين لمدينة حيفا. ومع تحديده الواضح لهدف النضال: تحرير فلسطين ونيل الإستقلال، فقد عيَّن بوضوح إتجاه الضربة الرئيسة نحو الإحتلال البريطاني, العامل الأهم آنذاك في السيطرة على فلسطين وتقديمها لليهود الصهاينة لإقامة دولة فيها.

          وإذ كان يعرف أن “السرّيّة” هي أقوى سلاح في يد الضعفاء الذين يواجهون عدواً متفوقاً، فقد وزّع عناصر تنظيمه إلى خلايا صغيرة العدد، وقسمهم بحسب قابلياتهم إلى المهمات التي يتعين عليهم إنجازها في مرحلة الإعداد والتحضير (قسم للتزود بالسلاح وشرائه ونقله وتخزينه، قسم للتدريب، قسم للإستخبارات، قسم للإتصال السياسي الخارجي، قسم للدعوة والتحريض والتعبئة…).

          وفي ضوء إطلاعه على خبرة الثورة الوطنية السورية الكبرى (1925-1927م)، وملاحظته لخصائص وسمات الوضع الفلسطيني، كان مصمماً على إستكمال الإستعدادات قبل مباشرة العمل، لتجنب التّخبّط والتعثر والإرتجال الذي وسم العمل الوطني الفلسطيني بطابعه. لكن ضغط الإحتلال، وتفاقم الوضع، مع التزايد الهائل للهجرة اليهودية إثر صعود النازية إلى الحكم في ألمانيا، وتمادي العصابات الصهيونية، وحمية بعض عناصر التنظيم الذين تعجلوا الإنطلاق فقاموا بعمليات مسلحة، أدت إلى إثارة إنتباه سلطات الإحتلال وعملائها الذين أخذت شكوكهم تحوم حول الشيخ وجماعته، مما حدا به للخروج المبكر.

          وإذ لاحقته قوات الإحتلال البريطاني، فقد لجأ ومن معه إلى أحراج “يعبد” في منطقة “جنين”، ليخوض فيها في (19-11-1935م) المعركة التي إستشهد فيها ومعه عدد من رفاقه.

لكن إستشهاده كان بمثابة الشرارة التي أججت وقود الغضب الشعبي المشتعل أصلاً، والذي كان يبحث فقط عن الطريق الذي ينبغي السير فيه، والوسيلة التي يجب إستخدامها، وهو ما دل عليه القسّام بدمائه ودماء رفاقه الزكية.

          وإذا كان موت البعض نهاية لهم، فقد كان إستشهاد القسام بداية وولادة جديدة للكفاح الوطني، عبَّر عنها الموكب الكبير الذي سار في تشييعه، والصدى الواسع لمأثِرته.

ولسوف ينفجر الغضب الشعبي المخزون بعد أربعة شهور(في نيسان- ابريل 1936م) في أطول إضراب عرفه التاريخ- إستمر لستة شهور- وفي إندلاع الثورة المسلحة التي عمّت فلسطين.

          ووفاء للشيخ، وتكريماً له واقتداءً به، حمل العديد من قادة الجهاد الفلسطينيين لقب “شيخ”, أما كلماته الحاسمة التي حرّض بها رفاقه على المقاومة والقتال، عندما حاصرهم الإنجليز وطلبوا إليهم الإستسلام، فلم تزل وضاءة حيَّة ترددها الأجيال:

” هـذا جهـاد.. نصـرٌ أو إستشهـاد”

alhalaseh@gmail.com