2014 عام الحسم العربي

سمير كرم


هذه السنة الجديدة من سنوات التاريخ العربي مدعوة لأن تكون سنة الحسم. ذلك ان السنوات العديدة التي سبقتها – ربما السنوات الثلاث اكثر من غيرها – كانت سنوات استعداد وإعداد. لكن السنة المنتهية 2013 اثبتت، وإن في شهورها الاخيرة، انها تضمنت إشارات الى تغييرات قادمة.
لم يعد ممكناً لسنة 2014 ان تبقى هي الاخرى سنة إعداد واستعداد، انما يتحتم ان تكون سنة تغييرات او على الأقل بداية تغييرات اكيدة تحدد ملامح المستقبل. لقد حملت سنة 2013 ملامح جديدة تفيد انها تعبر ممر التاريخ العربي نحو تغيير حتمي. يكفي ان نتخلى عن الافتراض العاطفي بأن السنة التي انقضت لن تتكرر، وأن السنة المقبلة ستحمل ملامح التغيير وإثبات الجديد. انما علينا ان ننظر الى المستقبل القريب في ضوء الماضي القريب الذي يحمل بدايات التغيير.
لقد حملت الشهور الأخيرة من سنة 2013 ملامح التغيير الأكيد في الدول نفسها، التي شهدت في السنوات الثلاث الاخيرة ملامح الانحسار والتراجع والانتكاس. ولهذا يمكن التأكيد بأن السنوات التالية تأخذ معها من النهايات التي شهدتها السنة السابقة، التي أنهت لتوها ملامح التغيير نحو الافضل في البلدان العربية نفسها بعدما حملت آثار الانتكاس والتراجع في السنوات السابقة. ولولا هذه الملامح المحملة بالتفاؤل لكان بإمكاننا ان نعتبر السنة الجديدة استمراراً من حيث الملامح والسمات السلبية للسنة التي انقضت.
إن أوضح ملامح السنة الجديدة تستمد صفاتها من أحداث القسم الاخير من السنة المنقضية. بل الأهم من هذا ان الاحداث الجديدة المستمدة من الشهور الاخيرة احداث تختص بالبلدان التي كانت الجوانب السلبية فيها قد بدأت فترة انحدار اشاعت التشاؤم في اجواء هذه البلدان، وبالتالي في الوطن العربي ككل. كانت السنة الماضية امتدادا للسنوات السابقة في تدهور أحداثها. ولكنها اثبتت في شهورها الاخيرة انها بداية تغيير تطال البلدان التي بدأت فيها سمة الانكسار. في تونس ومصر وسوريا، كانت احداث السنوات الثلاث الاخيرة التي نشطت فيها مؤامرات الغرب – أميركا بوجه خاص – هي بداية الانكسار العربي الذي لحق ايضاً بليبيا وقبل ذلك وبعده بالعراق. وهي ايضاً بداية التغلب على التيار المتراجع في نهاية العام الذي انقضى.
في تونس تباينت النشاطات الجماهيرية والحزبية لتبرهن على انه من المستحيل ان تستسلم الجماهير الشعبية لمخطط الغرب الرامي الى تسليم السلطة والمستقبل الى التنظيمات الدينية المتخلفة، ولهذا بدأت ملامح تونس الشعبية تؤذن بقدرتها على مقاومة تيار التخلف والانغلاق العقلي والوجداني. واتضح بما لا يدع مجالا للشك او اليأس ان تونس مصممة على ان ترفع رايات «ربيع عربي» حقيقي غير الربيع الزائف الذي رفعت راياته قوى الاستخبارات الغربية.
وفي مصر برهن الجيش على ان مصر التي خرج شعبها بعشرات الملايين للتصدي «للإخوان» الذين استولوا على السلطة، على ان التآزر بين الجيش والشعب يخلق اعظم قوة شعبية في الوطن العربي. ولهذا سقطت سلطة وسطوة «الإخوان» وتصدى الجيش مع الشعب المصري لمسؤولية الثورة والحكم. وظهر «الإخوان» بالصورة نفسها، التي عُرفوا بها طوال سنوات وجودهم، ونعني صورة استخدام الدين في أغراض الحكم، وهو استغلال لا يمكن ان يؤدي الا الى الفشل والسقوط. وتشهد مصر الآن ذروة المواجهة بين الشعب والجيش من ناحية، و«الإخوان» في اسوأ حالات التردي من ناحية اخرى. وتبدو في هذه المرة ملامح النهاية القصوى لتنظيم «الاخوان»، وهو يواجه مصر الشعب والجيش. لقد شهدت الأيام الاخيرة من سنة 2013 بداية هذه النهاية عندما قررت الحكومة المصرية نزع غطاء الشرعية عن وجه «الاخوان» نهائياً كمنظمة ارهابية غير قانونية.
ترشح أحداث مصر الاخيرة هذه دور مصر العربي للعودة الى الدور المصري القيادي خلال العام الجديد الذي بدأ. وربما اعتقد بعضنا ان السعودية ارادت بمنحة الاموال الدولارية، التي خصّت بها مصر ان تكون وسيلة لحجب الدور المصري العربي والاقليمي والعالمي، ولكن من المؤكد انها بدأت تعيد النظر في حجم مصر، وتأثير النقود السعودية في هذا الحجم. بل الواقع ان الجميع يعيدون النظر في حجم مصر. ليس السعودية وحدها انما كافة الدول الخليجية النفطية خاصة، والولايات المتحدة وأوروبا بالمثل.
ان العام الجديد 2014 مرشح لأن يكون في الاساس عام عودة مصر إلى دورها. وهو دور بدأت تعود اليه في 30 حزيران الماضي بخروج التظاهرة الشعبية الثورية، التي اختلفت تقديرات أعداد المشاركين فيها بين الثلاثين مليوناً والاربعين مليوناً. وقد اكتسب دور مصر مرة أخرى سمته هذه من الداخل والخارج على السواء. اما وقد عرفنا دور مصر الداخلي، فإن دور مصر الخارجي بدأ يعود الى الظهور مرة اخرى، بما انجزه من اتفاق مع روسيا يتعلق بالتسليح وبالاقتصاد. وفي هذا الجانب كثير من ملامح الدور المصري كما عرف في خمسينيات وستينيات القرن الماضي مع فوارق مهمة في الحجم والاتجاه.
بعد تونس ومصر تكتمل صورة الوضع العربي الجديد بملامح الموقف في سوريا. وملامح الموقف في سوريا بدأت هي الاخرى في السنة الماضية، حيث بدأت حركة انحسار القوى والقوات المعارضة في مواجهة قوى وقوات الشعب السوري. إن الهزائم المتلاحقة، التي اصابت المعارضة السورية في الاشهر الماضية تنبئ بأن سوريا القوية والواضحة عربياً وإقليمياً في طريقها بالتأكيد الى العودة في خلال الاشهر الاولى من العام الجديد، العودة الى دور سوريا القومي والاقليمي، الذي يتفق ويتلازم مع دور مصر في هذين البعدين المهمين. ونعني بملامح سوريا تلك التي اراد اعداء الامة العربية تشويهها بحرب أهلية لم تكن لها أهلية حقيقية سورية بالمعنى الحقيقي للكلمة. وربما لن تحتاج سوريا الى أكثر من نصف العام الجديد، الذي بدأناه لتبدأ العودة الى ملامحها ذات الأبعاد التاريخية والقومية. ومن المؤكد ايضاً ان عودة سوريا في تزامن مع عودة مصر ستكون لها ملامح قوية تفرض نفسها على الوضع العربي القومي والاقليمي والعالمي.
ولا شك ان تزامن عودة مصر وسوريا الى دوريهما المهمين سيؤدي دورا بالغ الاهمية في اعادة رسم ملامح الوضع العربي. ذلك اننا لا نعني بإعادة رسم الملامح العربية عودة هذه الملامح الى صفاتها التي سبقت التراجع الاخير الذي بدأ بهجمة ما أسمي زيفاً بـ«الربيع العربي». اننا نعني مصر وسوريا بملامح جديدة تستمدانها من تجارب السنوات الثلاث الماضية من انتصارهما على هذا التحدي. ان انتصار مصر وسوريا بتآزر الشعب والجيش، يعطي كلا البلدين عوامل قوة وتميّز تجعلهما تدخلان عهدا جديدا من التعاون والتفاهم العربي بجانبيه القومي والاقليمي. لن تعود اي من مصر وسوريا متباعدتين كما كانتا في عهود طويلة سابقة امتدت لعشرات السنين. انما الامر المؤكد أن تجربة كل من مصر وسوريا في السنوات القليلة الاخيرة ستجعل كلا منهما تستفيد من تجارب الاخرى في مواجهة الاخطار الاخيرة والتغلب عليها. لقد استطاع صمود مصر وصمود سوريا في المواجهة مع الولايات المتحدة وتوابعها ان يخلق لدى كل منهما إدراكاً قوياً بأن باستطاعة الصمود في هذه المعارك ان يخلق نوعاً جديداً من العلاقات مع هذه الدول. ذلك ان التجربة نفسها خلقت لدى الولايات المتحدة وتوابعها ادراكا جديدا أن مصر وسوريا ليستا مصر وسوريا الماضي البعيد او القريب. ان مصر وسوريا بعد الصراع الاخير مع الاعداء ـ وبصرف النظر عن النتائج ـ قد اضافتا الى خبراتهما المزيد الذي جعل الولايات المتحدة، ومن المؤكد ان يجعل توابعها من الدول العربية او غير العربية، أكثر استعدادا لتصحيح مواقفهما من الدولتين العربيتين الكبيرتين.
لهذا لا بد ان نتوقع بقدر غير ضئيل من اليقين ان تكتسب مصر وسوريا بعد تجارب السنوات الثلاث الاخيرة خبرات جديدة تجعلهما أكثر معرفة بمصادر القوة لديهما، ومصادر الضعف لدى الخصوم الأقوياء والأغنياء. وهذا بحد ذاته كفيل بان يجعلهما تتوليان مراكز أكثر تقدما وتأثيرا في المجالات الدولية.
لهذا ايضا لا بد ان نتوقع تغييرا اساسيا في مواقف الدول التي اعتادت ان تتحدى مصر وسوريا في السنوات الماضية. ومن شأن هذا التغيير ان ينبئ بتحول شبيه بما يظهر الآن في ملامح السياسات الاميركية التي بدأت تنقل تركيزها من الشرق الاوسط ـ خاصة لأنه يضم ايران الى جانب الدول العربية ـ نحو التركيز على شرق آسيا بحثاً عن اموال التجارة في غير مجال النفط انما في مجالات اخرى عديدة. لقد ادركت الولايات المتحدة وتوابعها انه ليس من مصالحها ان تبقي على الاولوية للنفط والسلاح.
لقد بدأت دول الشرق الاوسط العربية تدرك متأخرة بعض الشيء ان النفط والسلاح لم يعودا يحتلان موقع السيدين في الاقتصاد العالمي. وبالتالي فقد بدأت هذه الدول تبتعد عن تجارب الماضي القريب الى تجارب ما بعد هذا الماضي. اي انها بدأت تدرك ملامح المستقبل القريب وما يقتضيه من تغيير في سياساتها.
من المؤكد ان كثيرين سيجدون في هذا العرض إفراطاً في التفاؤل، ولكن الحقيقة ان التفاؤل مبرر وأكثر من هذا مطلوب.

:::::

“السفير”