قراءة في كتاب عزمي بشارة “في الثورة والقابلية للثورة”

قاسم عز الدين

 

ملاحظة من “كنعان”

تحليل جيد وهادىء ودقيق. كنت اتمنى لو ان الكاتب عال جاربع نقاط بشكل اوسع و/أو مختلف.

الأولى: لم يُشر لا من قريب ولا من بعيد إلى عضوية بشارة في الكنيست برلمان الكيان الصهيوني الإشكنازي. وكأن هذا الكيان عنصري وليس اساساً استيطاني على أرض فلسطين التي عزمي بشارة منها!!! هذا رغم أن الكاتب لامس الاستيطان الأبيض في كافة أماكن استيطانه وتوحشه. أنا أتمسك بأن جرثومة عزمي بدأت من لحظتين:

·        لحظة دخوله الحزب الشيوعي راكاح الذي يعترف بالكيان الصهيوني

·        ولحظة دخوله الكنيست إعلاناً عن اعتبار وجود الكيان عقيدة له.

والثانية، وهي مرتبطة بالأولى، عزمي بشارة تلميذ إميل حبيبي. ولو حاولنا وضع المسألة بالمفهوم الفرويدي فعزمي قتل اباه وحل محله. فهو تلميذه في التمسك بالاعتراف بالكيان. كان إميل يفاخر بذلك. وإميل نفسه في محاضرة في مدرسة الفرندز في مدينة البيرة(عام 1990-كما اذكر)  دعى ضد الثورة و (العنف) وللإصلاح الديمقراطي الأمريكي بعد أن شاخ من حيث العمر وارتد من حيث الشيوعية، لكنه بقي ضد القومية العربية.

والثالثة: يصف الكاتب الستالينية بأنها ثورة مضادة، ولا أود دخول نقاش هنا، لكنني أعتقد ان في هذا ظلماً، آمل أن لا يكون نتاج تأثر بالهجمة الرأسمالية المتواصلة لشيطنة ستالين. وحبذا لو اشار الكاتب إلى “ستالينية” عزمي من حيث الاعتراف بالكيان. وهذا لم يحصل لأن الكاتب لم يتعرض لهذه المسألة الأشد خطورة.

والرابعة: كنت أتمنى أن يكون الكاتب أكثر نقداً لحنه أرندت ليس فقط في سياق اللبرلة بل في أنها في النهاية تُقدم تبريراً مصطنعاً لوجود و “حق!!!” الكيان الصهيوني في فلسطين. اي تنكشف صهيونيتها. وهذا بالمناسبة أمر جدير بالدراسة حول اليساريين اليهود وهو : صعوبة خروج اليهودي من يهوديته!!!ومن ثم  الترسب في تصهينه العميق.

***

 

قراءة في كتاب عزمي بشارة “في الثورة والقابلية للثورة”

قاسم عز الدين

 

سفسطة مثقف الأمير (1)

نيكولا دي برناردو ماكيافيللي (1469 ــ 1527) صاحب كتاب “الأمير” ذائع الصيت، سرَت عليه تهمة الانتهازية التآمرية بسبب تسخير فكره في خدمة “الأمير”. فما هو متفق عليه بين المثقفين غير المزوّرين أن أولى أخلاقيات المثقف الذي يلقى الاحترام هو المثقف النقدي تجاه “أميره”، لا تجاه أعداء أميره على وجه الخصوص. الرجل كان مفكراً ومكافحاً ضد استبداد “المديشيين” في فلورنسا وأول من استنبط قوانين الدولة من “العقل الخبرة” وليس من اللاهوت. كان والده من كبار الداعين إلى الجمهورية فشبّ ماكيافيللي جمهورياُ (ديموقراطياً بمقياس عصره) هدفه “خلق دولة وطنية حرّة”، كهدف عزمي بشارة متحررة من الاستبداد. وكان أول من اكتشف أن المجتمع يتطور ب”أسباب طبيعية” هي المصلحة المادية والسلطة، لكنه توسّم تحقيق طموحاته في أمير “مديشي” جمهوري أطلق عليه أهل فلورنسا لقب “لورنزو العظيم”. وبقي ظل هذا الأمير يلاحق ماكيافيللي في منفاه بعد دخول الجيش الفرنسي إلى فلورنسا، فأخذ على عاتقه نفع أميره ب”عقله وخبرته”، لا في مواجهة الغزو الفرنسي إنما في قمع الاضطرابات الشعبية. كان يخرج إلى الحطّابين والقصّابين والبنّائين… بحسب رسالته إلى فرانسيكو فيتوري عام 1513، يجمع الأقاويل والشائعات. ثم يعود إلى مكتبه مرتدياً ثياب البلاط والتشريفات يدوّن تعليمات نفعية في كتاب صغير أسماه “الأمير”، الذي نشر بعد موته.

لا نعرف ما إذا يتوسّم “المفكر العربي” بأميره تحقيق ما يصبو إليه من الديمقراطية ضد الاستبداد، إنما نعرف تمام المعرفة أن “المفكّر” يخرج في منفاه إلى الشارع العربي ثم يعود إلى مكتبه مرتدياً ثياب البلاط والتشريفات يلقي تعليمات نفعية “لأميره” في محاربة أعدائه وخصومه، وفي استثمار “الاضطرابات الشعبية”. لا يهتم “الماكيافيللي” العربي بتحرره من النفي وبتحرير “فلورنسا” من جيش الاحتلال وقواعده العسكرية، فديموقراطيّ القصور على دين أميره “المديشي لورنزو العظيم” ومَن يأكل من خبز السلطان يضرب بسيفه. قبيل استئناسه في محاربة الاستبداد والدعوة للحرية والديمقراطية، بمحاذاة أكبر قاعدة عسكرية أميركية، ذهب يشحذ موهبته في قصر الرئاسة في دمشق. كان هناك يشير ويستشير على قول أقرب صَحبه وخلاّنه الذين لم يسمعوا منه يوماً غير المدح والتبجيل في شخصية الرئيس وقيادته الحكيمة. ولطالما كان يزهو في حرص الرئاسة على حماية تنقلات “المفكّر” الأعجوبة بسيارة الرئيس الخاصة على الحدود، من “العدو الإسرائيلي”. ذاع صيته في تلك البلاد مفكراً قومياً فذاً في معاداته للإمبريالية والصهيونية، بل “بطلاً” يسارياً ذا شبهة ماركسية دون أي مسوّغ فكري في هذه وتلك سوى الانتماء إلى بطانة قصر الرئاسة. كتب في تلك الفترة ما قلّ ودلّ لكنه جاب مغارب البلاد ومشارقها يسوّق رأسماله الرمزي في “محاضرات” محميّة بالمخابرات والأجهزة الأمنية “من العدو الإسرائيلي”، بل كان بعضها مخصصاً للأجهزة التي انقلب عليها ما أن وصلت أعجوبته “الفكرية” إلى منابع النفط. في أوّل دخوله إلى عرينه الجديد تحت خيمة القصر كتب “وثيقة” داعياُ بعض صحبه إلى رابطة سياسية، لكنه كان يتوخى رابطة قلميّة في “توحيد المصطلحات والمفاهيم”. رأيتُ حينها مشروعه أشبه برابطة موظفين أتباع تربطهم طاعة ذاتية في “توحيد المصطلحات والمفاهيم”، فكتبتُ نقداً في “وثيقته السياسية” بأسلوب لائق على ما يقال في “احترام الرأي الآخر”. كان الجزء الثاني من المقالة بعنوان “عزمي بشارة المفكر ضد عزمي بشارة المناضل” (نُشرت المقالة في “السفير”)، أوضحتُ فيها، على براءتي في ألاعيب مثقفي السلطة، أن الحوار (بين المثقفين) ينبغي أن يكون في ما ورد في “الوثيقة السياسية” من “شوربة فكرية”، لا في المفاهيم والمصطلحات. كان رده لصديق مشترَك: ” إعجابه بي لا يخفى لكنني لا أريد أن أبني حزباً فليفعل هو إذا شاء”. ظننتُ أن المرء إذ يشير إلى “الوثيقة السياسية” بأصبعه لا ينظر “المفكر” إلى الأصبع. لكن جوابه المنتفخ بورم الرأس زادني يقيناً بأن رأسمال “المفكر العربي” الرمزي في لسانه، لا في فكره. ولا شك أن مثقف “الأمير” يعرف من أين تؤكل الكتف، فكبار المثقفين العرب المعاصرين أمثال مالك بن نبي وياسين الحافظ والياس مرقص ومحمد عابد الجابري وغيرهم ماتوا معدَمين. فالأمير أكره ما يكره الثقافة والفكر النقدي. لكنه يُغدق على جيش من المحدّثين والرواة والمدّاحين في الاعلام والهجّائين … وهم لا يفكرون، فما بالك ب”مفكّر” أعجوبة يطفح  عطاؤه الفكري في كيد الأعداء والنفح عن الإمارة، أو يبدو فكره المزوّر فضيلة في استثمار “الاضطرابات الشعبية”. يقول ماكيافيللي في إحدى مقولاته الشهيرة: ” ليس أفيَد للمرء (المفكّر) من ظهوره بمظهرالفضيلة”.

كتاب عزمي بشارة “في الثورة والقابلية للثورة” لا يسعه أن يحفظ ماء وجه أحد في الظهور بمظهر الفضيلة، حتى إذا كان من عجائب الدنيا السبع. فموضوع الثورة بحد ذاته يمكن أن يقبل مروحة واسعة جداً من الثوريين ودعاة الثورة، إنما لا يمكنه أن يقبل مطلقاً أياً من إصلاحيي “الأمير” وباقي دعاة الاصلاح. فهذا طريق وطريقة وتلك طريق وطريقة أخرى بقطع النظرعن محاكمة هذا وذاك في طريقه وطريقته. نحن هنا أمام حقل معرفي في مواجهة حقل آخر يستحيل على أي مزوّر أن يخلطهما في بعضهما البعض دون أن يفضح غرضه في خدمة “الأمير” ويعرّي نفسه. قبل عزمي بشاره لم يضطر “مفكّر” في العالم إلى القول “يجب أن يكون الثوري اصلاحياً يقود اصلاحاً في النهاية والاصلاحي يمكن أن يقود تحوّلاً ثورياً” (ص 33). قالوا جميعاً إما بالاصلاح أو بالتغيير الثوري على وجهي نقيض. وكان لكل منهم حجج وصولات فكرية إنما كان كل منهم في صف ناس من لحم ودم مقابل ناس آخرين واختار كل منهم صفّه عن غرض أو قناعة. لكن عزمي يخاطب الثوار العرب في عزّ أزمة التفكير في التغيير الثوري بعد الثورة. وعلى هذا الوتر يلعب مثقف “الأمير” محاولاً طمأنتهم بالاصلاح كي يخففوا اضطرابهم الشعبي لخدمة “أمراء أصلاحيين” جدد، يرى الثوار العرب أن أصلاحهم هو في صف ناس مقابل ناس آخرين ومقابل الثوار. لقد اختار عزمي بشاره صفّ ناسه عن غرض أو عن قناعة إنما وظيفته أن “يفكّر” في توظيف الثورة الشعبية لصالح “أميره” والاصلاحيين الجدد في السلطة. (سنعود إلى الموضوع بياناً) ولو كان “التفكير” في الديمقراطية أوالحرّية لهان الأمر عليه وعلى غيره كما نرى من كل حدب وصوب. فهما موضوعان يحتملان خلط أقصى اليمين بأقصى اليسار وخلط حرية الثائر العربي بحرية جورج بوش وديموقراطية أعتى طغاة الكون. أما موضوع الثورة فلا، في موضوع الثورة لا يختلط الحابل بالنابل ولا يضطرالإصلاحي الليبرالي والنيوليبرالي أن يخلط الاصلاح بالثورة ولا أن يستعير سلّم قيَم غريبة عن قيَمه، بل يسمي قيَمه الاصلاحية بأسمائها على جمالية الربيع والياسمين ولون البرتقال…. أو الورد والمخمل.

 الكتاب في خمس وثمانين صفحة، نصفه بحث عن تعريف السياسة من أرسطو طاليس إلى “مصطلحات” الخروج والهيْج والفتنة والوثبة… عند العرب. إنما كتاب حنة أرندت “في الثورة”هو بيت القصيد في هذا الشيء الذي يسميه عزمي “ثورة” في النصف الأول من الكتاب. استعان عزمي “بثورة” حنة أرندت بعد خمس صفحات من البداية، ثم أخذ عنها ما رآه مناسباً أربع “مفاتيح” مطوّلة في كتابة أربعين صفحة. يقول عزمي “كتبت حنة أرندت كتابها “في الثورة” سنة 1963 تحت تأثير الثورات الحديثة الفرنسية والروسية، ولكنها لفتت بقوّة إلى الثورة الأميركية ….” (ص38)، محاولاً بذلك الإيحاء أن أرندت استخلصت الدروس والعبَر من الثورات التاريخية الكبرى، خلافاً للحقيقة. والحقيقة أن أرندت كتبت كتابها “في الثورة” بين عامي 1960 و1961 كما تشير في “تشكرات” مقدمة كتابها، وليس عام 1963 والتاريخ في هذا المعرض شديد الأهمية. أصدرته إثر تغطية محاكمة “أيخمن” في القدس المحتلّة عام 1961 وكان لتغطيتها أثر مباشر في إصدار الكتاب. المخلوقة كانت ناشطة في منظمات صهيونية مقاتلة حتى تغطية محاكمة “إيخمن” حين انفصلت عن منظماتها رافضة “الوعد الإلهي” مع زميلها غودا ماغنس. لم تكتب أرندت “في الثورة” عام 1963 تحت تأثير الثورات الفرنسية والروسية، كما يسفسط عزمي عن جهل أو غرضية، إنما كتبته بعدما فكّرت بمساومة ذهنية تعطّل الثورة بدعوى أن تعطيل الثورة يعطّل الحرب. أصدرته كوصفة سحرية لتجنّب ثورات مشابهة لثورات فرنسا وروسيا، ولهذا “لفتت بقوة إلى الثورة الأميركية”. كانت قد تخوّفت من الثورة والحرب في كتابها “أصول التوتاليتارية” عام 1958، فرفضت نشره ثم حسمت أمرها في فلسطين لتجنّب الثورة والحرب بالدعوة إلى “مساومة ديمقراطية”. رأت في “ديمقراطيتها” أن حق اليهود في فلسطين “تاريخي” نتيجة ثمرة رؤوسهم وأيديهم لا نتيجة الوعد الإلهي أو وعد بلفور، وهو حق مماثل لحق العرب. رأت الخطر على اليهود والعرب في فلسطين هو “في كل شيء أو لا شيء”، ما يؤدي إلى الثورة والحرب. ورأت أن كل ثورة تؤدي إلى الحرب فكتبت ” إن المبررالوحيد للحرب يأتي من ثورة تزعم خدمة “قضية الحرية” لكن هذه الثورة تلجأ كما الحرب إلى العنف وهذا في حقل “مضاد للسياسة” يهدد مصير الحرية بالخطر”.

على خلاف ما يوحي عزمي بشارة، لم تكتب حنّة أرندت كتابها “للثورة” أو “عن الثورة” بل كتبته “للا ثورة” تحت تأثير الخوف من الثورة. يقول “جونثان شيل” ناشر كتبها وناشر مجلة “ذي نايشون” ومؤلف عشرات الكتب، يقول إنها رفضت نشر كتابها “أصول التوتاليتارية” الذي كتبته بعد ثورة هنغاريا عام 1956 خوفاً من تشاؤم تحليلها في الثورة، فنشره بعد موتها. اعتقدت أن كل ثورة تؤدي إلى الحرب في عصر باتت فيه الحروب نووية، الأمر الذي دفعها إلى التفكير بالثورة كعامل سياسي، أو “كمساومة ديمقراطية”. وفي مقدمة كتابها “في الثورة” تقول:”في الطريق المسدود الذي أغرقتنا فيه القوة النووية، باتت الثورات العامل السياسي الأساس في عصرنا. ففهم الثورات يمكن أن يقدّم لنا الوسائل لفهم المستقبل”. لقد حاولت في كتابها فهم الثورات لتجاوزها على قول “ديك هوارد” الذي خصص لكتابها بحثاً “في نقد المحاكمة” محاولاً أن ينصفها في تخوّفها من الثورة، خلافاً لأيحاء عزمي أن تخوّفها على الثورة. وفي أي حال لم تكن أرندت مرجعاً بين المراجع الكبرى في الثورات ولا في النظريات السياسية. كانت “أستاذة” للإصلاحيين الليبراليين من تيار يمين الوسط الذي ينتمي إليه عزمي، ثم للنيوليبراليين دعاة الحروب في معاداتهم للتغيير الثوري. فهل اكتشف مثقف “الأمير” حكمتها في نقض الثورات مصادفة كمن وقع على كنز.؟ أبداً فوظيفته مخاطبة الثوار العرب بثورة حقوق الانسان على يد “لورنزو العظيم” والاصلاحيين الجدد، في حضن ديمقراطية الاستعمار. ولم يجد أفضل من حنّة أرندت مدخلاً لوضع إيريك أوبزباوم وماركس ولينين…. تحت خيمة “الأمير”،على ما سنبيّن وظيفة “المفكّر العربي” في نقض الثورات العربية. يقول ماكيافليللي في إحدى تعليماته النفعية “لا يجدي أن يكون المرء (المفكّر) شريفاً دائماً”.

 

النظام القديم مطليّ بقشرة إصلاحات دستورية (2)

 

وظيفة عزمي بشارة في قطر هي “التفكير” في مخاطبة الثوار العرب و”الرأي العام”، بأنهم أدّوا قسطهم للعلا وكفى الله المؤمنين شرّ القتال. فالثورات، على ما يبشّر، في “طريقها الديمقراطي” لتحقيق أهدافها. وها هي الانتخابات والاصلاحات الدستورية على قدم وساق في مصر وليبيا وتونس واليمن…. وما تلبث هذه الاصلاحات أن يعمّ خيرها على “المواطنين”، فتصلهم حقوق “المواطَنَة” وهم في بيوتهم مطمئنون إلى ورقة الانتخاب والدستور. إنما العقبة الكأداء مازالت في استبداد النظام السوري، أما في السعودية وقطر ودول الخليج فتلك مسألة أنظمة ملكية ” لديها ثقة بالنفس عندها تاريخ طويل وتقاليد عريقة تحكم بنوع من الأبوة مشّ دكان بتجيب المواطن من بيته…” (بالصوت والصورة على موقع “الجزيرة”)

والحال هذا التبشير بالانتخابات والجمعيات التأسيسية، سبيلاً كافياً لتحقيق أهداف الثورة ليس بريئاً، فهو الحاجز الأساس أمام تحقيق أهداف الثورة، لا سبيلاً إلى تحقيقها، وعزمي يعمل على تدعيم هذا الحاجز كما المعارضات السياسية، بشقيها المدني والديني التي قطفت الثورات وخطفتها بالانتخابات. فالمعارضات وقوى الثورة المضادة تراهن على طمأنة شباب الثورة وفئاتها الشعبية بأن إصلاح السلطة هو نفسه هدف الثورة في تغييرالنظام القديم، وما عليهم سوى انتظار معجزات هذا التغيير في أسباب معاشهم وأحوال العمران أو محاسبة السلطة في صناديق الاقتراع بعد حول. في هذا السياق يحاول عزمي بشارة في كتابه “في الثورة والقابلية للثورة” تعزيز الوهم الشعبوي بأن هدف “الثورات الحديثة الديمقراطية” هو ثورة دستورية بحسب نموذج “الثورة الأميركية”، لا الثورات الوطنية والاجتماعية “المتقادمة” بحسب نموذج الثورة الفرنسية والروسية وغيرها. وفي السياق نفسه يحارب النظام السوري في صف قطر والسعودية، عن يمينه لا عن يساره. وكان له طول باع “فكري” في صياغة “ميثاق” المجلس الوطني والأخوان المسلمين، الذي يغدق وعوداً “ديمقراطية” عجائبية في إصلاح السلطة، لكنه يقطع بسياسات على يمين النظام في المسألتين الوطنية ــ القومية والاقتصادية ــ الاجتماعية. فالبندان الأخيران من “الميثاق” يؤكدان منحى التبعية إلى مصالح واستراتيجيات دول “أصدقاء سوريا”، في “الانفتاح على المجتمع الدولي” وفي “السلام واستعادة الجولان بكل الوسائل الشرعية”.

وظيفة عزمي بشارة هي البحث عن مسوّغ “فكري” يعزز الوهم الشائع في المراهنة على اصلاح السلطة لتحقيق أهداف الثورة، دون تغيير نموذج التبعية السياسية والاقتصادية ــ الاجتماعية والوطنية ــ القومية. في هذه الحال ما يفعله “المفكّر الشاطر” هو إغراق الثورات التاريخية ب”المفاهيم والمصطلحات” العمومية حتى تضيع مصالح الثورات العربية وفئاتها الشعبية الواسعة في بحر أهداف المعارضات الجامحة للسلطة، وفي مصالح دول الخليج و”المجتمع الدولي” الداعمة لسلطة المعارضات. كتابه (في الثورة والقابلية للثورة) كلّه مفاهيم ومصطلحات ذهنية مجرّدة منها : الحداثة، الجِدّة والراديكالية، الحرية، الحشد والجمهور، الحيزالعام…. وهي كلها قابلة “لنعم ولكن”،أو “لا وإنما”، بحسب حرية مَن من الناس وبحسب لصالح مَن من الناس. فالثورات هي في نهاية المطاف ناس ضد ناس ولصالح ناس على حساب ناس آخرين، ومنها ثورات تاريخية كبرى وثورات محلية ضيّقة ومنها أيضاً ثورات مضادة وثورات قصور مخملية وثورات مخطوفة ومغدورة…. وفي هذا الشأن لكل مقام مقال إنما لا يعرف عزمي من المقال غير لغة الأنابيب “العلمية”. يهمّه في وظيفته أن ينتقي بعض ما ذكره “الأولون” في معرض بحثهم الثورات التي حاولوا قراءتها من موقع صفّهم وانتمائهم. لكنه ينتقي اعتباطاً بهدف طمأنة الثوار العرب بالمراهنة على الانتخابات والاصلاحات الدستورية لتحقيق أهداف الثورة، بحسب النموذج الأميركي. ولهذا أختار “سبّحة للطقطقة” في رصف عدد من التقنيات المجرّدة، أعلاها ديمقراطية الاصلاحات الدستورية، على طريقة مسرحية زياد الرحباني “الثورة حزب فَ جريدة حزب فَ أيديولوجية حزب، فَ …”

يقول عزمي:”مهما كانت دوافع الناس الخاصة كأفراد، فإن ما يجعلها ثورة ليست مصالحهم الخاصة. لذلك فإن الحق ب”نشدان السعادة” الذي تحدّث عنه إعلان الاستقلال الأميركي حين أكّد عليه كحق من حقوق الإنسان، هو في حالة الثورات “السعادة العامة”. وهي المعبّر عنها في المشاركة في تحقيق الخير العام الناجم عنها… (ص 58). في هذا القول قد نجد بعض التبرير لحنة أرندت وتوكفيل وغيرهما من الغربيين الذين نشدوا سعادة المستوطنين البيض في تنظيم نعيم “الخير العام” الذي استولوا عليه بعد إبادة أهل الأرض وأصحابها. لكن الديمقراطي العربي غير المزوَّر هو الديمقراطي في صفّ حقوق “المتوحشين والبرابرة”، لا في صف سعادة المستوطنين. فالثورة “الأميركية” التي ينبغي استلهام دروسها في الثورات العربية، هي ثورات “الهنود الحمر” التي امتدت حتى القرن التاسع عشر في الأميركيتين الجنوبية والشمالية. وهي ما زالت مستمرة إلى اليوم بأشكال متفاوتة في الحديقة الخلفية لأمبراطورية “اليانكا” الشمالية. وما يأخذه عزمي بشاره نبراساً “لحقوق الانسان” في “نشدان السعادة” لم يكن بالأمس دون إبادة شعوب “أميركا” الشمالية والجنوبية ودون استعباد شعوب أفريقيا، ولن يكون اليوم وغداً دون استمرار الأمبراطورية الأميركية في حروب الإبادة والعبودية بأشكال “حديثة”، وهي تطول اليوم 50 مليون ” أميركياً” من أصول أفريقية في داخل الولايات المتحدة، برغم سعادة أوباما وحوالي 500 شخص أفرو ــ أميركي في إدارة سعادة المستوطنين البيض. أما الاستقلال الذي يحتذي به عزمي فهو نتيجة أختلاف موازين القوى بين مستعمرين محليين والأمبراطورية الاستعمارية الأم، لا أكثر. نشأ هذا الاستقلال بين عامي 1769ــ 1776 في حروب ضد ثورات الهنود الحمر، ثم استُكمل حتى “الخلق الدستوري ” عام 1787 على قول باترسون هارفار. حينها اكتشف المستوطنون أنهم لم يعودوا بحاجة إلى حماية بريطانيا برغم مساعدة فرنسا، فالتفتوا إلى “نشدان سعادتهم” في تنظيم الخيرات العامة المنهوبة، وهم على عهدهم باقون. هذا الاستقلال الخلافي بين مستعِمرِين، رأيناه أيضاً في “حربي البوير” الأولى (1880 ــ 1881) والثانية (1899 ــ 1902) بين بريطانيا والمستوطنين البيض في أفريقيا “البيضاء”. ثم رأيناه بش