عربياً: الظواهر والأحداث

هيئة تحرير “كنعان”

لا يغطي هذا المسح جميع الأقطار العربية، بل الساحات الأكثر شدة ومأزقاً، وربما لأن بوسع المرء رؤية كل قطر في صورة الآخر. ولعل من المفارقة بمكان أن الثورة المضادة تتناول الوطن العربي كوحدة، بينما تعمل معظم القوى والأنظمة العربية كل بمفرده وتكرس قطرية وإقليمية تصب في طاحونة الأعداء تماماً.

ظواهر خاصة بالوطن العربي

لقد ظهرت في هذا العام وتكرست ظواهر لا يمكن عدم الوقوف عندها قبل الحديث عن ابرز ما حصل في هذا الوطن من أحداث ومآزق وماسي.

لعل أخطر ما اتضح في الوطن العربي هو:

 انتقال الصهيونية العربية للإعلان عن نفسها واصطفافها إلى جانب وفي خدمة الكيان الصهيوني بما في ذلك تبرير يهودية الدولة الصهيونية، وعلى راس هذه الصهيونية العربية يقف حكام السعودية وقطر.

 انكشاف تنظيم القاعدة عن كونه ابتكار امريكي وبتمويل وتجنيد سعودي، تنظيم إرهابي معولم.

 انكشاف مأزق قوى الدين السياسي وفشلها في تلبية ما تعهدت به ضمن الاستراتيجيا الأميركية والغربية عامة في الوطن العربي.

 انكشاف قوى شيوعية (التروتسكيين- بعد الجملة الثورية) ولربالية بأن مرجعيتها هي الثورة المضادة بلا مواربة.

 انكشاف الطابور السادس الثقافي على صعيد عربي.

ليس هذا مجال التركيز على معسكر المقاومة والممانعة، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن هذا المعسكر اثبت بدوره أن الوطن العربي في حالة صراع بين:

 قوى الثورة المصادة

 وقوى المقاومة والممانعة

وبأن التناقض بينهما تناحرياً، وبأن معسكر المقاومة والممانعة رغم قوة المعسكر الآخر، يصمد ويتقدم وهذا ما وضع الثورة المضادة في حالة جنون الدم والحرب كما سنرى أدناه.

حرب الإعلام وإعلام الحرب

يصعب على المرء تجاوز الفصل بين رؤيته للحدث وبين جوهر الحدث أو أن يفرض رؤيته على الحدث نفسه مما ينتهي بنا كثيراً لإدخال أنفسنا في ما نقدمه من تحليلات إدخالاً نتحول معه إلى “صانعي” حدث ليس الذي بدأنا وصفه!!. ليس هذا لمنع حقنا في تحديد موقف ولكن كي لا نُدخل الرغبة إلى درجة قد تحول دون دقة الصورة فنكون قد صُغنا أحداثاً غير التي وقعت.

لا يكف الناس عن تناول دور الإعلام في السنوات الثلاث الأخيرة التي مرت بها الأمة العربية، وهو تناول يبدو معه وكأن الإعلام لم يتحكم بالحدث في اي مكان في العالم قبل أن يقوم بذلك في الوطن العربي وبالتالي يضع الصورة التي جرى تصنيعها في مكاتب الإعلام محل الحدث نفسه. وهذا تأريخ خاطىء لدور الإعلام لأن ما يجري في الوطن العربي استمرار لتاريخ طويل لاستخدام الإعلام لإضفاء وجه على الأحداث يصل إلى حد نقض وجهها الحقيقي.

ولكي تكون الإضاءة على الإعلام، أو الإعلام عن الإعلام، أو لكي لا يكون “الإعلام إعماءً” أي بدل ان يتحول من إعلام الناس وتنويرهم إلى “إعماء” الناس وتوريطهم، ربما من العلمية بمكان العودة إلى أو تجليس المسالة في إطار التاريخ ومنه علم النفس.

أما ونحن في إطار التاريخ، فإننا هناك فقط نلتقط مسألة جوهرية هي أن التاريخ نفسه كإطار زماني لحراك الإنسان في المكان أي فلسفياً في الطبيعة واجتماعياً اقتصادياً سياسياً على الأرض، هذا التاريخ هو أيضاً عانى من الإعلام!! صحيح أن التسمية لم تكن معروفة أي الإعلام في التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية ما قبل الراسمالية، كما أن علم النفس لم يكن معروفاً، أو مُصاغاً، ولكن هذا لا يعني أنهما لم يكونا موجودين موضوعياً. وهذا يكشف عن العلاقة الفعلية في التاريخ بين التجسس/ والإخبار (أو العسس) كما اسمته العرب وبين علم النفس والإعلام بمعنى محاولات التاثير في روح ومعنويات العدو.

ولكي لا نُطيل هذه المقدمة، نُشير إلى أن التاريخ كُتب غالباً على يد أهل السلطة والسلطان، فكان كثيراً ما اتخذ شكل الإعلام وهو الأمر الذي يتشرط كتابة/ات أخرى للتاريخ حتى تصل الناس درجة أعلى من الدقة وتتم الاستفادة لأعلى قدر ممكن من دروسه.

لا يفترق الإعلام عن السلطة وفي إطارها المصلحة. وعليه، فإن السلطة بأنواعها هي التي تخلق الإعلام وتسيِّره كما تقتضي مصالحها. (طبعا ليس هنا نطاق تفسير لماذا مصالحها مثلا وليس ثقافتها أو أهوائها أو عبادتها…الخ).

لعل ما نشهده في الحالة العربية هي الدرجة القصوى في تفاقم دخول الإعلام عقول الناس، ووجهه الأوضح اقتحام إعلام الثورة المضادة لأربعة أرجاء هذا الوطن خالقاً صوراً لواقع يختلف عنها كثيراً.

رغم دخول العام الثالث للحراك العربي، فإن عام 2013 ربما هو الأكثر شدة وامتلاء بالأحداث والتاثيرات والأهم من ذلك وضوح الصورة بعد غباش كثير كان للإعلام دوره في نشره وإعادة نشره. وهو دور مؤثر يغري بالقول بأن الإعلام لا يقود إلى إعماء الجماهير وحسب بل حتى إلى تحريك وتوجيه الجيوش.

المشرق العربي

فلسطين المحتلة:

بداية لا نقصد بفلسطين الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين وهي تسمية عممها إعلام قوى التسوية في تماهيه مع مقتضيات اتفاق أوسلو. بل فلسطين هي جنوب سوريا بدءأً من الحدود اللبنانية والسورية شمالاً إلى رفح بقسميها الفلسطيني والمصري جنوباً. لعل أهم تطورات هذا العام في فلسطين:

 خسارة فلسطين (وإن مؤقتاً) لموقف الحواضر والجيوش العربية الرئيسية الثلاثة بغداد ودمشق والقاهرة نظراً لمأزوميتها جميعاً.

 انعكاس هذا كقوة بالمقابل للكيان الصهيوني سواء في مواصلة توسع نهب الأرض وتأزيم الاقتصاد ليحقق اقتطاع الأرض ورحيل أكبر عدد من الفلسطينيين يمكنه الرحيل. آخر طبعات هذا قرار ضم الأغوار كسور حاجز بين الأردن وفلسطين.

 توسع الكيان في البنية التحتية (قناة البحرين) كتعويض عن منعه من على يد المقاومة عن التوسع الجغرافي.

 استمرار تمويل سلطتي رام الله وغزة مما يساهم في بقاء الانفصال من جهة وبقاء التبعية للممولين (غربيين وعربا) من جهة ثانية.

 استمرار سياسات النيولبرالية اقتصاديا مما أبقى على أهل الأرض المحتلة في إطار اقتصاد (المصيدة سياسيا ووطنياً) والمقلاة معيشياً.

 تورط سياسيين وتنظيمات وإعلاميين ومثقفين فلسطينيين في الوضع السوري بوقوفهم مباشرة أو مواربة ضد سوريا، هذا وإن غيَّر البعض او خفف من لهجته لاحقاً.

 تواصل مفاوضات لم ترق عن كونها غطاء لتمرير تهويد كامل فلسطين بغض النظر عن تعدد التفسيرات.

 وليس أخيراً، إعلان السعودية عن اصطفافها إلى جانب الكيان الصهيوني وهو اصطفاف وجهه المعلن ضد إيران وجوهره تصفية سوريا خدمة للكيان ولمواجهة القومية العربية.

 

سوريا:

وهي الحالة العربية الأكثر إشكالية حيث كان الانقسام تجاهها في كل اتجاه وكل قوة وكل سلطة وكل جغرافيا. كان الانقسام تجاه العراق وحتى ليبيا أقل شدة، مما جعله مقدمة للانقسام الأكبر والأخطر تجاه سوريا. وهو انقسام بقدر ما اضر بسوريا فقد ابان العيوب المتجذرة في المبنى الثقافي الاجتماعي الاقتصادي السلطوي العربي. المؤشرات الأساس في سوريا:

 توسع القاعدة الشعبية للنظام السوري محلياً وعربياً مما يعني كسب واسع في معركة الإعلام.

 تقدم واضح ولو ببطء للجيش العربي السوري في تحرير البلد.

 ظهور جوهر قطريات سايكس-بيكو في كونها مترابطة متحالفة مصيريا مع الكيان الصهيوني وهوما يؤكد وجود صهيونية عربية في السلطة. هنا نقصد التحالف الموضوعي بمعنى أن القُطْرية هي نقيض قاتل للمسألة القومية لأنها على قناعة أن اي منظومة وحدوية عربيةهي كنس للقطرية.

 تصدر قطريات الخليج النفطي (صاحبة الريع المنجمي) للعدوان على سوريا وخاصة السعودية وقطر يؤكد العداء للأمة العربية وتنفيذ خطة الغرب والصهيونية لتخريب الوطن العربي على حساب العرب. وهذا تكشفه انتحارية السلطة السعودية والقَطَرية. ولا نعتقد بعد أن أحداً لديه من “الجرأة” بعد ليقول بان هذه الأنظمة “تضحي” لدمقرطة سوريا.

 هدوء اقتصادي بدء مع الربع الأخير من عام 2013، قد تكون مسبباته ضبط الفساد ولو نسبياً، وارتياح المواطن لتقدم الجيش.

 حسم حصول مؤتمر جنيف مع ما يعتوره من مؤامرات وخطط وتعطيل، مما يعني أن لحظة التسويات الكبرى لن تتوقف كما ترغب وتعمل الثورة المضادة.

 ما يجب الشغل من أجله هو هوية سوريا الغد. وهذه المسألة تحتاج إلى شغل ونضال يقارب النضال المسلح لتنظيف سوريا. فهناك من يدفع باتجاه إنكماش قُطري لسوريا على ذاتها وهناك من يدفع لإلحاقها بإيران وتركيا (أنيس نقاش مثلا). وعليه، فإن تركيز الهوية العروبية لسوريا وتكريس سوريا كقاعدة عروبية للمقاومة والممانعة وصد الثورة المضادة هو الهدف.

العراق:

لا يمكن الحديث عن عام جديد في العراق دون تذكر اغتيال الرئيس صدام حسين في 30 من ديسمبر، وهو أمر يفتح على الاحتلال الأمريكي-الغربي للعراق الذي تتسع دائرة الدم فيه سواء بهدف تدميره وتفكيكه أو بهدف منعه من حتى الحياد تجاه سوريا.

صحيح ان العراق لم تتم تجزئته علانية، ولكن هذا لا يدعم أكاذيب مثقفين من طراز صادق جلال العظم بان تقسيم العراق ليس وارداً. فالصراع على السلطة لا يأخذ شكلا وطنيا بقدر ما هو طائفي. والتغذية الخليجية لهذا الاصطفاف هي على قدم وساق من الدولار إلى السيارة المفخخة إلى المفخخ نفسه.

حتى الآن لم يتبلور في العراق لا نظاما ولا حزباً عراقياً بلا طائفية ولا مذهبية ولا تبعية يكون هدفه وبوسعه إعادة بناء العراق على اسس علمانية حقة وديمقراطية وتنموية واستقلالية وعروبية. ولعل الأكثر سوءاً، حين نجد حرب المذهبية بين النظام الحاكم باتجاهه كنظام وحزب دين سياسي كرسه الاحتلال الأمريكي ويقوم على المذهبية وبين فصائل من حزب البعث يتبادل كلاهما حرباً مذهبية وهي حرب تغذي المذهبية بشكل أخطر من التغذية التسليحية والمالية السعودية!!

وتتضح خطورة هذا إذا ما وضعنا في الاعتبار انه مكرس في خدمة الوجود الاحتلالي الأميركي في العراق، والوجود الصهيوني في كردستان، والوجود التركي كذلك، وحتى الهيمنة الإيرانية. وإذا كانت سوريا مهددة بالتقسيم وإسقاط الدولة، فإن العراق هو عمليا في حالة تقسيم وإسقاط الدولة، فمن الذي يبادر لالتحام شعبي عروبي للبلدين!!!

هذا دون ان ننكر أن النظام في العراق يحاول دعم سوريا رغم انشداده إلى خيوط العلاقة بالولايات المتحدة التي لم تخرج بشكل فعلي، رغم شرف المقاومة.

مصر:

أدى حراك 30 مليون مصري في 30 حزيران إلى نقل الحراك أو إرهاصات الثوة في مصر خطوة أخرى إلى الأمام يمكن تكثيف إنجازاتها الأساسية في ثلاثة:

 وقف مد انظمة وقوى الدين السياسي المدعومة بتحالفها مع الإمبريالية االغربية وخاصة الأمريكية.

 حسم مسألة انضمام مصر إلى دور الثورة المضادة في العدوان على سوريا، وهذا قوى بعض جذور المسألة القومية وإن لا مباشرة.

 حال دون السيطرة الذكورية لنظام وقوى الدين السياسي على المرأة في مصر مما كان سيقود إلى إعادتها إلى البؤس الذي تعيشه المرأة في السعودية.

حكم “الخليط”، والذي يراه البعض انقلابا او حكم العسكر قد ابان أموراً كانت قد ظهرت بوضوح في سوريا، فقد تحالفت قوى الدين السياسي مع اليسار المتصهين وخاصة التروتسكيين.

ولكن النظام الحالي يعيش حتى الآن مرحلة الدوران على الذات، دون تحقيق تقدم على الصعيد الاجتماعي ومن ثم السياسي ثم القومي. صحيح انه لا يعود إلى الوراء، ولكن لا تقدما يبدو على السطح. وقد يكون أحد اسباب ذلك طبيعة الصراع القاسي داخل البلد وهو ما تتمترس ورائه القوى المضادة للثورة بمعنى منع النظام من اي إنجاز لإثبات عجزه.

وبالطبع فإن داخل نظام الخليط ما يعرقل اي تحول جذري له، وهذا يعني ان أجنحة من الثورة المضادة هي في النظام سواء سياسيو الدولة العميقة ومخابراتها او الراسمالية الطفيلية والكمبرادور وخاصة رجال الأعمال، إضافة إلى الكثير من اللبراليين الذين يريدون مصر امريكية، وجميع هؤلاء مع تكريس كامب ديفيد ومصرنة مصر!

في الجاب الآخر هناك القوى الوسطية مثل الناصريين وهناك قيادة الجيش التي كما يبدو تزداد شعبيتها. وقد تكون هذه القيادة بانتظار فشل قيادة الخليط لكي تصل هي إلى السلطة إما عبر انتخابات محسومة النتائج نظرا لشعبية وزير الدفاع السيسي، او عبر خروج الشارع ليدعوها إلى ذلك. وحينها تدخل مصر مرحلة من الغموض بمعنى إما قيادة عسكرية بمنظور ناصري أو قيادة عسكرية بمنظور تركيا ما بين الستينات والتسعينات. ونقصد هنا، أنه بعد الطلاق بين قيادة الجيش وقوى الدين السياسي لم تعد التجربة الباكستانية هي المرشحة.

من جهة أخرى، فإن الضخ المالي السعودي في نظام الخليط يهدف إلى الحيلولة دون اي تجذير له:

 منع النظام من الاعتماد الذاتي في اجتراء تمويل محلي بسندات القروض وليس بالضخ السعودي والارتهان للمصرف الدولي وكليهما في النهاية لصالح بقاء التبعية للمركز الراسمالي.

 منع النظام من القيام بخطى اجتماعية طبقية لصالح الطبقات الشعبية عبر استرجاع القطاع العام وفرض ضرائب عالية على الطبقات الفاسدة والطفيلية، اي وقف التجريف – تجريف الثروة الوطنية.

 منع النظام من التفرغ لإعادة قراءة كامب ديفيد على ضوء دور مصر القيادي ضد العدو الصهيوني.

والطريف أن هذه الممنوعات لا تختلف كثيراً عن ما التزم به نظام مرسي!!

هل الإقراض المالي السعودي لحكم (الخليط) في مصر هو لمنع توجه النظام للتمول الشعبي بسندات القروض، وبالتالي تبقى ضمن الشرك المالي؟

هل هذا بمعزل عن التنسيق مع الولايات المتحدة لتبقى مصر الرسمية في الحاضنة الأميركية عبر السعودية؟

كيف يمكن للسعودية أن تقف إلى جانب مصر وفي الوقت ذاته تتحالف علانية مع الكيان الصهيوني ومصر بالنسبة للكيان هي العدو الاستراتيجي؟

هل تطمح السعودية في جر مصر لمعسكر ضد إيران تشارك فيها دولة الكيان؟ وهو تحالف في جوهره تكريس للكيان الصهيوني وتمويل الكيان الصهيوني من فوائض الريع النفطي وليس خطرا إيرانياً.

ربما تضيء هذه الأسئلة على الدور الذي اناطته امريكا للسعودية على صعيد مجمل الوطن العربي، ولذا يخطىء من يصور السعودية بأنها بذاتها ذات طموح قيادي إقليمي.

 

قَطَر:

شهدت حركات الوطن العربي انكشاف واتساع دور قطر بشكل مفاجىء. وهو أمر يدل على ان هذه الإمارة كانت تجهَّز، منذ عقدين، لدور خطير بكل المقاييس. لم يتم التنبه كثيراً من قبل كثير من المحللين إلى دور قناة الجزيرة ووجود قاعدتي السيلية والعيديد، ولا احتواء قطر لقيادات الإخوان المسلمين وخاصة بعد إبراز حماس والقرضاوي، ولا إلى علاقتها بالكيان الصهيوني وهي علاقة واضحة وعميقة. ولم ينتبه كثيرون إلى أنه إلى جانب استضافة الإخوان تم استجلاب عزمي بشارة من الكيان الصهيوني كي يترتب التحالف بين واجهة الدين السياسي وبين واجهة صهيونية بغطاء قومي، وهو الزواج الذي أتى ثمره المر ضد سوريا.

لقد غطى الحراك الشعبي العربي في تونس وفي مصر على دور قطر والسعودية شديد الخطورة في لبيبا وغزوها بقيادة الناتو. وتم تزويق الأمر بأن القذافي كان قد تهكم على حاكم قطر وحاكم السعودية، وهي تفسيرات بائسة وباهتة وتضليلية تخفي التحالف بين قوى وأنظمة الدين السياسي مع الإمبريالية والصهيونية. ولأن نظام القذافي لم يكن متماسكا لا اجتماعيا ولا عسكرياً، ولأن روسيا والصين قد تواطئتا أو تخاذلتا أو خُدعتا فاقرفتا توكيل مجلس الأمن باحتلال ليبيا، فإن هذه الأمور جميعاً، قد غطت على دوري قطر والسعودية ومختلف قوى الدين السياسي. بل وقعت حتى قوى المقاومة الإسلامية في شرك تأييد احتلال ليبيا.

كان لا بد من مذبحة سوريا حتى يتبين أن قطر قاعدة لا تختلف عن الكيان الصهيوني مجهزة بالمال والإعلام وال (ثنك-تانك) ولم تنقصها سوى القوة العسكرية المتوفرة للكيان والتي لا يسمح بها السيد الإمبريالي لأي بلد اسمه عربي. لكنها تعوضت عن ذلك بشبكة جيش إرهابي من التكفيريين على مستوى العالم.

في سوريا جربت قطر كل اشكال الجريمة والخيانة وحينما وصلت إلى حائط مسدود، القت بها واشنطن إلى الوراء وعقدت لواء تدمير سوريا لأسرة آل سعود التي أعلنت بوضوح للمرة الأولى عن دورها الأشد خطورة على الأمة العربية وعلى مختلف شعوب العالم.

كما بدا يتضح توكيل قطر بدور جديد هو تخريب الثقافة العربية. وتخريب الثقافة أمر ممكن بتوفر المثقفين القابلين للاحتواء وخاصة الأكاديميين. وهو الدور المناط بفتى الموساد عزمي بشارة الذي بدأ في انسحاب تدريجي عن شاشات التنظير للربيع العربي والثورة في سوريا لصالح توظيف تمويل مفتوح لإقامة معهد سيتحول إلى جامعة لتخريب الثقافة العربية باسم الثقافة العربية، ولعل أكثر تركيزه هو على الأرض المحتلة لأن تخريب الثقافة في فلسطين هو الخدمة القصوى والعاجلة للصهيونية. تماما كما يتم تدمير القُطْريات العربية القومية باسم العروبة. ولعل المؤتمر الأخير في الدوحة شاهد شديد الوضوح على هذا حيث تقاطر مئات المثقفين إلى قطر، ولا نعلم عدد من يتقاطرون إلى هناك سرا منذ سنوات. يكفي لاختصار دور قطر في رؤية علاقتها بالكيان الصهيوني ودورها في الحرب على سوريا، فاي ثقافة عربية التي ستكون قطر حاضنتها وبرعاية عضو الكنيست الصهيوني!

 

السعودية:

لقد حافظت عائلة آل سعود على مستوى من كتمان دورها لعقود طويلة، ساعدها في ذلك توفر ثروة هائلة لرشوة حتى القوى الثورية العربية وخاصة بعد هزيمة 1967 التي كان للسعودية نفسها دور المحفز لتدمير مصر الناصرية. لكن الأمر ظل مخفياً على الأقل عن الأكثرية الشعبية. وحتى دور السعودية ممثلاً في بندر بن سلطان لاحتلال العراق ظل شب مخفي، ووقوفها وراء الكيان الصهيوني لتدمير حزب الله 2006 ايضا ظل شبه مخفي. وحده الصمود السوري هو الذي أخرج هذه الأفعى من جحرها كي تتصدر العدوان على سوريا كاشفة عن كونها القاعدة الصهيونية الواسعة ضد الأمة العربية إلى جانب انكشاف دورها في تمويل مختلف حروب الولايات المتحدة ضد الثورات والتحرر على صعيد عالمي.

ربما لم يشهد التاريخ نظاماً أمعن في تبديد الثروات كنظام آل سعود. ثروات هائلة يتم حرقها في تخريب العالم وفي تغطية الصحراء بالإسفلت والبنايات الاسمنتية دون جوهر إنتاجي يُذكر. بثروات بلدها بوسع هذه العائلة، لو كانت وصلت للسلطة بشكل طبيعي ومحلي واختياري، بوسعها التنمية ضمن مشروع عروبي. لكن نظاماً خلقه الاستعمار والإمبريالية، جرى توظيفه للتخريب ضمن مشروع إمبريالي.

بين تمويل الثورة المضادة ضد ثوار التاميل في سيرلنكا وضد الساندينستا في نياكاراغوا وغيرهما، وبين تشكيل منظمة القاعدة انتقلت السعودية نقلة شديدة الخطورة حيث صار لها جيش إرهاب معولم وبأعداد لا تُحصى، وكان ارتفاع اسعارالنفط عامل تعظيم وتسهيل لهذا الدور.

وعليه، تقوم السعودية بتنفيذ مخطط دموي أمريكي صهيوني لتفتيت الوطن العربي باسره إلى ولايات صغيرة تحكمها قوى الوهابية وتقتتل فيما بينها. وهذا ما يفسر الاصرار الأمريكي السعودي الصهيوني على تدمير سوريا تحت مزاعم المذهبية والدمقرطة وغيرها.

مخطىء من يعتقد ان السعودية قد تتوقف عن حربها ضد سوريا، مخطىء من يعتقد أن ما تسمى السرة الدولية الإمبريالية سوف تدعم حبر سوريا على الإرهاب. كان وسيظل هدف الثورة المضادة تدمير سوريا، ولن يتغير الموقف سوى بهزيمة الإرهاب التي تعني هزيمة الولايات المتحدة والسعودية.

لا حديث لنا عن الداخل السعودي، لأن حديث العصر هو فقط عن بلدان تعيش العصر نفسه.

السودان:

لم يمر “الربيع العربي” على السودان، ربما لأن المطلوب قد حصل هناك باكراً. فقد قرر نظام الدين السياسي هناك التضحية بالجنوب لقاء البقاء في السلطة مما يؤكد أن أنظمة وقوى الدين السياسي لا تؤمن بوطن بل بسلطة.

وما يدور في جنوب السودان اليوم ناهيك عن حرب بين الشمال والجنوب تشتعل وتتضائل، يؤكد أن السودان هو نموذج ما يُخطط للوطن العربي من تجزية واحترابات.

اليمن:

لا يمكن لعاقل ان يتوقع صمتاً سعوديا على يمن متحد حتى لو تحت سلطة قوى الدين السياسي. اليمن هي الدولة العربية الأكثر عراقة في الجزيرة العربية والأجدر على تحدي السعودية لالتصاقهما رغم فقرها. واليمن بلد فيه حياة حزبية وتيارات سياسية وتجربة برلمانية ودستور وكل هذا تفتقر له السعودية مع سبق الإصرار.

لقد تمكنت السعودية بإدارة امريكية من إقصاء علي عبد الله صالح كي تلجم الحراك الشعبي اليمني والذي كما يبدو كان بالإضافة للبحرين هو الأكثر نقاءاً والأقل اختراقاً من عملاء الغرب وأولاد هيلاري (نسبة الى هيلاري كلنتون). ولكن اتضح أن التوليفة الجديدة، رغم أنها أجهضت الحراك الشعبي إلا أنها لم تخلق استقراراً في اليمن، وهو الأمر الذي فتح شهية الولايات المتحدة على تحريك تيارات سلفية في اليمن للصراع مع الحوثيين على أرضية مذهبية من أجل إهلاك اليمن كي لا يشكل لا تهديداً لها ولا تجربة في السياسة هي متقدمة على السعودية رغم بؤس الأوضاع اليمنية.

لذا، تقوم السعودية بدعم الاتجاهات التجزيئية والقُطرية في اليمن سواء جماعة علي سالم البيض في الجنوب او حتى حضرموت كجزء من الجنوب. وهو ما يحمله جمال بن عمر المبعوث الأمريكي لليمن بخلفية تروتسكية، اي خلفية صهيونية تجاه القومية العربية، وهذا يؤكد وجود المحافظين الجدد في دوائر صنع القرار في إدارة أوباما. وفي حين تختلف السعودية وقطر تجاه مصر الحالية، تتفقان في سياستيهما العدوانية التخريبية الإرهابية تجاه سوريا واليمن. في هذين القطرين يظهر دور فتى الموساد عزمي بشارة بوضوح حيث يلعب دور القوميسار السياسي لما تسمى المعارضة السورية من جهة بجوهرها الوهابي والإخواني، ويفتح علاقات الدعم مع علي سالم البيض في اليمن (الماركسي السابق) ويشتري له جريدة القدس العربي!. وكما اشرنا أعلاه، يبدو أن بشارة اخذ ينسحب من واجهة الفضائيات ليلعب دورا اشد خطورة في المستوى الثقافي والأكاديمي. فلتحرص القوى الثورية على الجيل الشاب وهذا الجيل على نفسه من شبكة الموساد الثقافي هذه.

المغرب العربي

تونس:

لعل تجربة الحراك في تونس هي التي عززت من قناعتنا بأن الثورة المضادة موجودة للثورة بالمرصاد، لأن وجودها على الأرض سابق على مختلف الحراكات في القطريات العربية.

ولكن السؤال هو: هل وجود الثورة المضادة السابق والمسبق هو الذي سمح باختطاف الحراك التونسي وساهم في طرد بن علي، أم أن في جوف هذا الحراك كانت قوى الثورة المضادة موجودة وساهمت في الحراك مما سمح لها بالانقلاب على الحراك بسرعة وسهولة و “ديمقراطية”. وإن صح هذا التقدير، فإنه يلقى تاييداً من موقف قطر ضد بن علي وكذلك تجاه مبارك، بمعنى أن تنسيقا بين قوى الدين السياسي والإمبريالية والأداة القطرية لإ