حركة فتح ظالمة ومظلومة

لكن ليست الوحيدة

عادل سمارة

هكذا بدأت حديثي على قناة فلسطين اليوم مساء الإثنين 23 -12 -2013. واضفت ان جذوري شعبية كي لا أبدو متطفلا على المقاومة.

ليس هذا إعادة لما قيل، ولكنه استكمالاً وتوضيحاً لما كنت أود قوله لأن هذا كان محتوى ما جهزت نفسي لأقوله. لقد حاولت تقديم تحليل تاريخي لتبيان ذلك، لأنني لست مع الحكم القطعي (فتح يمين وانتهت وخلاص) حاولت الشرح لكن وقت الفضائيات (ما في بركة) فقاطعني مدير الحلقة. لا بأس، إنما السؤال المركزي بالنسبة لي ليس اشتباك شخصين من فتح بغض النظر عن وضعهما السياسي والوظيفي، وإنما المهم هو السياق التاريخي الذي أوصل فتح إلى هنا واوصل القضية. ومدخلي للتاريخ ليس لكتابة مجلدات ولكن لتركيز أهمية التاريخ وفرادته لفهم الحاضر والمستقبل. وهذا منظور المادية التاريخية ووليدها الشقي الاقتصاد السياسي بما فيه من سحر.

طبعاً، لن أناقش الزميلين د. أحمد رفيق عوض و د. صخر ابو فخر لأن من العيب مناقشة  دون حضورهما. لكنني أود الإشارة إلى اعتراض صخر على التحليل الطبقي، وكما هو حقي في ذلك من حقه رفض ذلك. إنما أعتقد أن هذا المبضع شديد الأهمية في اي تحليل عميق ومخلص للمجتمعات. وحتى الآن، فإن ما قدمه المعترضون على هذا التحليل من شيخ الثقافويين جورج لوكاتش إلى مدرسة فرانكفورت وخاصة هربرت ماركوزة وصولا إلى أندريه جورز لم يقدم بديلاً لهذا، في حين يثبت الزميل الجميل سمير أمين صحة ما اقول.

بدأت حركة فتح محاطة بإمكانات مالية كبيرة. ودون تفاصيل استدل بما يلي: في ايار 1968 حينما كنا في معتقل نابلس مشى معي في (ساحة السجن-وقت الفورة) السيد محمود ادعيس ابو نبيل وعاتبني على نقدي ل فتح كيمين وكنت طبعا فتى ومتحمساً، وخلال الحديث قال نحن رواتب ورتب. وأعتقد ان محمود حي يُرزق.

في تقديري أن كيانات الخليج، خليج الريع المنجمي هي مستوطنات للإمبريالية يحكمها رجال (رجال فقط) يدينون للغرب أكثر من الله. ولا يمكن ان ينفقوا على حركة وطنية سوى لتخريبها وضمن أجندة. وهذا لا يشمل عرباً خليجيين يتبرعون سرا وبطرقهم الخاصة لمنظمات وقوى وطنية وإسلامية  وقومية وأممية. لا مجال هنا لتفاصيل ولكن يكفي القاعدة ويكفي تمويل تدمير سوريا. ويكفي كذلك أن السعودية خاصة الآن تتحالف مع الكيان الصهيوني علانية وتدمر سوريا نيابة عنه.

هذا التمويل لحركة فتح ساهم في جعلها القوة القوى والأقدر، ليس المال وحده بالطبع. ولكن لنتذكر عام 1968 كان للشعبية قرابة 34% من مجلس الكفاح المسلح! اي لم يكن التفاوت عالياً. ليس هذا المهم، بل  المهم ان التمويل هذا خلق جهازا بيروقراطيا وإعلاميا هائلا تضخم على حساب مقاتلي الحركة. طبعا تمولت قوى أخرى (الشعبية والقيادة العامة والديمقراطية…الخ) من أنظمة أخرى، من العراق وليبيا وسوريا. ولكن أهداف هذه الأنظمة مختلفة. ولا أدري إن كان ايا منها تمول من الخليج (أعتقد ان القوميين العرب في الكويت  والإمارات طالما تبرعوا للشعبية). ما يهمني هو أن أجندة الدول التي حكمتها قوى قومية هي أجندة غير مشبوهة. (قد يقفز هنا فرخ تروتسكي وينعب: ديكتاتوريات. نعم بس مش خونة).  كما اعتقد ان فتح ايضا تمولت من بعض هذه الأنظمة، ألم يكن أبو عمار على صداقة بالرئيس صدام حسين؟. ربما يفيد التذكير هنا أن الجميع تمول من ليبيا القذافي وحينما تم اغتيال ليبيا والقذافي كان ربما الوحيد الذي ذكره بالخير هو السيد احمد جبريل!!! أنا كمواطن ذكرته بالخير، لكنني لم أتمول  رغم أنه عرض علي 8 مليون دولار لأقيم مؤسسة تنموية في الأرض المحتلة وكان ذلك عام 1985 وأنا في لندن ورفضت. ولم يضع الرجل اية شروط. (انظر ما كتبته ريموندا الطويل  في القدس 1-7-2012). وذكرت السيدة ريموندا (وهي حماة الراحل  ابو عمار) أنها عرضت علي من أبو عمار 25 الف جنية استرليني لتمويل دراستي وأنا في لندن ورفضت –مذكور في نفس مقالتها).

بيت القصيد أن التمويل الرجعي والأجنبي لعبا دورا بارزا في تقويض كفاحية المقاومة ومنها فتح بالطبع.

ضربة التمويل الثانية كانت مع اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس. حيث تم تشكيل سلطة بقيادة فتح مع ملاحق من قوى أخرى وبتمويل من الغرب الراسمالي الأبيض خالق الصهيونية وحاميها بلا مواربة. وبإيجاز، أعتقد ان هذا التمويل مقصود به أن يكون ريعا مالياً لتثبيت اتفاق سياسي هو أوسلو والذي يرسخ التطبيع والاعتراف بالكيان الصهيوني الإشكنازي. وكل طرف شارك في السلطة ساهم في التطبيع بمقدار مشاركته.

لقد تم تمرير اتفاق أوسلو واستمراره لعوامل كثيرة لا تخص فتح لوحدها منها التالية:

·       لأن المجتمع الفلسطيني في المحتل 1967 (مناطق الاحتلال الثاني) ذو تركيب اجتماعي هش والطبقات في حالة من التشظية وهذا يجعل اقتحامها اجتماعيا أمراً سهلا. ولعل الجامع الفلسطيني هو الانتماء الوطني السياسي وليس التماسك والنضوج الاجتماعي الطبقي، وعليه حين يغيب المشروع الوطني يتحلل التماسك ويسهل قياد الناس.

·       فالبرجوازية في الاحتلال الثاني غالبها كمبرادري (الرعيل الثالث) فكمبرادور عهد الأردن، تلاشى لصالح كمبرادور الاحتلال، وهذا تلاشى أو اندغم في كمبرادور سلطة (أوسلو-ستان).

·        الأنوية الإنتاجية الصغيرة لراس المال المالي لا يلبث كثير منها أن يأوي إلى حضن اقتصاد الاحتلال على شكل تعاقد من الباطن (انظر كتابي: ثورة مضادة إرهاصات أم ثورة، دار فضاءات عمان  2012 ورام الله 2013).

·       برجوازية كهذه تقاطعت مع السلطة ولم تشكل قوة طبقية إنتاجية تعارض الراسمالية البريوقراطية للسلطة أو تطمح للقيادة بل تواطأت معها. وإذا عرفنا ان الكمبرادور ليس ذا مشروع وطني، فمن الطبيعي ان يتواطىء مع السلطة التابعة التي تقود حركة وطنية طوت مشروعها الوطني، وأقصد هنا جميع الحركات التي تقاطعت مع اوسلو بغض النظر عن درجة ذلك.

·       نظرا لتخلف البلد في عهد الأردن، ولعدم وجود سياسة تنموية لدى منظمة التحرير لاحقاً، وبشكل خاص سياسة الاحتلال في التشغيل داخل اقتصاده ومصادرة الأرض وإغلاق الكثير منها، وعدم وجود حزب ثوري شيوعي يعتمد اقتصاد الطبقة واقتصاد الحزب قبل ما يسمى (الاقتصاد الوطني) اي غياب مشروع تنمية بالحماية الشعبية، فإن المنتج المستقل قد تراجع دوره إلى حد الإماتة. وبالتالي حاله كحال البرجوازية غير  قادر على لعب دور معارضة.

·       تمكنت السلطة من إحتواء قيادات القوى الأخرى وخاصة قيادات الجبهة الشعبية  التي كان بوسعها لعب دور المعارضة القوية. وهذا قاد إلى اعتكاف الكثيرين.

·       تشكل على هامش السلطة جهازها البيروقراطي الواسع والذي جعل من فتح (حزب-سلطة- مجتمع) بمعنى أنها حزب يضم  كافة الطبقات من الوزير وصاحب المشروع الراسمالي الكبير كبرجوازيين إلى آذن المدرسة الكادح، وتوفرت وظائف لكافة اعضاء فتح (التشغيل الكامل).

·       ضمن هذا انتفخت البرجوازية الصغيرة لتصبح الوسطى (الوسطى) وما أخطرها، فهي التي لعبت دور فرملة اي تحول كفاحي في ظل أوسلو، وأعتقد أن أفضل من عبر عنها فيلسوفها جميل هلال الذي ينتقي سنة ماركسياً وسنة أوسلوياً.

·       كانت الطلعة القوية كفاحياً لحماس مدخلاً لتعديل كفة المشروع الوطني، لكن تورطها في المشاركة الحقيقية في اوسلو –دعك من المكابرة- انتهى بها إلى تشكيل سلطة خاصة بها في غزة بغض النظر عن من المحق هي أم فتح. إنما وجود سلطة هو الذي خلق الانقسام الذي لا يبدو أنه سوف يُرتق (سوى بفرضه من انظمة التمويل عربا وغرباً وهنا ستكون الكارثة). لقد استمعت قبل ايام لحديث في قناة المنار مع د. محمود الزهار، فأظهر أن فتح شياطين بالمطلق وأن حماس كلها من الخلفاء الراشدين!!!

·       تمكنت السلطة من احتواء النقابات العمالية التي تمثل شُقف طبقة عاملة مما حال دون معارضة عمالية كما تم تذويب الحركة الطلابية وتوزيعها كتلاً للقوى وأما الحركة النسائية فصار وجهها نسويات الأنجزة والجندريات!

·       هذا اوصل المجتمع إلى لحظة “أنج سعد هلك سعيد” ولعل ما يؤكد ذلك عدم اكتراث الناس بالمفاوضات والتي على خطورتها كأنها لا تحصل! ولعل اسوأ دعم من حماس للمفاوضات أن يُؤخذ اسامة حمدان مع صائب عريقات إلى منتدى فتى الموساد عزمي بشارة في الدوحة!!!! ما المشترك يا سيد اسامة؟؟؟وماذا لدى عزمي بشارة وهو لا يخفي إيمانه بالكيان الصهيوني الإشكنازي؟

·       هذا الهلاك البنيوي ورط فتح في الاعتقاد بأن بوسع قيادتها فعل كل ما تريد أو يُطلب منها وكأنها تملك البلد وهذا ما أوصلنا إلى الاقتصاد السياسي للفساد وهو الذي يعرفه الممولون وغرشوا بل شجعوه بمواصلة التمويل لأن الهدف هو التخريب. ألم يصدر عن الاتحاد الأوروبي –وهو عدو عريق- تقرير لجنة روكارد لذي يؤكد الفساد وكذلك المصرف الدولي!. وإلا كيف حاز ت شركة بال تل على الامتياز بفلوس قليلة ومن ثم البورصة…الخ.(يمكن للصديق محمد قرش التوضيح اكثر مني بكثير!!! أليس هذا ضمن تحالف الكمبرادور مع الراسمالية البيروقراطية.

·       كان يجب الإشارة إلى أن حركة فتح (طالما الحديث عنها) قد تم اختراقها من قبل فرعي الأكاديميا الفلسطينية اللبرالية، هذه الأكاديميا التي اسست للطابور السادس الثقافي في فلسطين على الأقل، فدخلها الراحلان إدوارد سعيد وإبراهيم ابو لغد والله يطول عمره فؤاد المغربي وغيرهم في المهجر وكان أن حمل سعيدا ياسر عبد ربه إلى الولايات المتحدة فعاد مع تسوية بلا حدود. وعبد ربه ليس من فتح للذمة لمنه مثل رياض المالكي يُغيران على حماس ليل نهار!!!!. ثم صار سعيد اشد منتقدي أوسلو وكانه مع التحرير الشامل، ومن المهم الإشارة إلى أن الإعلام الغربي أبرزه كبطل قومي!!!مش معقول. والفرع الثاني لهذه الأكاديميا من الأرض المحتلة ومثالها د. حنان عشراوي وكثيرون في جامعة بير زيت الذين مع دولة في الضفة والقطاع ومع الاعتراف بالكيان…الخ . والمهم ان هؤلاء الأكاديميين حلوا محل الوطنيين الحقيقيين في فتح فتوارى هؤلاء لصالح أولئك!طبعا سمعة جامعة بير زيت الثورية هي نتاج نضال الطلبة الذي  يغطي على بؤس كثير من المحاضرين من ما بعديين ولبراليين وفرانكفونيين…الخ ولعل المثال الأوضح الآن د. خليل الهندي رئيس الجامعة (ماركسي-لينيني سابق) يذهب إلى قطر في كنف فتى الموساد؟؟؟

بؤس لا نظير له:

لعل ما لم اتمكن من قوله بما يكفي في هذا البرنامج هو أن هذا التراث النضالي لفتح والشعبية وجميع المنظمات المسلحة، بشهدائها وجرحاها ومعتقليها وجياعها…الخ كله اصبح حائطا واطياً يقفز عليه الآتون:

·       كثير من الذين (لم ينتموا لمنظمات المقاومة المسلحة ولا يؤمنون به) لكنهم نظَّروا ووافقوا وشاركوا واستفادوا وفاوضوا وتمولوا من أوسلو هم الذين ينقدون المقاومة وأوسلو فيبدون كمن كان ولا يزال يحمل الكلاشنكوف في الجيال!!!

·       من هؤلاء دعاة “المقاومة الشعبية” التي مقصود بها تحديدا (لا) كبيرة للكفاح المسلح.

·       والذين مع التسوية بمختلف طبعاتها

·       فرق الأنجزة

·       فرق الأكاديميا من لبراليين وشيوعيين مرتدين وأهل المابعديات والفرانكفونيين…الخ

·       نسويات الجندر.

·       كبار موظفي السلطة مثال د. سلام فياض الذي كتب في جريدة القدس ذات يوم: “إن اسوأ ما اضر بالقضية الفلسطينية هو الكفاح المسلح” وطبعا هو الذي أهدى الضفة والقطاع السياسات النيولبرالية التي لا تزالا مقلاة يتقلب فيها الفقراء. وأعتقد ان الضرائب والرسوم التي تسلخها السلطة من الناس تمول السلطة وتزيد فيكون المال المسموم من الخليج والمركز الإمبريالي ل (التوفير) طبعا هذا يحتاج لحساب دقيق.

كان آخر متمرجل على المقاومة (يمين إسلام يسار) السيد حيدر عيد في نشرة اسمها الشبكة؟؟؟ اسم مخيف؟؟؟. يكفي ان أحد مؤسسيها عضو في مجلس ل فورد فاوندين!!!! طبعا عيد يدعو (اللامشاركين) لينهضوا كتيار ما يبدو. ماشي ولكن ما جوهر ما يدعو له: يدعو لحل “عادل” لقضية اللاجئين!!! هذا هو الجديد ممن يقفز على تراث كل هذا النضال؟؟؟ معتمدا على “حقوق الإنسان” والأنجزة، وحملة المقاطعة الناعمة التي لست ضدها ولكن لا معنى لجعلها بديلاً!!!  فالحل العادل هو خطاب الغرب الراسمالي الأبيض العدو لشعبنا.[1]

أقصد بإيجاز، بأن هذا الوضع المزري لحركة فتح ولبقية القوى سمح للكثيرين منهم بلا تراث نضالي أن يتمرجلوا على تاريخ المقاومة ويهزءوه. وليس ما أقصده الانتفاض لصالح اشخاص وحتى قوى بل لتاريخ نضالي وتضحيات.  ولا نجد من يقوم على الأقل بالدفاع. فلا الفتحاويين يدافعون عن فتح ولا الجبهاويين يدافعون مثلا عن ابتكارات وديع حداد! فهل هذا معقولاً. هل المطلوب شتائم على هذا الشهيد او ذاك حتى يتحرك البعض للدفاع!

بقي أن اقول بأن عدم الثقة بالنفس هذه، وألوان الخراب هي التي نقلت فتح من طليعة الكفاح المسلح  في سوريا 1965 إلى افتتاح سفارة في ليبيا الناتو؟؟؟ مش معقول.  هل كل هذا لأننا في مصيدة التمويل الأجنبي  فالخليجي الرسمي اجنبي وأخطر؟؟