المسيحيون العرب.. رواد في ثقافة الشرق

صقر ابو فخر

 

قامت النهضة العربية التي انطلقت غداة احتلال نابليون بونابرت مصر في سنة 1798 على أيدي المسيحيين بالدرجة الأولى، ثم على أيدي المسلمين الذين هالهم ما حل بديار الإسلام، ولا سيما بمصر، وراحوا يتفكرون في أسباب هذا الحدث الجلل ونتائجه. وكان للمسيحيين فضيلة السبق في ميدان الثقافة والصحافة، فأسسوا صحفاً كثيرة ومجلات وأحزاباً وجامعات وجمعيات صارت منائر للعلم والثقافة. فأول صحيفة عربية كانت «مرآة الأحوال» التي أصدرها رزق الله حسون الحلبي في اسطنبول في سنة 1855. وأول صحيفة عربية ظهرت في المهجر الأميركي أنشأها الأخَوان إبراهيم ونجيب عربيلي من دمشق في سنة 1888 وكان اسمها «كوكب أميركا». ومن بين أهم المجلات والصحف التي صدرت في القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين على أيدي مسيحيين متنورين يمكن أن نذكر «الهلال» (جرجي زيدان) و«المقطم» (فارس نمر ويعقوب صروف وشاهين مكاريوس) و«المشرق» (لويس شيخو) و«الضياء» (إبراهيم اليازجي) و«الجنان» و«نفير سوريا» (بطرس البستاني) و«الجنة» ثم «الجنينة» (سليم البستاني») و«البصير» (رشيد الشميل) و«الأهرام» (سليم وبشارة تقلا) و«الأديب» (ألبير أديب) و«شعر» (يوسف الخال) و«حوار» (توفيق صايغ) وغيرها كثير. وأسس المسيحيون الكلية الإنجيلية السورية في بيروت سنة 1866 (الجامعة الأميركية لاحقاً)، وجامعة القديس يوسف (اليسوعية) في سنة 1875، علاوة على مدرستي عين ورقة وعينطورة والمدارس الروسية (المسكوب) في فلسطين ولبنان وسوريا. وفوق ذلك أسس المسيحيون الشوام في مصر «دار المعارف» (أسسها نجيب متري). وأنشأ يوسف توما البستاني «مكتبة العرب». وأول مطبعة بالحرف العربي كانت مطبعة حلب الأرثوذكسية التي أسسها في سنة 1706 عبد الله الزاخر. وظهر قاموس «المنجد في اللغة» على يدي الأب لويس المعلوف (أصل عائلته من قرية داما في جبل العرب بجنوب سوريا). أما «المنجد في الأعلام» فألّفه الأب فردينان توتل وهو راهب حلبي. ولمع من بين المسيحيين العرب، في عصر النهضة وبعده، أعلام كبار أمثال أديب إسحق (وهو أرمني دمشقي)، وناصيف اليازجي وإبراهيم اليازجي وجبرائيل الدلال وجبر ضومط وجرمانوس فرحات وبطرس البستاني وإميل الريحاني وأحمد فارس الشدياق وسعيد الشرتوني وفرنسيس المراش وشبلي الشميل وفيليب حتي وبندلي جوزي وخليل السكاكيني ونجيب نصار (صاحب «الكرمل») والمطران غريغوريوس حجار (مطران العرب) والمطران إيلاريون كبوجي (المطران الفدائي) والمطران عطا الله حنا (البطريرك المقاوم) والأب إبراهيم عياد (الأب المناضل)، علاوة على قسطنطين زريق الدمشقي وإدمون رباط الحلبي وفارس الخوري وجبرائيل جبور وألبرت حوراني والأخطل الصغير (بشارة الخوري) والشاعر القروي (رشيد سليم الخوري) وجورج أنطونيوس وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وجورج صيدح ونسيب عريضة. وفضلاً عن هؤلاء جميعاً ساهم كثيرون من المسيحيين العرب في النهضة اللغوية والعلمية والفنية العربية أمثال أسعد مفلح داغر وفيليب دي طرازي (مؤرخ الصحافة العربية) والمطران يوسف الدبس (صاحب «تاريخ سوريا») ولويس عوض ونجيب الريحاني (اسمه الأصلي نجيب ريحانة وهو عراقي الأصل) وحليم الرومي وكمال ناصر وكمال الصليبي وإدوارد سعيد وجبرا إبراهيم جبرا وفايز صايغ وأنيس صايغ ويوسف صايغ، وقبلهم سليم النقاش وعزيز عيد وجورج أبيض وأمين عطا الله وبشارة واكيم وبشر فارس ومئات وغيرهم. ولولا هؤلاء جميعاً لما كانت الثقافة العربية المعاصرة على مثل صورتها التي عرفتها الحياة الثقافية العربية طوال أكثر من مئة سنة، وعلى الأرجح أنها كانت باهتة وجافة ومتصحرة بلا رواء ونضارة.