محاورات في الاقتصاد السياسي 4

الاقتصاد السياسي مقصود به المسألة الميدانية التطبيقية

عادل سمارة

كما ورد في الحلقة السابقة، فالاقتصاد السياسي مقصود به المعالجة السياسية الاجتماعية للمسالة الاقتصادية. بكلمة أخرى هو استنطاق الأرقام عبر التاشير إلى الناس الذين يقومون بالعملية الإنتاجية من جهة وإلى الناس الذين يضعون ايديهم على إنتاج المنتجين من جهة ثانية.

سبق العمل، بما هو كفاح الإنسان من اجل بقائه، سبق الاقتصاد بما هو التدبير الإنساني الواعي (ولو نسبياً) لحياته. أي بمعنى ان الاقتصاد هو شغل إنساني إداري لترتيب حياته وحفظ بقائه لأطول زمن ممكن.

فالعمل هو الأساس، وهو يبدأ كنشاط بسيط يحاول فيه الإنسان حفظ وجوده واستمرار بقائه أي هو دفاع عن الوجود. وهو الاشتباك الأول بين الإنسان والطبيعة وهو اشتباك لا ينتهي. صراع الإنسان مع الطبيعة كي يبقى، وهو نفسه اي العمل هو الذي به يقهر جوانب من الطبيعة العمياء والقاسية. ولكن، كلما تمكن الإنسان من السيطرة على جانب من جوانبها اللامتناهية كلما تغيرت رؤيته لها إلى درجة يسمونها اليوم “أمنا الأرض”.

إذن الصراع الأول الذي خاضه ولا يزال ولن ينتهي هو مع الطبيعة. والاقتصاد هنا هو تدبير ما ينتجه من هذا الصراع كي يبقى.

لكن الإنسان الذي ليس فقط هو “الذي يفكر فهو إذن موجود” بل هو يشتبك، إذن فهو فاعل وحاضر في الطبيعة لم يكتفي بدرجة معينة من العمل كتوفير غذاء يومه سواء بالتقاط العشب والثمر أو الصيد…الخ، بل بما أنه كائن مفكر ومشتبك مع الطبيعة، توصل إلى تطوير أدوات العمل لتصبح ارقى اي أدوات إنتاج. وعبر هذا التطوير صار ينتج ما يزيد على حاجته الفردية. وهنا حدث حدثان تاريخيان خطيران انحرفا بالعمل والإنتاج عن طريقهما الإنساني العادي البسيط اي إنتاج القيمة الاستعمالية، إنتاج ما يستعمله الإنسان كي يبقى ويتنعم بالطبع.

فقد ترتب على الإنتاج الزائد عن الحاجة محاولة حيازة هذا الإنتاج اي امتلاكه بشكل خاص، اي الملكية الخاصة، والتي ترتب وجودها على تطوير أدوات إنتاج لم يطورها الفرد لوحده بل بتراكم المعرفة العامة. المهم أن من تمكن من استعمال أداة الإنتاج لإنتاج ما يفوق حاجته، رغم أن تقنية انتاج الأداة هي عامة أي من تجميع تاريخي لمعارف البشر، حاول الاحتفاظ بالفائض وامتلاكه. ومن هنا نشأت الملكية الخاصة التي بدأت فردية شخصية. لكنه أخذ يستخدم غيره ويضع يده على نتاج شغل هذا الغير ومن هنا انتقلت العلاقة من إنتاج الشخص لحاجته وما يزيد عنها إلى وضع شخص يده على شغل آخر ومن ثم آخرين. ومن هنا كان الانتقال من الحيازة الشخصية إلى الملكية الخاصة التي اسست للاستغلال الذي نراه اليوم يأتي على جهد مليارات البشر لصالح أعداد ضئيلة جدا من البشر.

والحدث الثاني وهو تحقيق الرجل هزيمة تاريخية للمرأة عبر قدرته على العمل الشاق ومن ثم الحيازة ولاحقاً، بإخراج هذه السيطرة والملكية الخاصة بتشريعات أو ثقافة أو بنية فوقية جعلت من الاستغلال والسيطرة وكأنها قوانين طبيعية من المحرم الخروج عليها.

فالملكية الخاصة، وهي نتاج تطور عملية الإنتاج بما يزيد عن حاجة الفرد وانتصار الرجل على المرأة حيث اخطر هزيمة تاريخية للمرأة، هذه الملكية الخاصة شكلت فاصلا وانتقالا من المشاعية البدائية إلى مجتمعات الملكية الخاصة ومن ثم الطبقات.

ومع ذلك كان هناك اقتصاد قبل وبعد الملكية الخاصة بمعنى أن الاقتصاد اساساً هو آلية قيام الإنسان بتدبير حياته وحفظ بقائه في صراعه مع الطبيعة. إنه شغل الإنسان ولكن بشكل منظم ومحسوب مهما كانت حسابات بسيطة كي يبقى. ولكن مع الملكية الخاصة يبدأ الصراع الثاني دون ان يغيب الأول أو ينتهي، اي يتواكب صراع الإنسان مع الإنسان إلى جانب صراعه مع الطبيعة.

وبصراع الإنسان مع الإنسان يتضح معنى الاقتصاد السياسي ولو بشكل بسيط واولي. فمن ابسط العمل الاقتصادي حيث يشتغل إنسان لدى آخر في ورشة متواضعة كعامل مأجور إلى عامل يشتغل في أعقد شركات التكنولوجيا المتقدمة، في الحالتين نحن أمام عمل منتِج وحيازة وشكل توزيع للإنتاج عبر علاقات مجتمعية تقوم على منتِج مستغَل ومالك مستغِل. نحن أمام علاقات تشخص سياسة إدارة الإنتاج والتوزيع أي العملية الاقتصادية وكيف تتم وتُملك وتُدار وتُوزع. وهذا ما يمزج الاقتصاد بالسياسة وبالمجتمع بالطبع.

ملخص ما ورد أعلاه هو أن الاقتصاد كإنتاج وإدارة حياة هو أقدم من علم الاقتصاد الذي نقرأه في الجامعات. وبالطبع أقدم من علم الاقتصاد السياسي الذي نقرأه في بعض الجامعات ويواجهنا في الحياة ونتعلمه في المدارس الحزبية للحركات الثورية.

والأهم معرفياً أن الاقتصاد بمعناه الفعلي موجود قبل تبلور وهيمنة نمط الإنتاج الراسمالي وهو النمط الذي ربما يعتقد البعض بأن الاقتصاد وعلم الاقتصاد السياسي مرتبط له. اي ان الاقتصاد موجود مثلاً منذ عصر الإقطاع وقبل ذلك، هو موجود اساساً مع وجود السوق والعملة والتبادل.

لكن بروز وهيمنة نمط الإنتاج الراسمالي أعطى للاقتصاد معنىً وبعداً مختلفين حيث علاقات الإنتاج في التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية الراسمالية معقدة وتحمل تناقضا طبقيا واضحا بين العمل وراس المال. ولذا فإن المستوى العملي بل التناقضي اجتماعياً في التشكيلة الراسمالية هو الذي يعطي للاقتصاد السياسي ذلك المعنى.

من أهم فوائد قراءة واستخدام الاقتصاد السياسي أنه يحاكم الطبقات الاجتماعية في علاقتها بالثروة الوطنية وفي علاقتها بالنظام السياسي القائم. اي يتعامل مع علاقة السلطة والثروة. الإمساك بالسلطة وتوزيع الثروة. ولهذا هو متعلق، اي الاقتصاد السياسي، بالصراع الاجتماعي او الطبقي. صراع الطبقات على المصالح المادية والذي يمكننا وصفه بأنه:

  • دفاع الطبقات المنتجة عن ما انتجته بأنواع جهدها
  • وهجوم الطبقات غير المنتجة على إنتاج المنتجين.

وبالطبع، قد يخرج البعض ليقول: اين هو الصراع الطبقي في المجتمعات المستقرة أو الراكدة أو الهادئة أو الساكنة؟

وهو سؤال مبرر ظاهرياً، ولكنه يخفي إما جهل بالحراك الاجتماعي أو خبث لطمس الصراع الطبقي. فالسكون في مجتمع معين او عدم رشق الرصاص لا يعني سوى أن الطبقات المسحوقة غير قادرة بعد على التمرد بمعنى أن راس المال مهيمن على العمل او مسيطر سواء بالقمع أو بالهيمنة الإيديولوجية اي ان الصراع الطبقي منخفض الوتيرة ولكن ليس معدوماً.

إن الاقتصاد السياسي بما هو تحليل للصراع الطبقي في سياق مادي تاريخي يركز بالضرورة على أدوار الطبقات الرئيسة في المجتمع، وهي الطبقات التي تمثل بشكل أساسي نمط الإنتاج المهيمن. اي ان هناك انماط انتاج مهيمنة وأخريات هامشية وهناك طبقات اساسية واخريات ثانوية. فنمط الإنتاج الراسمالي مهيمن في التشكيلة الراسمالية بينما بقايا نمط الإنتاج الإقطاعي أو البضاعي الصغير أو المحاصصة في الزراعة…الخ هي ثانوية. كما أن الطبقة الراسمالية والطبقة العاملة في التشكيلة الراسمالية هما اساسيتان بينما الملاك العقاريين والبرجوازية الصغيرة وحتى الوسطى هن أقل مركزية في هذه التشكيلة.