إلى أحمد حسين

صاحب الوعي والشعر وإنْ وحيدًا….لن يُصالح

عادل سمارة

أن تقول أو تكتب في أحمد حسين فأنت في عالم الوعي والشعر والفلسفة والنقد والاشتباك  معًا، تُؤخذ كما في لحظة القصيد، أو العشق الأنثوي الرانخ في وعي اللحظة، لحظة النضج، العشق الناضج. وأنت كذلك في وغى الاشتباك القومي ليس مع الغُزاة، بل أكثر وأعمق مع أحصنة طروادة، كما هي دمشق الأموية اليوم تقاتل ألوان الهجريين بمشاربهم المعولمة وتدافع عن تطوان وبغداد كما تدافع عن حلب. كان أبو فراس الحمداني على بيِّنة بمن يقاتل، هم الروم. لكن الفارس الدمشقي يقارع الروم والأروام ومن يعششون من الأعراب تحت إبطه . أما تعبت؟… فلا تتعب!

ترددتُ، وأُصارحك قررتُ وتراجعت كثيرًا، بل شارفتُ خيانة عدم القول فيكَ، خالطني التردد خشية أن أكتب ما لا يليق بمقام العروبة فيكَ، مقام الموقف والشعر والنثر والفقر والصبر والرؤية والإضاءة للآخرين حتى لمن فقأوا بالرشوة والمأجورية بصيرتهم مخافة أن يُبصروا ويتبصروا. فلا أقل من الإخلاص لك في زمن يقتلني ألف مرة إن نطقت بها…عروبتي وطني، فما بالك إن قلت الفقراء! خشيت ولا زلت كما يخشى العاشق  مقاربة  الجسد القداسة. لكنه الوفاء لك وفيك الوطن والعروبة والشيوعية التي تُطلق عليها طبقات الولَغ في الدم في جهد المنتجين عواء، بل سهام  ثقافة التخارج وأكاديميا التوابع ورصاصًا لا ينفذُ وفتاوى فقه القتل بمداد من دمنا … لا هذا يتوقف ولا ينضب هذا. كم يتعبني يستنزفني فحيح المخروقين من أهل الثقافة القابعين في حجور الكلام الكارهين لمجرد خطوة من العمل المتمتعين بالهزيمة والمُنعمين من أنواع وفصائل من السادة الذين ليسوا سوى أوغاد التاريخ. يكرهون العمل، والعمل هو الذي خلق الإنسان، وبعده جاء الكَلِم. في البدء لم يكن الكلم، بل كان العمل الذي صنع الفم والكلام. يحلمون ليل نهار بالهزيمة، وما اكتفوا أن استدخلوها فاحترفوا ترويجها والفخر بها، ينثرونها على طرقات الوطن الكبير وفي أرحام السبايا التي اغتصبوها.

ولأنك في ساحها كل عمرك ما كنت مقولبًا أو مرسومًا على أي قالبٍ بل منهجيًا ومنهجًا دائمين، لكني أرغب أن أخاطبك لا منهجيًا. ما أحببت المنهجية في السياسة والوطنية قط، فهي بذلك الخبث الاستعماري البريطاني خاصة تسلب شحنتي المترعة تدفقها  فأغدو حالة من زجاج تشف أحشاؤها عمَّا بها وما بها من روح .

أيزعجكَ، يُحزنكَ هذا اعترافي: فإني أُخاطبكَ حزينًا! ألم يكن الكنعاني حزينًا لمَّا ضربن له في الحصى، وأنبأه العرافون والكاهنات في معابد كنعان: أنت تُباع بعد ستة آلاف حول بلا حولٍ. ألا تنظر في عمق هذا؟ هنا خيط حب قديم ينداحُ من كنعان إلى قلبي فيذبحني! ليس من ضعف أقول لك يا وجع القلب المدمَّى على أبواب  الوطن الذبيح. الحزن الثوري قوة فعل، حالة عشق وعمل. فلا تقلق عليَّ، فمثلُك ما زال زادي الثلاثيّ الحب والعمل والثورة، إن قدِرْتُ،  إنما دعنيَ أشعر وإن أتلوى بأوجاع هذا الحزن الكنعاني شعور الخريف يحمل نهاياته للشتاءِ على أكفٍّ من حريرٍ ليأتي الربيع ويأتي الحصاد. ولا تقلق أيضًا، فلم يكن الوعي الحزين جبانًا، ما كان للوعي التخاذل.

هل تعلم كم صرت أخاف كنعان اليوم؟ كيف لا ؟ بأم العين أرى تدافع كل الأقوام الوسخة فيه. لم يبق في كنعان لي مكانٌ صار كنعان للأبيض خالطه الأبيض، نصف الأبيض، أمشي ما بين الوجوه، فتختلط السِحن والألوان واليافطات، فأبحث عن عمل سِرّيٍ يؤتمن على قلبي ووعيي بعد أن طال مال الرَيْع النفطي ّ الأرحام لتصير الناس بضائع أو لا أكثر من أفواه تأكل بالأثداء. هذه لحظة الطابور السادس الثقافي.

عمل سري من أجل كلمات محدودة: في البدء كان الوطن، وفي البدء يكون الوطن، وإلى النهاية يبقى الوطن. ولكن، كيف للوطن أن يكتم يستر سرّه في لحظة من زمن لم يعد للسرِّ فيها مكانٌ وقد صارت نساء كنعان معلقةٌ أنوثتُهن على جدران الإعلام الرسمي (التويتر والفيس –بوك). لقد حل الإعلام محل التاريخ، والكذب مكان العلم، هي البربرية تمتد  وتمد مخالبها إلى كل النساء بل وبقايا الرجال. لا بل أبعد جدًا، حلّت الخرافة  محل الواقع أي كنعان، وتسلل في لحظة موت الوعي والرؤية من يطعن كنعان بعروبة متصهينة واندس حتى في ساح الأمويين، وحين أجنَّ الليل انتهى هجريًّا في الدوحة يلملم هِجريي الكون ليخلع دمشق مع وعي العرب. إنها مرحلة الصهيونية العربية الصهاينة العرب.

-2-

الوطن في أعمال أحمد حسين هو الحضور المستدام، صوفية الشعر العاشق للوطن في المرأة والمرأة في الوطن. هكذا ظل حامل المأساة االفلسطينية والقومية العربية في وعيه بل على جسده ومع العمر ينوء بهما الجسد ولا ينوء الوعي المُقام على الإصرار الواعي. تحديقه في المرحلة موجعٌ له ولنا، لشدة ما رأى، هكذا قالوا في جلجامش “هذا الذي رأى كل شيء فغنّي بذكره يا بلادي”. واستوعب لا يقوى على أن نحمل معه منهما بعضهما، كيف لا وقد  قتلته قَتَرة حريق الاختراق. يكاد يقول، وهو واسع المعرفة أن محرك التغيير ليس المعرفة بل الموقف بوعي فهو الجدار الذي لا يذوب بنار، وبالوعي يصد الخيانة. آهٍ من غياب الإخلاص حيث تُجند المعرفة للخيانة والخذلان في السياسة والاقتصاد ومقاومة المستعمِر/المستوطن وحتى في حب المرأة. آه من انحطاط رجال المرحلة، حين تُعدُّ قديسًا : لأنك لم تخُن!  فأي حضيض أوصلونا إليه. لكن أحمد حسين ظل كالعُصم يغلق باب الدلوف إلى الهزيمة بوعي لم يتردد. سلام إليك ايها الحارس العربي الذي قال فيه المتنبي قبل ألف حولٍ:

تمر بك الأبطال كلمى هزيمة…ووجهك وضّاح وثغرُك باسمُ

زوّده هذا التمسك بالدفة وحده بقوة التضحية بكل شيء حتى ما يُقيم الأوْد يصدُّ أنواء وعواصف ضاق المتنبي عن الإحاطة بوصفها وهو نبي. كان ذاك ضروريًّا  في زمن التخلي الجماعي عن الأرض والمعنى والحب والسلاح وحتى الغطاء الأخير للجسد المقدس.  في سبيل السلطان.

ما أكثرهم يعْدون إلى استدخال الهزيمة، يتخصصون بها فهي المشروع الأعلى إدرارًا للدخل. بها تحمل الكثيرات من حاملات الطيب للخطاب الغربي الرأسمالي الأبيض ليضعن هنا مواليد هذا السفاح الممتد عهره من قارة لأخرى تتناسل بهم ، يتناسلون بها. يفاخرون ويغدرون. هنَّ يداك تُمسكان بأعناقهم فترفعهم قبضة الشعر، يتلوَّوْن ولا يكادوا يصرخون.

مِنْ قبلِ مِنَّا جميعًا، أنت الذي رأى زمن الفتاوي وقد امتد على مدار عقود. ما معنى الفتوى الفقهية بالتنازل عن بكارة الأمة وشرف القومية وجهد الطبقة، وعذرية الدين، فقهاء من مختلف الأصناف يعوون وينبحون بقوة تغذية إمبريالية نفخت مؤخراتهم قبل أوداجهم فأجادوا مضاجعة الغلمان. فقهاء الهجرية والتحريفية والقطرية والإقليمية والتروتسكية. آه يا أحمد حسين، كيف تُبنى كل هذي الأحلاف ضد الشامِ، وما مثلها في الأرض، لون من الغدر لم يكن في الزمن المديد لهذي الأرض إلا هنا. هذا ائتلاف التواطؤ حتى التلاصق بالأرض والأرض ترفضهم. أي زمن وقد تزاحم الساسة والمثقفون على أبواب  التطبيع والاعتراف بكامب ديفيد وأوسلو-ستان؟ وحكام النفط يدفعون يهللون ويُفتون لكل مغتصبٍ لأرض العرب.

هو فقه القتل وتقطيع الأجساد العربية في سوريا يُعرض على شاشات أوسع من سماء هذي الأمة المجروحة من المحيط إلى الخليج. عقود مضت على هذا الفقه الهجري ووحدك كنت الذي ما تغير وهو يفكِّك طلسم هذا الزمان يُضيىء المكان بدمه كي نرى الغول يأكل الذهن ويكاد يودي حتى بمن في كل رحمٍ.

ما ظلَّ من عجبٍ أن تشرب كل أنواع الفقه من نفس المعين، تغذي جذورها بعضها بعضًا من تحت وجه الأرض، لكن نبتها الملعون لا يخفى. فقه التعاقد وفقه الهجرية وفقه الشيخ القتيل (دافيدوف تروتسكي) وفقه اللبرالية الجديدة، وفقه الوهابية والسلفية وحتى فقه هيلاري تآلفت على ياسمين الشام. هي نفس القبايل أقسمت تقتسم دم العربي، وما أفلحت.

كان فقه التعاقد باسم الشيوعية والديالكتيك، وكنت ولا زلت ترفع في وجهه الوعد الصادق بالوعي الصادق. وها قد رحل قرن كامل وما اعتذر هؤلاء ولا سحبوا الاعتراف بالكيان حتى وبعض الكيان يسحب اعترافه بنفسه. حتى ثعلب البيت الأبيض وكبير مفارزه الفكرية –بريجنسكي- ينعي مصير الكيان الصهيوني الإشكنازي، وما اتعظ هؤلاء، بل تناسلت منهم ضحايا وعيهم الأعمى فكان النسل كما الأصل منهم ومن الكمبرادور بعدهم! بل كان أبعد، تتشارك أنسالهم في ذبح سوريا بالسيف والمعلومة لا فرق أخيرًا[1].

وكان فقه التعاقد الطبقي لرأس المال، الأغنياء والتجار والبازار. وكيف لا يفعل ذلك هؤلاء،  وقد رأوا فقه اليسار يصر على شراء الهزائم والتبرع بالوطن للعدو ثم استجداء تقاسم بعضه (أي أوسلو-ستان) معهم. أرِني بربك أحدًا غير هؤلاء تقاسم شرفه مع بغايا العدو؟

وجاء اليوم الفقه الهجري ليصلب محمدًا على نهدي رحاب في أريحا القديمة! ويستبدل القرآن في سوريا بالتلمود، ويُفتي بصلح الحديبية فداء لصلح دمه من دراهم سلبها حكام قطر والسعودية وإمارات خلقها وحدها تاج ملكة بريطانيا بيت القتل من عصر إقطاع الفرنجة إلى عصر رأس المال. عصر فرنجة رأس المال الذي يجهد كي يحقق ما فشل فيه فرنجة الإقطاع وقد امتطى فرنجة الإسلام.

اليوم وحسب يبين كم كنت بعيد النظر والرؤيا حين واصلت التحذير من المتعاقدين والهجريين رغم هاجرة المرحلة، فأعطيت للعقل معنى وكنت المعنى. لذا حوصرت ولم تزل، لكن الحصار هو الذي يرتعد. ما هدَّك الجوع ولا حبس لقمة العيش فتغذيت بالوعي والموقف، وأنَّى لهم خطف هذَيْنْ!

فقه أوسلو والاعتراف، فقه الشاطر حسن وهو يلهج بخبيث الوعظ ولم يتعب بعدُ، يقول: حاوِرْهم وناورهم بإلقاء السلاح إلى الخلفِ، ونزع أوراق التين عن العورات، وحين ينامون عُد تحت جنح الليل واجمع سلاحهم وسلاحك فيكون النصر والتحرير”. من أين لكم يا أولادها…كل هذا الذكاء، بين البلاهة والبلاء كان السقوط المدبَّج ببلاغيات صاحب ريتا وشاعر الدياجير الذي أغرقت دياجيره دايان[2]، فكنا نحن الغرقى. كيف لا تموت مرتين يا رفيقي وأنت تراهم ليل نهار على أبواب  كافور الأبيض، لا فرق فاللون لا يعكس تناقض الجوهر. والجوهر هو الحياة مقاومة لا مفاوضات مع الموساد وبوساطة فتى الموساد.

سؤالي  إليك وأفديك بنفسي فنفسي إليك، هو إذن تساؤلي طالما نحن متداخلين: لماذا يطول الزمان بالنخبة الصهيو-أميركية؟  أقبل رغم عقلي أن أخرج من حميمية الحديث المنفلت إليك بلا حوافّ، فليس هناك أجمل من الحميمية بل حتى الهذيان في هذا الزمان. أليس العبيد وراء استطالة زمان النخبة هذه؟ والعبودية حتى لو بدأت قسرًا، فهي تغدو اعتيادا وتطبُّعا ومن ثم خيانة. من لا يتمرد فهو خائن، وإن بدرجات. فكيف حين تكون الخيانة بقرار ومتعة. قالت لي إحداهنَّ ذات مرة أنها حملت من الاغتصاب وقررت الاحتفاظ وأنجبت. هل تتخيل هذا العشق للقمع وإذلال الجسد حتى في أعماقه؟ هي اليوم من كبيرات المطبِّعين!!!! تذكرت هذا قبل أيام في حديث مع رجل فرنسي جاء لإعداد فيلم عن فلسطين:

قال “لم أعد اشعر بالدهشة من يسار فلسطين وقد صار يمينًا، فالذين عرفتهم في عمان بين 1967-1970 ورأيتهم هنا في رام الله قبل أيام وقد باتوا هياكل بلا وعي، أغلفة لذكريات فقدت جوهرها ولقديسة فقدت شرفها غدا هؤلاء باحثين عن المال على حساب الموقف والجاه، وليس مثقفو الصهيونية أشرف، ولكنهم لا يزالون يملكون تحليلًا وحديثا فيه معنى. ولا أخذتني الفجأة كيف تحولت إريتريا اليوم إلى سوق مفتوحة لمزاد قواعد قوى متعادية، فالمهم المال. لم تأخذني الدهشة حين وصلت الطبقة العاملة في الغرب إلى استدخال الهزيمة والتعاطي مع الفقر والقمع كأمر واقع لا كدافع للثورة.” نعم يا أحمد حسين، ما عاد الماء ماءً ولا الملح ملح، لكن الجراح جراح.

قل لي بربك المختلف لا شك عن أربابهم: كيف تطأ هيلاري أرض ميدان التحرير في لحظة استعادة بعض أنفاس عبد الناصر لولا أولاد هيلاري؟ هل سمعت بثورة مؤدبة كهذه تخلو من اللون الأحمر؟ هل سمعت بثورة حولت ميدان التحرير إلى مصلى يئمُّ به القرضاوي الذي أفتى باقتطاع وقت الثورة لوقت الصلاة للرَيْعِ؟ وهل تعلم لم يأت الريع حتى 1-1-2013 لأن قياد الريع بيد خيَّال الكاوبوي.  ووعظ القرضاوي بقتل ثمانية ملايين سوري ليصل الإخوان إلى السلطة فيجرُّوا العروبة سحلًا في باحات البيت الأبيض وصفحات خرافات التوراة! فويل للنساء، جميعًا سوف يصرن سبايا. لم يقتل هتلر رغم المبالغات سوى ستة ملايين! ولكن بقية من نجوا تحولوا إلى نازية مرفوعة إلى أُسَاسٍ لا حدود له. يبدو لي أن الملايين الستة ماتوا تحت التدريب.

ولكن يا صديقي، هو علم النفس البرجوازي ، علم نفس تنفيس الحراك الشعبي في امتطائه لقطعان الدين السياسي كي تسد بأجسادها الممتلئة شحمًا طريق الحراك إلى الثورة. هنا ، وهنا فقط يصح قول ماركس بتحويل الدين إلى أفيون الشعوب.

هذا ما يطيل عمر النخبة تلك لتصبح أبعد المابعديات وتُباعد ما بين جفن الفقراء وبين الصباح، ما بين أمّتنا والصباح.

ولكن، إفتني، يا خليل المرحلة، هل هناك ساعة أطول من أخرى حسب توقيت بِجْ –بِنْ؟ هل غير الزمان هناك زمان!  وسرعة غير السرعة للضوء؟ هل ساعة الموات أطول من ساعات الانتصار والإنجاز؟ أم هو شعور المرء أو الأمة أو العبيد بطول الساعات وهم يمضغون الخنوع، تبَّا لقات اليمن: ما تم تأميم ريع النفط بل صار تأميم وتعريب قات اليمن.

-3-

الهجريون والعروبة

لعل المحطة الأبرز في وعي وتجسيد أحمد حسين وبمثابرة وإصرار يقومان على قوة الوعي والموقف هي متابعته النقدية للقوى الهجرية التي تفرض قراءتها المريضة للدين بتوظيفه ضد الأمة العربية. فهي تنفي أي وجود عربي قبل الإسلام، وبين نفي التاريخ والنقد مسافة وعي ومسافة أخلاق  معًا. فحتى الذين يصفون العرب ما قبل الإسلام بالجاهليين، حتى هؤلاء، وإن انطلقوا من تعميم غير علمي ومن تجاوز على التاريخ، لكنهم يُقرّون بوجود واقع، حتى وهم ضده، لا ضير.

أما الهجرية فتتبع نهج الذين أحلُّوا التوراة محل التاريخ. فالهجرية تبدأ تاريخ العرب بالإسلام لتغتصب أرض كنعان لخرافيي التوراة. والأغرب أن هذا لم يقم به نظراؤهم في القوميات الأخرى، التي دين بلدانها أو أغلب بلدانها هو الإسلام. وهذا ما يثير التساؤل الكبير. لماذا نفي التاريخ، لماذا هذا الاستهداف.

من جانبه يصل أحمد حسين إلى استنتاجٍ وصولُه أمر طبيعي بأن الهجريين يستمدون موقفهم من علاقتهم/تحالفهم  مع الغرب الرأسمالي الذي يستهدف الأمة العربية دومًا لصالح الصهيونية. وليس همَّنا هنا تأكيد أو نفي صهينة الهجريين، بقدر ما هو تبيان التقاطع وخطورته بالطبع. وقد تبين المأساة بحضورها الدامي حين نرى التقاطع بين الأمميات الثلاث: أممية رأس المال الغربي، وأممية التحريفية متجلية هنا في المتعاقدين، وأممية الدين الإسلامي السياسي. تتقاطع سيوفها الثلاثة على جسد القومية العربية.

كنا قبيل الأزمة الجارية اليوم، (الربيع العربي) في مصر وليبيا وسوريا نعتقد بأن أحمد حسين مأخوذ بهذه المسألة أخذًا فوق العادة والمألوف وفوق البحث العلمي. فرغم فكره النقدي سياسيًا واجتماعيًا، كنا نرد ذلك إلى استسهالٍ أو كسلٍ عن البحث المعمق، نقول تأخذ أحمد حسين أحيانًا الشاعرية وهو شاعر فيلسوف  معًا، وهذا ربما لم يتأتَّ سوى للقليل ومنهم أبو العلاء المعري.

لكنّ مجريات الأحداث  أعادتنا إلى وجوب تدقيق أشد وأعمق في استنتاجنا. صحيح أننا محاصرون في الأرض المحتلة بمعنى أننا لم نرَ واقع الواقع العربي كما نحب ويجب، ولكنه محاصر مثلنا وقبلنا، فأحمد حسين في الحصار الأول والأقدم 1948.

قلة منا نادرة، ومنها أحمد حسين التي تنبهت إلى مشروع الوهابية المرتبط ب رأس المال الغربي وهو ارتباط شاء أهل الدين الإسلامي السياسي أن يفتح على علاقة بالصهيونية، يمكن تشبيهها بالتغذية المتبادلة للجذور من تحت الأرض، وإن لم تتشابك الأغصان من فوقها إلى أن يُسمح لها باتفاقات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو والمخفي منها في الدوحة والرياض وتونس “الثورة” والرباط بلا رباط. وقلة منا التي تنبهت للمد والضخ التثقيفي الوهابي منذ هزيمة 1967 حيث هادنت قوى حركة التحرر العربية، أنظمة الريع النفطي كي تسد أنظمة الفائض عجز أنظمة العجز، وهو العجز الناجم عن الفساد وهجران التنمية لا عن غياب الفائض وحده. ومقابل هذه الرشوة كان أن فُتحت  أبواب  الأمة لعملاء الإمبريالية تحت ستار الدين، فتشعبت الوهابية وانتشرت في كل شبر من الوطن الكبير. وكنا نيامًا. آهٍ كم أمقتك أيها النوم الذي التهم وعيًا لا يُعوَّض.

وفي حين كانت معظم أمم الأرض تغذ الخطى نحو الحداثة والتنمية والديمقراطية كانت الوهابية متمتعة بعرش “الفكر” والتثقيف بعذاب القبر والمرأة العورة، وطاعة السلطان المتجبِّر بالسيف وهو في الواقع خصيٌ وعَيِيْ. كان العالم يقرأ ماركس وتشي جيفارا وسيمون بوليفار وإبن رشد، وإبن خلدون، وفلاديمير لينين، وهوشي منه وماوتسي تونغ، وهيجل، وكانت الوهابية تنشر ابن تيمية، وسيد قطب، وبن باز إلى أن انتهينا في لحظة “الربيع العربي”، بقادة الدين السياسي وهم يلتقون الصهاينة وقادة رأس المال في دافوس ويبشرونهم بالحفاظ على التطبيع، ونهج السادات، وبمراسلات حاكم مصر الإسلامي الاستخذائية إلى رئيس الكيان الصهيوني، :”صديقك الوفي” إنها الهجرية بلا لباس هذه اللحظة. إلى هذا الدرك انحط “عزيز مصر!”..

وحين التفتنا أخيرًا وجدنا الشارع العربي يلحقهم كالقطيع ثُغاء بديل اللغة، يضرب الشام بالسيف وريع النفط. هاتِ العزم إذن ننظف اسطبلات الهجرية الذهنية، وهذا أشد علينا.

إستشف واستنتج أحمد حسين باكرًا، بنقاء النفس واتزان الذهن، وتوازن الوعي، تعثر وتعاسة ما جرى في مصر، وكان إلى جانب الوعي الثوري المبكر لكل من كاسترو وتشافيز لما حصل في ليبيا ومن ثم في سوريا.

لقد جسدت الوهابية والسلفية في الشارع العربي كره الذات داعية الانتساب إلى أمة افتراضية هي أمة الإسلام الوهابي. أمة لا تتبلور، ولا يدري بها غير هؤلاء، ولكنها خطرة لأنها تقوض أمة العرب! بل لأنها في التحليل الأخير لا تتحقق وإنما تُمتطى لتبرر “وجود” أمة لليهود ودولة لليهود.

أما وقد وصل الأمر، بل الفتك بالأمة العربية هذا الحد، فلم يعد لنا الاستغراب من تشاؤمية يتمتع أحمد حسين بإعلانها وكأنه يدير لنا قلمه كما أدار حنظلة ظهره.

-4-

الوطن ليس مكانًا

هل الوطن مكانٌ؟ أو متى يغدو الوطن مكانًا ولماذا؟

لم يقم رفض أحمد حسين لاعتبار الوطن مجرد مكان لأنه لم يهاجر أي احتمل الصمود تحت سيطرة وسطوة استعمار استيطاني ليس عنصريا فقط، ولكن يحمل تراث الشهوة والجوع للسلطة مغلفا ذلك بافتراض وعد رباني لا يقوم على أساس علمي تاريخي. ولم يعتبر الوطن مكانًا شأن من طُرد واقتُلع واستظل بوضع اقتصادي كالذين تحولوا في الخليج إلى رأسمالية مالية فلسطينية صار الوطن لديها هو مقدار الحساب المصرفي فتحول لديها الوطن الفعلي إلى مسالة افتراضية، وتحول حق العودة إلى مشروع أوسلو-ستان لاستغلال سكانه خدماتيا لا إنتاجيًا وتحصيل فوائض تُدفع إلى الخارج أو تُستثمر في الكيان نفسه. فالوطن في نظر  رأس المال الكمبرادوري والمالي يجب أن يكون مجرد مكان، أي مكان، وفي أية زاوية من الكوكب فالمال يأتي بالدفء والمتعة.

لقد تفاقم تحول الوطن إلى مكان في حالة كثير من الفلسطينيين.

  • فمنهم من أثرى في ريع النفط وتحول إلى رأسمال مقاول يقوم بالتطبيع ما بين كيانات الخليج النفطي والكيان الصهيوني عبر شركات تمتد من مكة والدوحة إلى القدس وتل أبيب باسم رجال الأعمال[3].
  • ومنهم  الذين تحولوا إلى فرق من المرتزقة لا سيما بمال الريع  سواء الريع النفطي الذي جند أعدادا كبيرة منهم في سوريا ليفتحوا ثغرة في مخيم اليرموك للوهابيين بل وليقاتلوا معهم.

رفض أحمد حسين النظر إلى الوطن كمكان على أرضية أن الوطن مغتصب. وعلى قاعدة، أية مرحلة التي تعيشها البشرية؟ ومن هنا كان الرجل على اشتباك لا يُفضُّ قطُّ مع المتعاقدين الذين أقاموا مشروعهم دومًا على القفز عن المرحلة القومية. ومتى ومع من؟ مع حالات استجلاب استيطاني أخذت تقيم اصطناعيًا “قومية” حجرا على حجر ببندقية على بندقية وعنصرية على عنصرية في وطن أحمد حسين وعلى مرأى منه ومن المتعاقدين. حركة استجلاب تصنع “قومية” لتغتصب وطن أصحاب الوطن، بينما المتعاقدون يقفزون إلى ما بعد الوطن والقومية، وإلى أين؟  إلى الفراغ.

لم يغفل أحمد حسين بأن هؤلاء ضحية ثقافة التخارج شرقًا. والأهم أن ذلك الشرق الشيوعي كان بوطن، ودافع عن وطنه في وجه النازية دفاعًا بطوليًا، وهذه من مآثر ستالين الذي هزم النازية، ولكن معاثره أنه اعترف بالكيان هنا! قد يكون جاهلا في هذا المستوى، ولكن: لماذا وافق له متعاقدون عربٌ وفلسطينيون على هذا واعتنقوا موقفه كما لو كان دينًا؟ ولماذا يغضب كثيرون حين نذكر هذه المعيبة؟ أليس تمرير هذه هو الذي أفضى إلى تمرير كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة من “الكبار/الصغار، والتطبيع وعضوية الكنيست والسكنى والمساكنة في الموشاف ودخول جندية الاحتلال من الصغار! ويبقى السؤال الذي يتحدانا بعنف: هو نواصل التطنيش وأين سنصل؟ أم نواجه إذ لا بد من جيوب المقاومة. مقاومة على الأقل لخدم الصهيونية التي لا تقل عن النازية في شيء بما هي التمفصل اليهودي للنازية. لذا، كان الاشتباك مع هؤلاء  وظل ولن يتوقف.

ورغم ضآلة تيار “دولة لكل مواطنيها، لم ينطلِ هذا الخبث الثقافوي على وعي أحمد حسين، ليس فقط انطلاقا من قاعدة أن الدولة التي يُطلب منها تقبُّل كل “مواطنيها” هي دولة في وطن ليس لها، وبالتالي ألزم هؤلاء انفسهم لصالح هذه الدولة مقدمين لها ما لا تستحق، فلم تُعطهم ما افترضوه “حقها”! فهذه الدولة تنفي أن يكون الفلسطيني أحد مواطنيها. ولا غرابة بعد كل طنين هؤلاء أن انتهى مُنظِّرهم إلى أحضان أنظمة الريع والدين السياسي التي تشارك الصهيونية موقفها القاتل ضد القومية العربية، وتنطلق من الشهوة للسلطة لا الإيمان بالوطن، فالوطن يقوم الإيمان به على القومية إلى أن تتصالح كل الأمم على وطن واحد للإنسان، وبيننا وبين تلك الحقبة حروب تاريخية مع  رأس المال.

لا بل بيننا وبين تلك الأممية الحقيقية مديات من زمن وحروب صارت تؤكد اليوم بلا مواربة، أن ليس شرطًا أن تأتي بعد القومية فورًا أممية حقيقية، ففي مناخات معينة لا بد من رِدةٍ بكيانات طائفية أو عصر بداوة كما هي في الخليج، بل غزو بدوي للحواضر العربية الثلاث دمشق وبغداد والقاهرة. أدرك الأمويون اليوم، بعد زمن، أن منظِّر القومية المولود في الكنيست إنتهى بدويًا في قبيلة أقل من طائفية، فهل كان ذلك جهلًا أم دورًا ورسالة وختلانًا!ّ هكذا بأن تداعى من احتل “فصل المقال” من أممي تحريفي إلى قومي صهيوني إلى هجري في قطر!أليس هذا دورًا؟ آه من حمقى الثقافة الذين توكؤوا على شذرات وعي فلم يرواْ.

لم يدرك المتعاقدون قط بأن الاتحاد السوفييتي الذي كانوا يقلدون شيوعيته، عجز حتى عن تنفيذ تنمية على كل نطاقه، فأتت روسيةً في أغلبها وكانت هذه الخطيئة من مقاتل أول محاولة للشرف الاشتراكي في التاريخ. لم يدرك المتعاقدون، ربما حتى اليوم، بأن المرحلة القومية كانت هي حاضنة التنمية في الدول الاشتراكية والنمو في المركز الرأسمالي بغض النظر عن النجاح.

وهكذا، التقط أحمد حسين ذلك الحبل االسري الذي يجمع قوى الدين الإسلامي السياسي  وخاصة الوهابية والسلفية مع المتعاقدين في اصطفافهم في خدمة التنكر للمشروع القومي العربي بخلاف كل الأمم. هل وعي كل واحد من الاشتراكيين ذلك أم لا، هذا أمر آخر.

-5-

المثقف والاختراق

واصل أحمد حسين دوره في التصدي الثقافي للمثقف المخترَق طوعًا أو إغراءً أو انكسارًا. وكانت له، ولا تزال، وقائع اشتباك مع مثقفي التعاقد والتطبيع وشعارات المساواة والمواطنة، والاستقواء بالضعف وغيرها. وبهذا واصل مسيرة المثقف: من المثقف النقدي إلى المثقف المشتبك، المثقف غير المرحلي.

وبعكس كثير من المثقفين الذين يكتفون بالنقد دون التبنّي العملي لموقفٍ تاركين الموقف للجمهور منزِّهين النخبة عن التصدي، وكثير من المثقفين يكتفون بالتنظير في مستوى الأكاديميا، أو ينظرون للثورة وحين تحين يقتربون من موقف البوليس لأنهم يرتجفون من عنف الأداء الثوري، أو مثقفون يتقاعدون بعد  انقضاء الشباب، أو مثقفون يرتدُّون ليصبحوا ضد الثورة.

في الأرض المحتلة 1948، الاحتلال الأول، واجه أحمد حسين مثقفي التعاقد على مدار عمره. كانت المعضلة الأولى مع مثقفي التعاقد في موقفهم الحدّيّ من القومية العربية والأمة العربية إلى جانب موقفهم ضد الإمبريالية. ولما كانت تطورات تفكك الاتحاد السوفييتي تفكك موقف هؤلاء من الشيوعية وتغير موقف بعضهم لصالح الاستسلام للإمبريالية، ولكنهم بقوا على موقفهم ضد القومية العربية! هذا بعيدا عن أن ننقل الحديث عن المنطقة الجغرفية التي يعيشون فيها، أي وطن مغتصب من كيان استعماري استيطاني روابطه بمركز النظام الرأسمالي العالمي تشكل جوهر خلقه وبقائه واستمراره.

ولم تكن مواجهاته أقل من ذلك مع مثقفي الحكم الذاتي الثقافي والدولة لكل مواطنيها. وهؤلاء كانوا مدرسة مختلفة نسبيا عن الأولى بمعنى أنهم استغلوا المسألة القومية ليجمعوا بين الاعتراف بالكيان الاستيطاني العنصري وبين معتقد قومي لا يمكن له ان يستقيم مع طبيعة هذا الكيان.

وقد يكون أفضل ما كتب من أجله أحمد حسين أنه جسَّد الرؤية الأصيلة التي لا ترى تصالحًا بين إسلام عروبي وبين الكيان، لأن الكيان يقوم على أصولية يهودية ترفض مختلف الأغيار بتعدد مشاربهم، ولا يرى تصالحا بين قوى قومية عروبية لأن الكيان يغتصب أرضا عربية بل ويحلم بأبعد بكثير مما اغتصب. وتقوم رؤية أحمد حسين على أن الشيوعية الشعبية والإنسانية الواعية ترفض الكيان لأنه جزء من مشروع توسع  رأس المال على صعيد عالمي والكيان حالة توسع جغرافي ديمغرافي تخدم في التحليل الأخير توسع  رأس المال.

وفي جانب آخر، لم يقف أحمد حسين طويلا ليلتقط التعاقدات الفردية والتي لا تقل خطرا ولا عددا عن التعاقدات الجماعية فكريا وحزبيا بل تكملان بعضهما بعضا:

  • نخبة توريد قوة العمل أو سماسرة العمل الذين يتوسطون بين المخزن (قوة العمل الفلسطينية) كرصيد احتياطي لسد الثغرات التي لا يملؤها أو لا يرغب في ملئها العمل العبري من جهة، ويغرقون سوق فلسطينيي 1948 بمنتجات الكيان نفسه متساوقين مع مخطط الكيان الاقتصادي بحيث لا يتوفر أي مناخ لضبط الاستهلاكية، وتنامي الوعي بالاستهلاك وصولا إلى استراتيجية التنمية بالحماية الشعبية. هي نخبة مقاولي التوريد من المخزن إلى اقتصاد الكيان، توريد قوة العمل االتي تسد حاجة اقتصاد الكيان، والذين يقومون كذلك بتسويق منتجات الكيان في أوساط الفلسطينيين ليشكل هؤلاء نخبة أو شريحة تثبيت الاستعمار الداخلي Internal Colonialism.
  • نخبة وجهاء الكنيست الذين تم فرزهم على أرضية التفكير الصهيوني من حيث زواياه الاستشراقية والأنثروبولويجة مما بلور لديه نخبة من المثقفين اليهود ما بين سوسيولوجيين ومخابرات يتوجهون إلى الشخصيات التقليدية التي تمثل وتقوي الدور البطريركي في المجتمع لدفع هؤلاء إلى عضوية الكنيست في مشروع تركيز عائلية/بطريركية المجتمع الفلسطيني بما هي المدخل الضد للمستويين القومي والطبقي.
  • نخبة المثقفين المتعاقدين عى أرضية الانبهار بالثقافة الصهيونية والعلاقات المجتمعية الصهيونية كالتعايش في مواقع السكن، وخاصة الكيبوتسات، تحت غطاء مرونات قبول الآخر الاستقواء بالضعف أو ارتزاق العواطل، مما ينزع عن هذا الآخر جوهره كعدو، في حين أن الحقيقة هي استدخال ثقافة الهزيمة مغطاة بإهاب “تقدمي”. ذات مرة قال لي أحمد حسين عن أحدهم: هذا الرجل مفتوح على كافة الاحتمالات[4]! هناك كثرة من المثقفين ممن ينفتحون على كافة الاحتمالات يتنقلون بخفة من شيوعي إلى لبراالي ومن قومي إلى قُطْري/بدوي، ومن وطني إلى صهيوني ومن وادي النسناس في الناصرة إلى الكيبوتس حيث وُلدت وتدربت جميع جنرالات الكيان وطياريه الذين يُهدون شعبنا ورودًا وياسمين.
  • لم يُؤخد أحمد حسين بشعارات المساواة وهي دوما شكلانية في ظل دولة عنصرية.

 -6-

المثقف المشتبك/المتخشب

عزيزي أبا شادي،

كتبت إليك ذات مرة أنك نموذج المثقف المشتبك. وبينما أكتب لك هذه الشهادة، تذكرت الكثير عن المثقفين/ات، وتذكرت أنني كتبت ذات مرة مقالة في كنعان الإلكترونيةKanaanonline.org, Electronic Bulletin  بعنوان: “انتبِهْ: وراءك مثقف”. وبقدر ما كنت أحلم في ميعة الصبا والفتوة وبدايات المطالعة والعمل الوطني أن أكون مثقفًا،  بقدر ما صارت تلسعني هذه المفردة حين تمر بخاطري وليس على الورق وحسب، فما بالك بلقب د.

لم يعد يكفي للمثقف أن يكون عارفًا، ولا نقديًا، ولا ثوريًا وحسب، ما لم يكون مشتبكًا، فالاشتباك وحده الذي يجدد دمه ويُبقيه في حالة الصحوة والفعل. وإذا كان المناضل لا يتقاعد، فكم بالحري ألا يتقاعد المثقف. لا يتقاعد المناضل لأن النضال لا ينتهي، فهو أوسع من زمان الناس جميعًا، وأبعد من فضاء الوعي والمادة  معًا وحتى الحيز. وإذا كان المثقف حالة من محاولة الإحاطة بالواقع والإطاحة به، فلا تقاعد له، ليس التقاعد من حقه. صار لا بد من تجاوز مقولة ديكارت” أنا أفكر إذن أنا موجود” فالفكر وحده لا يكفي، وهو أساسًا نتاج الوجود الموضوعي المادي، ولكي تكتمل إنسانية الإنسان لا بد من حضوره وليس وجوده المادي الكتيم ولا حالة الوعي المجرد، أنا أشتبك إذن أنا موجود بل حاضر.

وبعيدًا عن التنظير هذا، تذكرت وأنا اكتب إليك عدة أمور، أحدها كيف يتهمنا مثقفو التسوية، أقصد الصهاينة العرب، وبوضوح الخونة العرب وعلى رأسهم الفلسطينيون، يتهموننا بالتخشب والخشبية بينما هم زجاج سهل الكسر ولا حرارة فيه ولا روح بل هو الهشاشة كما لم تكن يومًا فيه حياة. يتهموننا بالتخشب، أي  بالأخلاق والقبض على الجمر بينما هم يرنخون في الاختراق والقبض على الدولار! أليس عجيبًا أن يُتهم المرء في وطنيته وقوميته وشيوعيته؟ ليس عجيبًا في وطن العرب، وخاصة ممن يتبنون دومًا شعار “مئة إخس ولا الله يرحمه”وليس المقصود بهذا الموت الفيزيائي، فهو أبسطها على الأقل لأنه آتٍ لا محالة؛ لعل المقصود فقدان المنصب والرشوة والسلطة والسطوة والوقوف على باب السلطان مخافة الإلقاء بالمرء في زنازينه…الخ. لعل الأغرب من هذا، أن يمدحك البعض في صمودك، ثم يستخدم المديح غطاء لما يقوم به من مساومة وحتى خيانة وبعدها ينعتك بالتخشب وهواية الفقر! مثلًا: أن يقولوا هذا بطل، وذاك نموذج أو قوة مثال، أو تقول لك، أنت بطلي، أنت نموذجي، وما هي سوى لحظات حتى تجنده/ها الأنجزة مخبرًا بحثيا أو أكاديميًا يحصي عدد الثوريين في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين والسوريين والعراقيين أو بين جياع الصومال؟ أو يتحول إلى قومسينجي عند عضو الكنيست في قطر، يقبض من الريع مقابل بيع الأفكار والترويج لسلام رأس المال واختراق الأكاديميا بكل ما في المركزانية الأوروبية من خطاب فرداني وعنصري، وبكل ما تفتح به من ارتباطات مخابراتية لم تبدأ من برنارد لويس ولم تنتهِ عند هربرت ماركوزة والواعظ بحرب الحضارات صامويل هنتنجتون. أليست الخشبية أنقى وأشرف، هذا إن كنا كذلك. ألا يؤكد “تخشبنا” أن المعروض على المثقفين والمثقفات هو الفتك بالوعي القومي والشيوعي، وأشد طبعاته ألمًا الهتاف لتدمير العراق وليبيا  والتجسس على سوريا حتى وصلت ما وصلت إليه!

دعك من هذا أيضًا، لم أعد أذكر بالضبط أين قرأت مقالة عن موقف المثقفين الروس، بل مثقفين روس زمن الثورة البلشفية؛ ربما في Race and Class. كانت مجموعة من المثقفين الروس، وأعتقد من بينهم مكسيم غوركي، تجلس في حانة تتعاطى الفودكا في شتاء موسكو البارد بينما كانت جموع العمال والفلاحين والجنود المسرحين تفيض إلى الشوارع ثائرة على القيصر. لم يكتف المثقفون بالقعود، بل كانوا يتندرون بأن حُفاةً يحلمون بإسقاط القيصر. وبالطبع أسقطوا القيصر. ولا يضير هؤلاء أن أنبت القيصر بعد سبعين عاما غورباتشوف ويلتسين.

وتذكرت مقالتين مطولتين عن الثورة الطلابية أيار  1968 واحدة في مجلة Monthly Review[5] والأخرى في [6]New left Review .

في مونثلي ريفيو  تجد الكثير من التشابه في المبادرة والخلل لا سيما غياب الحزب في حالة العرب نظرا للتجويف والتجريف، تجويف الوعي بالقمع من أجل تجريف الثروة بالفساد، ونظرًا لدور الحزب الشيوعي واتحاد العمال في فرنسا حيث ساوما البرجوازية[7]. . لكنني لا أريد التوسع في هذا هنا، سأذهب إلى المتعلق أكثر بموقفنا..

في نيو لفت ريفيو مجموعة مراسلات بين ثيودور أدورنو وبين هربرت ماركوزة وكلاهما من مدرسة فرانكفورت التي تنتسب إلى اليسار وتحاول أن يُنسب اليسار إليها وحدها. حينها كان ماركوزة محاضرًا في جامعة كاليفورنيا سان دييغو (لاحظ أن الإسم يؤكد بان الأرض مكسيكية وليست للولايات المتحدة) بينما كان أدورنو محاضرا في فرانكفورت وخاصة معهد العلوم الاجتماعية. الرسائل من ناحية إنسانية حميمة، بل حتى محزنة حيث توقف قلب أدورنو وهو في حمأة الدفاع عن تواطئه وتخاذله، لكن أهم ما فيها أنها تكشف الفارق بين المثقف المشتبك وبين المثقف النقدي الذي لا يُلزم نفسه بموقف ثوري. طبعا مثقفونا يمارسون الخيانة وليس فقط عدم تعرض جلودهم للغبار. وبعض خيانة مثقفينا/تنا كتابة أطروحات إخبارية للمخابرات تحت تسميات أنثروبولوجية، مثلا، كما أشرنا سابقًا، المسح بإشراف منظمة فافو النرويجية عن الضفة والقطاع مما ولد أوسلو، أو غرس فرانكفوني في جامعاتنا جلده فلسطين وعقله تابع فرنسي، لعن الله الجلد فتغييره مكلف،  والإمبريالية لا تدفع لهؤلاء الفرانكفونيين الملايين ليغيروا جلدهم كما هو حال مايك ديفيز….رحمه الله!

وقبل ان أسرد إليك بالإيجاز الممكن ما دار حول الأمر، أورد ما اقتطفه الراحل إدوارد سعيد عن أدورنو وربما تبناه: “…المثقف حالة منفى دائم، يراوغ القديم والجديد ببراعة…لا يستريح في أي مكان،… يَحْوُل، بوعي، دون أن يُفهم بسهولة ومباشرة[8]” وهذا ما جسده أدورنو، بل تورط أكثر. وهذا ما يحفظه مثقفونا عن ظهر قلب في جامعاتنا وبه يندس مثقفون منا في الكيبوتسات والموشافات تحت ستار التعايش المذل، ويهتفون بيننا بالعروبة….آه ما أقسى الخيانة، وأقسى منها حين يخدعك خائن لعشر سنوات!

حينما انتفض الطلبة في أوروبا 1968 بروحهم المتمردة التي تجاوزت الألوان والأعراق والقوميات وحتى الطبقات. (وبالطبع لا ننسى أن الطلبة ليسوا طبقة، وربما كان هذا كعب أخيل في حالتهم، فهم لم يكونوا برؤية ومشروع وتنظيم. وما أشبه هذا بالربيع الذي اختطفته اليوم قوى الدين الإسلامي السياسي).

نعم، حينما انفجر المد الطلابي هذا في أيار [9]1968، ارتعب أدورنو وفريدبورغ خوفا على المعهد فاتصلا بالشرطة لتوقف “خطر” تمرد الطلبة فاعتقل 76 طالبًا وبينما كان كراهل (وهو أحد طلبة أدورنو) يُساق وسط صف من الشرطة زمجر ضد أدورنو  وفريدبورغ  ScheiBkritische Theoretiker. ,وقد أُفرج عن جميع الطلبة عدا كراهل نفسه، وبالطبع حينها جرى نقاش واسع عالميًا، ففي حين كتبت مجلة كونكرت في 2 أيار بأن  “…ماركوزة  الممثل الوحيد لمدرسة فرانكفورت  التي تدعم أولئك الذين يريدون تجسيد مزاعم النظرية النقدية، الطلاب، العمال، الشباب، الأقليات المقموعة في المتروبول والمضطهدين في العالم الثالث”.   بعدها بيومين كتبت الصحيفة اليسارية  لبرلين بأن: “… ماركوزة عمل مع ال سي، آي، إيه في الخمسينيات وربما حتى الستينيات”. والطريف أن أحد كبار زعماء الطلبة في فرنسا حينها كان قد كتب: “…حاول البعض فرض ماركوزةعلينا كمُلهِم: هذه نكتة. ما من أحد منا قرأ ماركوزة. البعض قرأ ماركس، طبعا، باكونين، ومن الحديثين، الثوسير، ماو، جيفارا، لوفيفر. ومعظم المناضلين في حركة  22 أيار قرأوا سارتر”[10]  واللافت أن هنري لوفيفر، الذي طالما حاصره الحزب الشيوعي، كان الأكثر تفاعلا مع الطلبة، وكان بانديت أحد طلابه، فقد سمح لهم باستخدام الصف لتنظيم ملتقاهم وامتدح في الطلبة المواجهة والتصدي ورفض الاحتواء[11]”

 كانت الصدمة بالنسبة للطلبة أن منظِّري الثورة ارتعبوا من وهجها فلجؤوا لشرطة النظام الرأسمالي، فاشية رأس المال. وفي تبريره لموقفه يجادل أدورنو بأن تمرد الطلبة اتخذ حالة فاشية، فاشية اليسار. وهو موقف لم يقبل به ماركوزة، وإن حاول رسم حدود بين مراقبة الحالة الثورية الطلابية، الثورة، كمتعاطف معها، وبين لحظة “الاضطرار أو الاقتناع” باستدعاء الشرطة. ألا تلاحظ أن مجرد التفكير في استدعاء الشرطة هو انضواء تحت راية النظام البرجوازي؟

وإذا شئنا ان نسير مديدًا في نظرية المؤامرة النظرية، ربما كانت تنظيرات ماركوزة بشأن كون الطلبة عامود الثورة، وبناء على عمله مع المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة، فربما كان تركيزه على الطلبة، ولو في جزء منه، تشكيكًا في النظرية الماركسية-الللينينة بأن قوة الثورة الحقيقية هي الطبقة العاملة والفلاحين، بما هي القوة الطبقية التي تثور ليس على الرأسمالي الفرد بل لتجاوز نمط الإنتاج الرأسمالي حيث الاستغلال والاستلاب والاغتراب والصراع الطبقي. من يدري!

سبَّب هذا الكفر الطلابي به، أي لأدورنو، أزمة حادة وخاصة حينما قام الطلبة بطباعة بوستر يقول: “على من يوافق على أن الفالق ما بين التحليل والفعل لا يمكن جسره بأن يتصل بTh.M .Adorno, 6 Frankfurt am Main, Kettenhofweg 123,

بيت القصيد هنا، هو في تلك اللحظة التي يمكن للمفكر أن يجسر الهوة بين التنظير وبين الممارسة في درجتين:

  • الأولى أن يكون جزءًا من الاشتباك،
  • والثانية أن لا يقف في معسكر الثورة المضادة مبررًا ذلك بالعقلانية أو رفض “فاشية” اليسار.

هنا تحديدًا لحظة التخطي، القدرة على التخطي. وهذه اللحظة تواجهنا كل يوم، وفي كل يوم تأخذ أشكالا متعددة بقدر تعدد ظروفنا ومواقعنا من الثورة، مقدمات الثورة أو حتى حالات الموات.

أذكر في هذا الصدد، انتفاضة طلبة جامعة بيرزيت 1978، الذين طالبوا بتعريب التعليم وتأميم المقصف. حينها أُغلقت الجامعة، كما أُغلقت الجامعات في أوروبا إبان الثورة الطلابية. كان الراحل د. سليمان بشير على علاقة بالطلبة المنتفضين، وهم بقيادة يسارية بالطبع. بعدها طُرد سليمان من الجامعة، وبموافقة الحركة الوطنية بالطبع، وعرفت إدارة الجامعة والحركة الوطنية بجوهرها اليميني والبرجوازي أنني كنت أُنسق مع الطلبة في الليل، ولكن، ماذا يفعلون بي، وأنا لست معتاشًا منهم! وأنت لم تعتش منهم ولا من النظام الفاشي. فهل هذا تخشب؟ وفي هذا السياق هل التخشب معيبة؟

–         7 –

بماذا أختم لك؟

هل أختم بعد بالمثقف الذي يختار الخيانة على بعض الجوع؟ أم بالحاكم الذي يُذكِّر  النعاج بأنه وهمُ نعاج! نعاج حين يقصف الكيان غزة، فكيف هم في حضور المركز الرأسمالي إذن؟ ولا يفاجئك حقا هذا الاستنعاج على الشاشات، بل يفاجئك المثقفون الذين يروجون لكل هذا! هل لا يعرفون؟ أم هو المال! ويقول لي بعد هذا كثيرون: أنتم تُخوِّنون الآخرين! عجيًا…وهل هذه أقل من خيانة؟ حين يتورط المثقف في “إعماء” الناس كما يفعل إعلام الإعماء، هل تصنيفه خائنًا أمر كبير؟

هل حلمت بيوم فيه كل هذه الفوضى؟ في كل ساحٍ طائفية تدق طبول الحرب على الأخرى، وتزأر ضد الطائفية. هل حلمت بيوم تصطف فيه كل نعاج الحكم العربي تقدم لحم فلسطين إلى الكيان ولا يرضى؟ هل حلمت بيوم يناقشك المثقف بأن على سوريا اختيار ديمقراطية الوهابية واشتراكية الإخوان؟ واليوم (منتصف ديسمير 2013)  يصطف مثقفو الطابور السادس الثقافي بينهم من المحيط إلى الخليج ومن الغرب يلعقون أحذية حاكم قطر وفتى الموساد عزمي بشارة في مؤتمر عن فلسطين!!! ما الوليد؟ لن يكون سوى مسخًا صهيونيا هجينا فيه دماء قوى الدين السياسي والفرانكفونية والتروتسكية المتصهينة وصهينة أكاديميا الأرض المحتلة وفرق من المابعديين وفريق الحياة مفاوضات؟ فأي هجين؟

هل تعبت؟ لا، ما تعبت وليس ذلك لك. بل تتعب نصالهم وهي تحزُّ ضفائر شِعرِك لتُدمِيَ القصيد. فلا مكان لغير الصمود، وما صمود بغير الوعي بغير الشعر بغير التماسُك حتى والجراح عميقة، لكن كنعان أعمق.


[1] من اللافت أن كثيرًا من أنسال التحريفيين الذين اعترفوا بالكيان الصهيوني منذ كارثة 1948، قد تربوا في مناخات بطريركية/تحريفية (أي مزيج!!) أنتجتهم على نهج آبائهم في الاعتراف، ويغطون، كما آباؤهم، في إطلاقية تقول بأن القومية شوفينية. ولاحقًا حينما تراجعت النهضة القومية بعد هزيمة 1967 سار أبناء البرجوازية الكمبرادورية عبر تربية مركَّبة بطريركية/مالية على نهج آبائهم بالمجاهرة في الاعتراف بالكيان الصهيوني. ربما في هذا التبرير نجد تحول كثير من أنسال التحريفية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وقد غدوا لبراليين بل أمريكيين، أي كانوا مع التحريفية وضد القومية ثم صاروا لبراليين رأسماليين وظلوا ضد القومية أيضًا. تُضيء على هذا القول مذبحةُ سوريا حيث يصطف شيوعيون مع مختلف مخابرات الغرب الرأسمالي ومع الوهابية لتفكيك البلد. ويُضيء على هذا كذلك إيفاد كثير من أنسال هؤلاء في منحِ من الدول الغربية تبدأ من واشنطن ولا تنتهي بالنرويج إلى الشام منذ سنين يُجرون أبحاثًا باسم السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا. وهذا يذكرنا بما كتبه ماركسيون نقديون في الولايات المتحدة إثر الانقلاب الفاشي ضد حكومة سلفادور إليندي حيث يوجه الماركسيون النقديون نقدهم للسوسيولوجيين الذين يزعمون “موضوعية” علم الاجتماع حيث وافقوا على قبول منح من الإدارة الأميركية للقيام  ب “دراسة موضوعية” للوعي الطبقي بين عمال الطبقة الدنيا في العشوائيات في تشيلي وبهذا قدموا بشكل غير مباشر معلومات إلى أل سي.آي.إيه عبر مطبوعات مهنية (التي هي “موضوعية ومجانية Value-free”). لم يرَ هؤلاء السوسيولوجيون العلاقة بين قتل وتعذيب الشعب على يد الديكتاتورية الفاشية التي أطاحت بالحكومة الاشتراكية المنتحبة ديمقراطيًا عام 1973 بمساعدة أل سي.آي إيه. فقد انخرط مئات السوسيولوجيين في مشروع “كاميلوت” لجمع معلومات عن عدد كبير من الدول المتخلفة وخزنوا نتائج أبحاثهم في أجهزة الحواسيب بشكل لا تستفيد منها سوى وكالات الحكومة. في الأرض الفلسطينية المحتلة يقوم السوسيولوجيون، سواء المتأمركون أو الفرانكفونون، بتدبير منح للطلبة للقيام بدراسات مشابهة عن العشوائيات في الوطن العربي، وخاصة عن المخيمات الفلسطينية، تحت تسميات أكاديمية في الأنثروبولوجيا والاجتماع. ونظرًا لانكشاف وحشية الولايات المتحدة يتم ترتيب هذه المنح عبر الحكومات غير الحكومية (النرويج والسويد والدنمارك- كأدوات للولايات المتحدة)  تشرف عليها الجامعة الأميركية في القاهرة. ولعل أخطر هذه الدراسات الدراسة التي موّلتها وخططت لها منظمة الأنجزة النرويجية فافو، وقام بها سوسيولوجيون محليون في ثمانينيات القرن العشرين والتي كانت نتيجتها اتفاقيات أوسلو! وبالطبع لم تتوقف النرويج وغيرها هناك!

[2]شاعر ريتا محمود درويش ويُقال أن ريتا هو الإسم المصطنع ل تانيا رينهارت التي رفضت تطبيع محمود درويش وارتحلت عن الكيان واحتفلت قبل أن ترحل هي وزوجها بهزيمة الكيان 2006 على يد حزب الله. أما سميح القاسم فهو القائل: “ألف ديان أنا أغرقتهم في دياجيري”. وسميح في مقابلة مع نشرة قاديتا الإلكترونية وجد نفسه سعيدًا بإطراء من أجرى المقابلة معه فانساق لصالح الثورة المضادة في سوريا، ليجد نفسه في دياجيره!

[3] أنظر كتاب عادل سمارة، ثورة مضادة، إرهاصات أم ثورة، منشورات دار فضاءات، عمان 2012.

[4] أنظر مقالة عادل سمارة: قراءة مختلفة لاستحقاق ايلول: السياسي والمثقف من الحياة مقاومة إلى مفاوضات، في كنعان العدد 147 خريف 2011 ص ص 58-84، وفي Kanaanonline.org, electronic Bulletin  الأعداد 2716، 2718، 2720، 2723، 2724.

[5] The Meaning of May 1968K by George Katsaficas, Monthly Review, Vol 30 no 1, May 1978, p.p 13-30

[6] Correspondence on Student Revolutionaries , Theodor Adorno and Herbert Marcuse, by Esther Leslie no 233, January February 1999, p.p.118-136.

[7] أنظر كتاب بانديت، The Obsolete Communism: The Left wing Alternative, 1968

[8] Said E. Representations of the Intellectual: 57

[9] أذكر حينها أنني كنت نُقلت مع معتقل بيت ليد/كفار يونا إلى رام لله للمحكمة العسكرية الصهيونية لقضية جديدة طرأت عليَّ. حينها وقعت في يدي مجلة تايم وقرأت عن ثورة الطلاب. طبعًا في تلك الفترة لم نكن نسمع شيئًا، فكان ما قرأته رغم طبيعة المجلة بمثابة انفتاح باب في السماء.

[10] Cohen-Bendit, The French Student Revolt, trans by B. Brewster (New York, 1968:58.

[11] Lefebvre, The Explosion (New York, 1969), p.67.

:::::

المصدر: “كنعان” الفصلية، العدد 155، شتاء 2014