جنيف 2 و اتجاهات اوهام المعتدين على سورية

العميد د. امين محمد حطيط 

رغم التأكيد  الصادر عن اللجنة التحضيرية الثلاثية الراعية لمؤتنر جنيف 2 و المشكلة من الامم المتحدة و روسيا و اميركا رغم تاكيد اللجنة هذه على اانعقاد المؤتمر في موعده المحدد له في 22 1 2014، فاننا لازلنا على قناعة بان العوائق التي لا زالت قائمة و تعترض  انعقاده هي اكبر من ان تعالج بين ليلة و ضحاياها حتى و ان بعضها من قبيل المستعصي على المعالجة، و في كل الاحوال فان المؤتمر- في حال انعقاده رغم العوائق –  سيتحول الى نوع من حفل التعارف و الاستقبال و الفلكلور الذي لن يقدم او يؤخر في شيئ بالنسبة للصراع القائم في سورية بالصورة و للاهاف التي باتت في معظمها معلومة مؤكدة.

 و عليه نرى ان تاجيل المؤتمر يبقى مرجحا، و ان الانعقاد في الطروف الراهنة – اذا حصل – لن يكون كما يتصور المخلصون حسنو النية مدخلا لحل الازمة و وقف اراقة الدماء خاصة مع وجود من بات يعتبر العدوان على سورية همه الشخصي مبديا استعداده لمتابعته حتى و لو حاب في سورية منفردجا كما اعلنت المملكة السعودية.

و في كل الاحوال نجد ان هناك اوهام و حقائق تتجاذب المؤتمر او ترخي عليه بثقلها بشكل لا يمكن تجاوزه. و نتوقف اولا  عند تلك الاوهام الي تحكم سلوك البعض او تمنياته او رؤيته لمؤتر جنيف و التي تجعله يعتقد ان المؤتمر سينعقد من اجل فرضها و ان هناك ارادة دولية و سلطة كونية و قوى متعددة النزعات و القدرات ستقف وراءها و تجعل الكل ينصاع. اوهام و  اوهام يعلقها اصحابها  على جنيف 2 كالتالي  :

1)    تصور الغرب ان بامكاانه فرض سلطة حكم على  سورية لا تمت الى حاضر سورية و واقعها و حقيقتها الثابتة بصلة حكم  يفقد سورية قرارها المستقل  ليحولها  الى دولة من الدول الهامشية التابعة القائمة على بعض الصدقات و المساعدات المشروطة. و هنا نجد ان التفسير الغربي لعبارة “حكومة كاملة الصلاحية” الواردة في اعلان جنيف 1  تعني بالنسبة للغرب شطب ما هو قائم من سلطة و نظام و دستور في سورية حالياً، و تنصيب جماعة – بشكل انتقالي على ما يقولون – تتولى الحكم منفردة و تضع القوانين و الدستور و تحكم بموجبها الى ان يحين موعد العودة الى الشعب في استفتاء و انتخاب و باشراف تلك السلطة المفروضة و تحت رعاية دولية من الجهة التي نصبتها…اي ببساطة انتاج انتداب او استعمار مقنع.

2)    تصور القوى الاقليمية التي اضطرت للتراجع الميداني بسبب اخفاقها و فشلها في مواجهة الدولة السورية التي خضت حربا دفاعية افشلت الهجوم عليها و جعلت هذه القوى تنكفيء تكتيكيا للتربص بالفرصة في حينها و بمساعدة القوى التي كلفتها اصلا بالهجوم العدوان على سورية، فاذا لاحت الفرصة تتقدم باسلوب جديد مع اغراءات جديدة و عندها تعوض الخسارة او الهزيمة في المواجهة الميدانية. و تاتي في طليعة هذه القوى قطر و و تركيا اللتان  قادتا العدوان الاول ميدانيا و سياسيا.

3)    تصور عند معظم الذين اخفقوا في الميدان في تحقيق اهداف العدوان على سورية، تصورهم بان بامكانهم في حال لم يحقق المؤتمر احلامهم في تعويض ذاك الاخفاق، ان يدفعوا الامور الى فشل المؤتمر بذاته و تحميل الحكومة السورية و على راسها الرئيس الاسد مسؤولية الفشل مع تخيلهم بان ذاك سيحاصر الرئيس و يجعله في وجه ما يسمى “مجتمع دولي”  بالتعبير الاميركي الغربي، ما  يفسح المجال بعد ذلك لتشكل  اوسع كتلة دولية ضده، كتلة تعمل لتحقيق اهداف المشروع العدواني الاساسي ذاته.

4)    طموح لدى الممانعين للحل السلمي اصلاً بان يستطيع المؤتمر فرض وقف اطلاق النار على الحكومة السورية عى الاقل في فترة انعقاد المؤتمر، و  يعطي بذلك الجماعات المتناحرة فرصة ما لترميم صفوفها ثم  يمكنها  ان تستغل الفرصة و تشن اوسع الهجمات على المراكز السورية، او تفك الحصار عن المواقع التي يحاصرها الجيش العربي السوري، و يكون في ذلك برأيهم اجهاض للانجازات العسكرية الميدانية التي حققتها سورية منذ اعتماد “استراتيجة الاسد الدفاعية”  في شهر اذار 2013.

و اجمالا للبحث في هذه الاوهام – الاحلام العدوانية ضد سورية، فاننا نرى ان االفريق المعتدي و القوى التي انخرطت في الحرب على سورية و رغم انها لمست ما يشبه استحالة تحقيق اهدافها باسقاط الحكم و النظام في سورية و اقامة النظام التابع للغرب بديلا عنه،  و رغم انها مارست سياسة تدمير سورية و معظم قطاعاتها بشكل منهجي مبرمج، رغم كل ذلك نرى ن الفريق المعتدي لا زال يتصور بان بامكانه فرض حل يسميه سلميا يبحث عنه في مهل تتيح له ان يتابع تدمير سورية و استرقاق شعبها على حد ما افتى لهم كبير من دجالي الققه المنتحل للاسلام.

و بالمقابل هناك حقائق ثوابت تفرض نفسها سواء اعترف بها المعتدون الاصيلون او الوكلاء ام الادوات، حقائق هي التي ستؤخذ بالاعتبار و يصاغ على اساسها اي مخرج معقول من اتون النار التي اقتدحها المعتدون على سورية، و بالتالي فان تجاوزها سيكون بمثابة تطوير الحرب و ليس انهائها لان سورية التي نجحت في الدفاع عن نفسها طيلة السنوات الثلاث الي مضت، و نجحت في حربها الدفاعية تلك لن تسلم لخصومها ولا  لاعدائها المهزومين و تعطيهم بالسياسة ما عجزوا عن انتزاعه في الميدان، و بالتالي على من يبذل الوقت و الجهد في سبيل مؤتمر جنيف2 ان يأخذ بالاعتبار الحقئق التالية :

1)    ان سورية معتدى عليها من قبل عدو خارجي استعمل ادوات داخلية بغية تحقيق اهداف ضد المصلحة الوطنية العليا لسورية و ان سورية دخلت هذه الحرب الدفاعية ممارسة لحق الدفاع المشروع عن النفس و هي مستمرة في هذا الدفاع طالما ان الخطر موجود و جاثم على الارض السورية. و ان اي حديث عن وقف لاطلاق النار من اجل تسهيل عمل المجموعات العدوانية المسلحة لن يكون له نصيب من الحياة.

2)    ان سورية تملك قدرات و امكانات استمرار الدفاع عن النفس ما يجعل ثقتها في المستقبل و نتائج المواجهة ثابتة لا تتزعزع. و ان سورية ليست وحيدة في هذا الشأن و  ان حلفاءها في محور المقاومة عقدوا العزم على الانخراط في هذه الحرب الدفاعية باعتبارهم معنيين بها بشكل ذاتي و بذهنية الدفاع عن الوجود كما اوضح ذلك السيد حسن نصرالله منذ ايام و ان العويل و التهويل و الصراخ لحمل هذا المكون او ذاك من مكونات هذا المحور للتراجع عن قيامه في اداء واجبه الدفاعي المقدس، لن يجدي نفعا فالدفاع التحالفي المشترك مستمر حتى يزول الخطر.

3)    ان سورية كانت تعلم منذ اللحظة الاولى ان العدوان عليها كان يهدف الى تغيير موقع سورية الجيوسياسي، ذاك الموقع الذي يشكل وجود الرئيس بشار الاسد الدليل القاطع على اتجاهه و وطبيعته، و لهذا كان طلب المعتدين من اللحظة الاولى القفز فوق رمزية الرئيس الاسد و بناء حكم من دونه ليسهل تنفذ اهداف العدوان. و رغم ان الرئيس الاسد غير متمسك كشخص باي مركز او موقع فانه كمسؤول لا يمكن ان يفرط بسيادة سورية و قرارها المستقل و بما ان ترجمة هذا الامر يبدأ بحرية الشعب السورية باختيار حكامه بدءا من رئيس الدولة و نزولا الى اي مسؤول في مجلس تمثيلي او عضو في حكومة فان اي وعد او تعهد او تصور يخالف هذه الحقيقة – الثابتة سيكون مرتدا على صاحبه و لا يعمل به و ان سورية التي يعرفها حلفاؤها و اصدقاؤها حق المعرفة تعرف ان احدا منهم لا يمكن ان يتبرع باي موقف يخالف هذه الحقيقة،كما  ان سورية هذه ترى ان على المعسكر المعتدي ان يفهم جيدا هذه الحقيقة و ان لا يمني النفس بما يخالفها كائنا ما كانت الوقائع و الدوافع.

و اجمالا للبحث و لان هذه الحقائق بالنسبة لاصدقاء سورية يقين مسلم به و بالنسبة لخصومها و اعدائها حقائق مرة لم يؤهلوا النفس على التسليم بها و سيستمرون باوهامهم و احلامهم، كنا نرى صعوبة في انعقاد مؤتمر جنيف 2  و صعوبة في نجاحه اذا انعقد، و اعتقد ان جبهة العدوان باتت تدرك ذلك و لهذا عبر عن  قرارة ما نفسها وزير خارجية فرنسا، عندما راى ان مؤتمر جنيف 2 لن يكون مجديا اذا كان من شأنه تثبيت الرئيس الاسد ( و هو يعني بالعمق تثبيت سورية في موقعها الجيوسياسي ) و بالمقابل  نرى ان سورية و محورها  المقاوم ترد على هذا بالقول بحتمية نجاح سورية في دفاعها سواء كان مؤتمر جنيف 2 ام لم يكن فالميدان المفتوح انبأ وسينبئ المشككين بالحقيقة..

 :::::

جريدة الثورة، دمشق