برافر: لا فراشات حول البلدوزر

مجد كيّال *

الأسئلة حول “إسقاط برافر” كثيرة ومُلحّة. وهي حتّى وإن أخذت في بعض الدوائر الاجتماعيّة الفلسطينيّة طابع المناكفة والشخصنة، واتّسمت بالتهويل أو بالاستخفاف، إلا ان الحركة الشعبيّة التي قامت ضد مشروع قانون برافر هي موضع أسئلة لا يمكن القفز عنها إن أردنا إنجاز عمليّة وطنيّة هامة يفتقدها الفلسطينيّون (خاصةً داخل الأرض المحتلّة عام 1948)، ونقصد عمليّة التعلّم من التجارب النضاليّة.

وعود من العاصفة

ما الذي حدث في ذلك اليوم العاصف إذاً؟ برد وفيضانات وثلوج وحالة طوارئ مستعصية، ووسط كل هذا يدخل متسللاً إلى المشهد الرجل الذي قاد مشروع برافر ليُعلن عن قرار رئيس الحكومة وقف مشروع القانون، ثم يجرفه السيل. التوقيت لم يعط الحدث وزنه، وساد الشكّ فوق كل شيء. رغم أن الصحف الإسرائيليّة كلها نشرت بعد يوم الغضب الأخير أنباء وتسريبات عن أن المشروع سيُسحب، إلا ان تصديق ذلك لم يكن سهلاً. مرّت سنوات طويلة عاش فلسطينيّو الداخل خلالها في خانة الـ”مفعول به”، من دون قدرة أو إيمان بإمكان تأثير هذه المجموعة الصغيرة والمطوّقة في الأمور السياسيّة الكبرى التي تقف إسرائيل في مركزها.
“ألا تعتقد أن الأمر كان أسهل مما توقّعناه؟” سألني أحد الشبّان الذين خرجوا في البرد القارس إلى الشارع للاحتفال بـ”إسقاط برافر”. وبالفعل: الجهود الصادقة التي بُذلت بنشاط وتفاني، لم تكن لا هائلة ولا خارقة.
تابع الشاب يقول: “انتبه، كلّنا كنّا نذهب إلى العمل والتعليم، وفي الوقت ذاته نظّمنا المظاهرات، لم يكن عددنا بالغ، وبقي لدينا متسع من الوقت للجلوس في المقهى”. الجهود التي بُذلت كانت متواضعة، لماذا؟ لأن الأمر لم يتطلّب أكثر من ذلك. ولكن عن أي أمر نتكلم؟
هناك رمزيّة قويّة لتوقيت الإعلان عن إسقاط المخطط بين الأخبار العاجلة عن عاصفة “إليكسا” التي تضرب إسرائيل، والعنوان الذي لم يفارق الصحافة الإسرائيليّة: “الدولة ليست جاهزة”. دولة تغرق، الشوارع المركزيّة للعاصمة (الرسميّة والاقتصاديّة) مغلقة، عشرات آلاف البيوت دون كهرباء، جهاز التعليم مشلول والاتصالات مشلولة، وانهيارات تليها انهيارات، وحالة من الهلع الجماعيّ، والصحافة تقصف الحكومة، والحكومة تقصف المعارضة. لماذا؟
متر من الثلج ويوم من هطول الامطار. القضيّة الحقيقيّة إذاً، ليست أن العاصفة عاصفة، ولا أن الضربة قويّة، ولا أن الاحتجاج جارف ومتفجّر ومهول، بل لأن “الدولة غير جاهزة”. هذه الدولة التي تحاول دائماً أن تتصرف على أنها مكان طبيعيّ، عادي، مثل الجميع… وهي ليست كذلك.

المعرفة التي تستبدل الغضب

لم تكن الأجهزة الأمنيّة الصهيونية تتوقع توسّع حركة الاحتجاج الشرس. ربما توقّعت مظاهرات هائلة تجوب القرى العربيّة، وهذا أمر سبق وتمّ التعامل معه، لكنها لم تتوقّع مظاهرات نوعيّة، فيها أغلبيّة من المتظاهرين تعلن قبل المظاهرة بأسابيع نيّتها الواضحة لقطع الطرق المركزيّة، وهي على وعي كامل بأن ذلك سيؤدي إلى اشتباك مع أجهزة أمنيّة لا تتعامل إلا بعقليّة “القوّة.. والمزيد من القوّة”. وهناك أمر آخر يجب مراجعته في هذا السياق، بين المناضلين والنشطاء السياسيين في الداخل: كثيراً ما تتردد مقولات تقول بأنه في نهاية المطاف، من ينزل إلى مواجهة الأمن الإسرائيلي، يكون الشباب غير المهتم بالسياسة عامةً. بأن الطلاب الجامعيين والصبايا المثقّفات يتكلّمون على السياسة، أما من ينزل للاشتباك فهم الشباب الذين لا يهمهم كل هذا، ويبحثون عن لقمة عيشهم.
يذهب البعض للتعويل على “الزعران”، و”أولاد الشوارع” (هكذا يستخدمون المصطلح، بكل صفاقة)، بأنهم سيكونون سلاحنا لمواجهة إسرائيل.
غالباً ما تأتي هذه المقولة لتخبّئ تحتها عقليّة ذكوريّة متهافتة ترى بالمواجهة عمليّة عضلات و”مرجلة”، وهي عقليّة غالباً ما ستأمر النساء بالعودة إلى الخلف عندما تبدأ المواجهة، وهي غالباً ما تنادي بالفصل بين الاجتماعي والسياسي، وتطمس التيارات النسويّة في الحركة الوطنيّة تحت حجّة أن حمل الراية النسويّة والنضال من أجل المساواة الاجتماعيّة يُبعد ويُزعج الرجال الـ”جدعان” الذين يعوّل عليهم بأن يكونوا في مواجهة إسرائيل في اليوم الموعود.
إن الكذبة التي يصنعها هؤلاء (وهم كُثُر عندنا)، هدفها الأوّل أن تُظهر نفسها على أنها منحازة للفقراء لكي تميّز صاحبها داخل دوائر الحياة الشبابيّة والثقافيّة في الجامعات وفي الأحزاب، وخاصةً في الحيز المديني في المدن. ولكن الأخطر أنها كذبة تعفي صاحبها من مسؤوليّة العمل الفكري والتثقيفي في الهوامش، وتعطيه شرعيّة احتكار المعرفة بين الأوساط الشعبيّة. ليبقى صديقنا الكاذب سيداً يُفكر ويعرف (ويمثّل غيره)، ومن يطلق هو عليهم “أولاد الشوارع” سيقاتلون من أجل “الطيبة والصدق الفطري وحُب الخير الذي في قلوبهم”…
هذه العقليّة بدأت تتراجع في اللحظة التي لم تعد فيها المواجهة مع المنظومة الصهيونيّة لحظة غضبٍ واستنفار يخوضها الرجال، بل صارت خطوة محسوبة لها زمان ومكان، وتتسع للجميع. الناس في الشارع كانت تعرف مساحة الدونمات التي ستُهجّر، ولم يكن لصاحب الأرض الفعلي أسبقيّة في المواجهة، فالمحرّك ليس الملكيّة الماديّة للأرض كحق شخصي لهذه العائلة وتلك، إنما الملكيّة كمعطى سياسي واجتماعي تعرفه وتتعلمه – ملكية الأرض كقضيّة.
لا يكفي أن تغضب لكي تنزل وتقاتل، عليك أولاً أن تعرف. حتى وإن كان الاسم الذي أطلق على المظاهرات “يوم الغضب”، إلا أن الفجوة كبيرة بين الغضب كموقف سياسي، والغضب كدافع عصبي للتصرّف.
إحدى الصديقات كانت تمزح دائماً: “شو؟ يوم السبت أي ساعة بدنا نغضب؟”

الظروف الغامضة في سقوط مخطط برافر

رُبما، وهذا سؤال مطروح ويُمنع التهرّب منه، كل ما نقوله هنا لا أساس له؟ فهو يعتمد على فرضية أن ما تم هو إنجاز سياسي، رغم أن الحقيقة ـ يدّعي البعض ـ غير ذلك. هناك ادعاء قويّ بأن السبب الحقيقي لإسقاط المخطط هو رفض أحزاب معيّنة أكثر يمينيّة في الحكومة الإسرائيليّة لهذا المخطط، لأنهم يريدون مخططاً أكثر فاشيّة. ادعاء آخر يقول، وهو صحيح، أن مشروع القانون سُحب لكن المخطط مستمر، وأنه سينفذ بشكلٍ أعنف وأصلب ومن دون الغطاء التشريعي للعمل. فكيف إذاً نسمح لأنفسنا بنقاش ما حصل على أنه إنجاز؟ بالاحتفال به؟
الادعاءان متشابهان في العمق من حيث العقلية التي يصدران عنها. فرضية أن مخطط التهجير مستمر، يكشف اعتقاداً مقنّعا بوجود حالة ستتوقف فيها إسرائيل عن التخطيط لتهجير العرب. وكأنّ الإمكانيّة واردة لأن تقبل إسرائيل الوجود الفلسطيني فيها كما هو، دون أن تهوّد البلاد ودون أن تقلّص أكثر وأكثر وجود الفلسطينيين. هذا غير ممكن بالطبع، لأن التهجير والخنق والمصادرة ليست سياسة حكوميّة، إنما هي جوهر وجود المنظومة الاستعمارية الصهيونيّة: لا يمكن للصهيونيّة أن تتصرف غير ذلك.

أتى قانون برافر ليسهّل التهجير والمصادرة، لينظّمها قانونياً، وتكون الأجهزة الإداريّة محميّة أمام السلطة التشريعية والقضاء الإسرائيليان. أتى ليحل التناقض داخل المنظومة الإسرائيليّة: المحاكم غير قادرة على حسم دعاوى الملكيّة التي قدمها البدو، الملفّات عالقة هناك منذ السبعينيّات لأن ملكيّة البدو مثبتة من جهة، ولكن ومن الجهة الأخرى فقضيّة الأراضي هي القضيّة الجوهريّة بالنسبة للدولة، والتي لا يمكنها وبشكل مطلق التنازل هنا. “واحة الديموقراطيّة” تهجّر الناس وتهدم القرى وتصادر الأراضي أمام عيون العالم، بقرارات حكوميّة بل وإداريّة من لجان التخطيط في وزارة الداخلية؟ هنا برز استخدام القوننة لحل هذا التناقض والتستّر بالديمقراطيّة، وكذلك لتسهيل الإجراءات العمليّة، وضمان الميزانيّات الأمنية اللازمة.
صحيح أن الدولة ستستمر في محاولة التهجير، لكنها ستستمر بالتهجير الإداري، التهجير العاري الخاضع لتناقضات المنظومة الاستعماريّة. الدفع بالاستعمار نحو المأزق، نحو الزاوية، إجباره على استخدام النظم الإداريّة والعسكريّة بدلاً من القانونيّة، إشارة على انحسار قدرته، هشاشته ووحشيّته.
هكذا مثلاً يقوم العالم عندما تسجن إسرائيل سجيناً إدارياً لثلاث سنوات، لكن عندما تتم محاكمته أمام القضاء ويُسجن لثلاثين سنة لا أحد يحرّك ساكناً. القانون سيُطبق بيد من حديد؟ أن يُهدم بيتي بيد من حديد أفضل ألف مرّة من أن يُهدم والفراشات تحلّق حول البلدوزر. أما البلدوز نفسه فلا يتوقّف، وإنما يزول عندما تزول السلطة التي أرسلته.

إن الشرط الأساسي للإجابة عن هذين الادعاءين هو النظر إلى الصراع مع المنظومة الاستعماريّة العنصريّة بمنظار آخر، والتخلص للحظة من صورة فيها محور واحد، نتقدم ونتراجع عليه نحن وإسرائيل، فإما أن نتقهقر وإما أن ندحرها. الأنظمة العنصريّة لا تتقهقر، الأنظمة العنصريّة تنهار. وهي تنهار مثلما تُعطب الماكنة، حين تصل تناقضاتها الداخلية إلى ذروة لا تمكِّنها من الاستمرار.
لنفترض أن قرار إسقاط برافر كان بضغط من الأحزاب الأكثر يمينيّة. لنفترض أنه لم يكن أي ضغط دوليّ على إسرائيل، ولنفترض أن أجهزة المخابرات لم تقدّم تقاريرها عن احتمالات “انفجار الوضع” بين الأمن والفلسطينيين. لقد قبل اليمين المتطرف مخطط برافر حين كذب وقال مكتب رئيس الحكومة أن البدو يوافقون على مبادلة أراضيهم بتعويضات.هل كان من الممكن أن تنكشف هذه الكذبة الداخليّة من دون أن يشتعل النقب وتشتعل حيفا بالمواجهات؟ وكيف؟ وما الذي حال دون ذلك، سياسياً، حتى الآن؟

 

نحن متورطون بعمليّة “أنسنة” للمنظومة الاستعماريّة. تشغلنا مشاعرها، ونبحث في داخلها عن من هم معنا ومن هم ضدنا. لكن لا بد أن نحاول التقاط اللحظة التي لا يعنينا فيها ما تفكر به المنظومة، لا تعنينا الخلافات الداخلية فيها وأي المواقف داخلها أفضل وأسوأ لنا. يعنينا فقط أن نؤجج أزمتها الداخليّة حتى تُشل قدرتها على اتخاذ القرارات وتنفيذها. أن تصدّر لها المآزق، وتصدّر لها الخلافات. أن تُشعلها، وتُجبرهم على خوضها والتناحر عليها فيما بينهم.
وهذا ما حصل بالحقيقة: لن يتم التهجير بانسجام بين السلطات التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة. أمام العالم، لن يكون هذا قرار الأغلبية في الدولة الديمقراطيّة، ولن يكون مخطط تم بموافقة الفلسطينيين، كما كذبت الحكومة الصهيونيّة.

 

أتى برافر لينثر الورود ويطيّر الفراشات حول البلدوزر… لتغطّيته. وسقط. على الإسرائيليين الآن أن يخرجوا من حالة الإنكار ويتذكّروا أن نظامهم ليس أكثر من بلدوزر وحشيّ: ماكنة لا بد من أن تُعطب.

 

* كاتب فلسطيني من حيفا

:::::

“السفير”