محاورات الاقتصاد السياسي (2)

ثقافة الإنتاج وثقافة الهدر

 

عادل سمارة

نقطة كشف

 

فرض الاقتصاد السياسي اسمه هذا بقرار وإصرار للابتعاد عن الاقتصاد غير ذي المضمون السياسي. فالاقتصاد السياسي هو قراءة علاقة جدلية بين العملية الإنتاجية كأساس وبين عملية الحيازة (الملكية الخاصة) وبين عملية التوزيع وهذا يتضمن العلاقات الاجتماعية والسياسية. لذا، فالاقتصاد السياسي يكشف عن أن وراء الشغل والسلع والسوق والفقر والغنى والاستغلال بشراً تعمل واشتباكات طبقية. وراؤها الناس كطبقات. وحدهم الناس وراء كل هذا.

هناك كثيرون لا يحبون أن يروا الاقتصاد السياسي والطبقات ويزعمون ان الثقافة وحدها أو هي العامل الأقوى وراء الصراع الاجتماعي، ونقول لهم، حين يحصل فقراء العالم على حياة كريمة عبر تحكُّمهم بشغلم وإنتاجهم ومجهودهم، ينتقل العالم من صراع الطبقات إلى حوار الفن والمتعة.

حوارنا لهذا اليوم متعلق أساساً بإفرازات الأزمة الاقتصادية العالمية عبر ملاحظات عن عدة أنظمة ومقياس المحاورة الأساسي هو صراع راس المال كل من أجل اقتصاده القومي وفي نهاية العرض سنقارن باقتضاب الفارق بين:

· أنظمة طبقية لمجتمعات منتجة وكيف تدير الثروة

· وأنظمة شبه طبقية لمجتمعات غير منتجة وكيف تهدر الثروة.

برجوازيات تخدم نفسها ووطنها

 

طبقاً لأرقام منظمة التجارة العالمية WTO لعام 2013 الذي فرط قبل يومين، كانت الصين اول المصدرين للعالم وكانت اليابان رابع المصدرين وكوريا الجنوبية سابع المصدرين.

نتحدث إذن عن ثلاث دول آسيوية كل واحدة أتٍ تطورها من مدخل مختلف جداً عن الآخر. فالصين الشعبية أت تطورها من نظام اشتراكي وصل السلطة بحرب الغُوار ونقل المجتمع من بلد تحت استعمار متعدد واحتلال ياباني وتشكيلة اجتماعية اقتصادية تتخالط أو تتمفصل فيها أنماط الإنتاج (الإقطاعي والراسمالي المتقدم والمحيطي)، إلى بلد اشتراكي بقيادة الحزب الشيوعي وماو تسي تونغ إلى أن حصلت ردة انفتاحية بقيادة دينغ هيساو بينغ باتجاه الراسمالية ولا يزال البلد يشهد صراعا اجتماعياً غير ناري بين راس المال والاشتراكية. (انظ بهذا الصدد دراسة: الاقتصاد السياسي لتفكيك الجُماعيات في الصين: زهون كسيو، تعريب بادية ربيع وثابت عكاوي في دورية كنعان العدد 153). ثم اليابان البلد الآسيوي الأول الذي انتقل إلى رأسمالية متطورة من خارج أوروبا إلى درجة انهم قالوا فيما يخص الانتقال إلى الراسمالية: “لا يابان بعد اليابان”! ثم كوريا الجنوبية وهي جزء احتلته الولايات المتحدة من كوريا الشمالية لتجعل منه (فترينا) لعرض نموذج راسمالي في مواجهة النموذج التنموي الشيوعي في الصين.

المهم ان هذه البلدان الثلاثة مُنتجة ومتطورة، وتُحكم من أنظمة تقودها طبقات راسمالية (ربما في الصين على هذا القول نقاش. لكنها راسماليات حريصة على اقتصاد الدولة القومية. ونعتقد أن سبب هذا الحرص ليس فقط المصالح ولا فقط الثقافة، بل اساساً لأن ثروات البلد ناتجة عن عمل إنتاجي، اي أن الإنتاج هو الأساس هو اساس المصلحة وثقافة الحرص على الاقتصاد والبلد.

في سياق تطورات الاقتصاد العالمي، مضت على اليابان عشرون سنة من الانكماش الاقتصادي، بعد أن سجل اقتصادها قفزات هائلة بين ستينات وتسعينات القرن العشرين. تجري اليوم محاولة من حكومتها الحالية لاتخاذ إجراءات لإنعاش الاقتصاد عبر تخفيض قاس لقيمة عملتها الين مما يُغري المستوردين بشراء المنتجات اليابانية بسعر أقل. وبما أن الصين قوة تصدير اساسية، فقد اثار قرارها هذا قلق نظرائها أو منافسيها الصينيين والكوريين الجنوبيين.

تقود المحفزات النقودية اليابانية الحالية إلى ضعف قيمة الين مما يضع صادرات الصين واليابان في وضعية حرجة بالمقارنة النسبية في الأسواق العالمية اي بأسعار أعلى.

مع ذلك، فإن الرسميين في الصين وكوريا قد أحجموا عن اتخاذ قرارات مباشرة للرد وذلك بالحفاظ على المنافسة (حسب تعليمات منظمة التجارة العالمية). فلم تقوم حكومتاهما بالتدخل لشراء الدولار من اسواق العملة مما يخفض سعر صرف عملتيهما فيقطعا الطريق على خطوة اليابان، رغم أن هناك خطر رد فعل يتعلق بقطاعات التصدير بمعنى تأثرها جدا.

وبالطبع، فإن ضبط الأعصاب هذا قد لا يطول طويلا إذا ما كان تاثير خطوة اليابان شديدا، اي قد يقود الأمر إلى حرب عملات كانعكاس او تجلي لحرب تجارية بل إقتصادية بين منتجين.

كما اشرنا، تحاول اليابان الحفاظ على اقتصادها عبر إنعاش صادراتها، بتخفيض سعر صرف الين. وهذا ما تتابعه الصين وكوريا بحذر ويزيد قلق الصين وكوريا ان عملتيهما تقويان مقابل الدولار ولم تقوما بسحب الدولار من السوق مما يخفض قيمة عملتيهما ويُغري المستوردين بالشراء من سوقيهما . وكما هو معروف، فإن سوق الشراء في عصر صفقات الإنترنيت يسمح للمشترين والباعة عقد صفقات سريعة بسرعة تذبذب العملات في البورصة. وربما هذا سبب أن عملاء ومضاربي البورصة لا يعرفون النوم!( الله لا يردهم).

طبعا سبب القلق لأن الدول الثلاثة منتجة للتصدير مما يجعلها حساسة لسعر الصرف (فاليابان مثلا منتج اساسي للإلكترونيات سامسونج، وموتورات وكوريا منتج هونداي وتويوتا، والصين منتجة تكنولوجيا هواوي).

وإضافة إلى أن زيادة عرض النقود يضغط على سعر صرف الين إلى الأدنى، فإن سعر الفائدة في اليابان يعني ان بوسع المستثمرين ان يستعيروا ارصدة بالين الرخيص ويحولونها ويستثمرونها في بلدان أخرى مما يساعد أكثر على تخفيض الين.

وفي سياق الشيء بالشيء يُذكر، فإنه في سياق التنافس على إضعاف قوة العملات دعما للتصدير يقوم قسم حفز شراء الأرصدة في البنك المركزي الأمريكي ايضا بتكريس إضعاف الدولار لأنه يرى في ذلك تحريرا لبعض الأرصدة من قبل البنك المركزي من خلال استثمارها في الاقتصادات الصاعدة.

برجوازيات هدر الثروة الوطنية

للمقارنة وحسب، يمكن مقارنة الحرص الاقتصادي وبشكل طبقي وعلمي يصبح وصفه بالوطني ليس من قبيل التسييس، حرص من برجوازيات الدول الآسيوية الثلاثة على مصالحها الطبقية، والتي تنعكس بدرجة كبيرة على مصالح المجتمع ككل، وطبعا ليس بنسبة ما تكسبه البرجوازية المالكة/الحاكمة، لنقارن مع البرجوازية اللبنانية.

ففي أعقاب اغتيال الوزير محمد شطح (من فريق 14 آذار) أعلن أحد قادة هذا الفريق الحرب على فريق 8 آذار. ولهذا انعكاس اقتصادي هائل على لبنان كبلد ضعيف الإنتاج، يعيش اساساً من الخدمات التي يقدمها للزائرين وخاصة في أعياد الميلاد وراس السنة مما يطرد السواح من البلد.

وهذا يثير سؤالاً: أما وقيادة هذا الفريق هي راسمالية خدماتية فكيف تضرب بعرض الحائط مصالحها والمصالح الوطنية بخلق مناخ حافة الحرب الأهلية؟ كيف تتصرف هذه القيادة بما يضر الوطن ويقوض المواطنة؟

قد نجد الجواب في أن هذا الفريق يعيش على ريع Rent دوره السياسي في كونه أداة للاستراتيجية الأمريكية في الوطن العربي. لكن هذا لا يكفي. فالولايات المتحدة لا توزع على توابعها ذهبا وفضة!

وهنا يقودنا الأمر إلى أن دول الريع المنجمي وخاصة السعودية وقطر تقدمان لقيادة هذا الفريق الدعم المالي على شكل سيولات مالية. ما الذي يدفع دول الخليج لهذا الهدر المالي؟

هل هو غير كونها تدين بوجود حكامها للحماية الأمريكية؟ حمايتها من الشعب! هذا سبب، وسبب آخر هو أن هذه الأنظمة ليست نتاج تطور طبيعي لنشوء الدولة العصرية، فهي أنظمة فُرضت على مجتمعات بدعم الاستعمار وبقيت مرتبطة به بالحبل السري.

ومن هنا، فهي ليست نتاج تطور طبيعي كما أن ثروتها ليست نتاج عملية إنتاجية. وهذا يجعل الهدر أمر طبيعي. ولعل هذا هو الفارق الرئيس بين الثقافة التي تنمو على هامش الإنتاج ثقافة الوطنية والمواطنة، وبين ثقافة تنمو على هامش الريع وهو لا وطنية ولا مواطنة، بل هدراً.

أما الهدر الهائل للثروات الذي تقوم به الأسر الحاكمة في السعودية وقطر لتدمير سوريا وهدر الأرواح وليس الأموال فقط، فيرفع وضوح وبؤس الصورة إلى أعلى قوة ممكنة.