تمويل وتموُّل الأنجزة فساد والفساد يقارب الاحتلال

(رداً على تخابثات لبرالي : فاتح عزام)، عادل سمارة

الجزء الرابع والأخير:  الأنجزة: تمرين تطبيقي

هذه الحلقة موجزة، وهي محاولة تطبيقية للحلقات الثلاث السابقة وخاصة الحلقة الثانية الموجهة مباشرة للشخص الذي زعم بأن منظمة أنجزته معتمدة على نفسها. وكنت أتمنى منذ ذلك الحين وحتى اليوم اي قرابة عامين أن يكون قد أجاب على الأسئلة ومن ثم أعلن تقييمه لنفسه  ولمؤسسته خدمة للصالح العام.

هذا لم يحصل بالطبع، ولن يحصل بالقطع. فمنظمات الأنجزة سواء المحلية كفروع للأجنبية أو الأجنبية نفسها تقوم بمهمة خير من يفهمها مدراء هذه المؤسسات، بمعنى أنهم، ومنذ البداية، قيموا أنفسهم، بل ذهبوا إلى التمويل بوعي. ولذا، فهم يجهدون بلا توقف ولا كلل كي يزرعوا في خُلد الناس بأنهم مؤسسات طبيعية  “وتنموية”! إنهم يحاولون نقل الناس بل إبعادهم عن مراحل التاسيس وعن الحقنة الأولى، وربما الحقن الكثيرة، التي أعطتهم الحياة، ومن ثم وضع الناس أمام بعض الصور الوردية لهذه المؤسسات، اي محاولات إخفاء الماضي وأهدافه. وقد يكون تفاخر فاتح عزام بما تقوم به مؤسسة الحق بشأن حقوق الإنسان مثالاً جيداً على إخفاء الأساس الذي قامت عليه. وهو إخفاء وصل بعزام إلى مساواة مؤسسة أنجزة بفصيل مقاومة. ولعل هذا هو الهدف الأساس الذي يتطلبه التمويل والتسوية، اي تحويل نضالات شعبنا من مقاومة إلى ثقافة وآفاق لبرالية سياسية مسالمة ومستسلمة تتحرك ضمن أفق اللبرالية الراسمالية الغربية في فهمها وإفهامها إيانا بأن الكيان الصهيوني طبيعي وعادي وجار جميل، وما علينا سوى معالجة بعض زلاَّته بشكاوى ضمن حقوق الإنسان برعت فيها في الحقيقة مؤسسة الحق!

المستوى التطبيقي المقصود في هذه العُجالة مستمداً من لقاء على فضائية فلسطين اليوم (قبل شهر)، بين ثلاثة اشخاص أحدهم مثقف نقدي وآخر يمثل منظمة شارك للأنجزة وهي ممولة والثالث يمثل فرقة عمل تطوعي غير ممولة.

يلاحظ المشاهد وجود خلط من البعض بين التنمية والتمويل، وكأنهما مسألتين تكملان بعضهما البعض ضمن نسق إيجابي. وكما ذكرت مرات عدة، فإن التمويل الأجنبي هو نقيض وعدو للتنمية، هو سراب شديد اللمعان كخضراء الدِمن، ولأنه سراباً، فإنه يرحل دون أن يترك ورائه وجودا ماديا ملموساً على الأرض أو وعي ثوري وطني حقيقي في الشخوص. فهو من جهة لا يقيم مشاريعا إنتاجية بل خدماتية متحولة ويوفر وظائف مؤقتة تحول الموظف في النهاية إلى إما عاطل عن العمل (وبالطبع ممروراً) أو باحث دائم عن عمل في نفس المجال بعيداً عن اي عمل إنتاجي.

وأعتقد أنه آن الأوان للتوقف عن هذا الخلط بين التمويل والتنمية وبين المكيجة الاقتصادية والتنمية وبين النمو واللتنمية وبين الإصلاح والتنمية. أي لا بد من التوقف عن انتهاك عّذرية التنمية كي يُفسح المجال للتنمية بالحماية الشعبية.

كما طُرحت في اللقاء المذكور مسألة  منظمات المجتمع المدني والأنجزة وهي مسألة شائكة وتحتوي على كَمٍّ كبير من التضليل. وحيث ألمحنا في الحلقة الثالثة لمسألة وجود وغياب مجتمع مدني في المناطق المحتلة حيث يغيب إلى حد كبير وجود المجتمع السياسي (اي سلطة حقيقية سيادية)، فإن الحديث المنفلت عن مجتمع مدني يهدف إلى دحش الأحزاب والقوى السياسية بتنوعاتها ومنظمات الأنجزة في خليط واحد تكون نتيجته تلطي الأنجزة وراء هذا الخلط وحتى إبرازها لاحقاً، كما يفعل عزام كبديل للقوى المناضلة!

في اللقاء المشار إليه أعلاه طُرحت مسالة وثيقة الولايات المتحدة التي تشترط على متلقي التمويل رفض “الإرهاب”. وبالطبع، فإن عنوان هذه الوثيقة كافٍ لفضح مخاطر التمويل وتبيان التضاد التام بينه وبين التنمية، من جهة، وكشف وقاحة هذه الدولة الباغية الطاغية وتسوُّدها على متلقي المال من جهة ثانية! ولكن ما يجب كشفه أكثر هو أن هذه الوثيقة تحوي هدف خصي وعي الناس النقدي وتطويعهم لقراءة واقعهم المر بعيون العدو الأمريكي.

ورغم أن ممثل منظمة شارك (الذي شارك في هذا اللقاء) حاول كثيراً تبيان بأن منظمته تقوم بخدمات وتدريب الشباب لدمجهم في المجتمع وبأنها تدفع مبالغ رمزية وبأن رواتب موظفيها متواضعة…الخ إلا أن هذا الدفاع لا يُجيب على عشرات الأسئلة التي طرحناها في الحلقة الثانية، بمعنى أن المؤسسة الأنجوزية هذه ممولة من الخارج، من دول هي عدوة اساسا لشعبنا وحتى للبشرية عموماً، وبأن هذه التدريبات لدمج الشباب في المجتمع ليست مسؤولية منظمة أنجزة، ويجب ان لا تكون مسؤولية الدول المانحة بل من الخطورة ان تضطلع بهذا دولة مانحة سواء مباشرة أو عبر أنجزة وسيطة. بل هي مسؤولية السلطة السياسية في البلد والتي يجب ان تقوم بهذا ضمن معاهد تدريب متعلقة بحاجة المجتمع، ولا نحب ان نقول حاجة السوق. إن بذل الجهد في نقد تقصير السلطة في تأهيل وتدريب الشباب افضل الف مرة من تشكيل منظمة انجزة ممولة من الخارج للقيام بعملية التدريب. فالنقد يبني اسساً سليمة بينما التمويل يخلق تابعين.

وأعتقد أنه لولا أن سلطة الحكم الذاتي هي نفسها أنجوزة كبيرة، لما كانت تقبل بوجود مؤسسات موازية وممولة من مصادر أجنبية. وعليه، كما حملت الكثير من مؤسسات الأنجزة جزءاً من مسؤولية الاحتلال عن مجتمع يخضع له، فإن نفس هذه المؤسسات تحمل عن السلطة بعض واجباتها. ولكن الخطورة الآن هي في كون هذه المؤسسات المتأنجزة هي فرق دعاية لخطاب اللبرالية الراسمالية الغربية وخاصة المستوى الداعي للتطبيع والسلام مع عدو هو الأعظم تسليحا في المنطقة!

من جانب آخر، إذا انطلقنا من حقيقة أن “المانحين” بما هم دول بل انظمة حكم رأسمالية استعمارية،  ليسوا مجرد فاعلي خير ولا بسطاء، فإن الوثيقة الأميركية ل “نبذ الإرهاب”، ليست الوحيدة. ربما هي الوحيدة المعلنة. وقد تكون وثائق بريطانية وفرنسية وألمانية ونرويجية اشد خطراً وأقل ظهوراً، وقد تكون ضمنية. وإلا فما معنى قيام المركز الثقافي الفرنسي بجلب الشاعر المغربي المناضل سابقاً عبد اللطيف اللعبي إلى الأرض المحتلة ليلقي شعراً، أو قيام المجلس الثقافي البريطاني بتمويل محاضرات يقدمها محليون لشباب وشابات محليين. كما تم قبل بضع سنوات في مكتبة البيرة العامة حيث فاجئني قيِّم المكتبة السابق بأن أوقع على ورقة بقبض 100 دولار عن محاضرة قدمتها هناك. والورقة مرسلة من المجلس المذكور!!! قلت له لو كنت أعلم أن هذه المؤسسة الخطرة له علاقة لما تحدثت، لن أوقع ولن أقبض بمعزل عن تفاهة المبلغ!!!! لا بارك الله فينا غذا كنا سنتحدث لبنائنا وبناتنا بالفلوس وخاصة من الاستعمار!!!

 أليس أقل أهداف المانحين هو تبيان أن كل شيء عادي وجميل تحت الاحتلال، ولا ينقص الناس سوى تغذية رهافة الاستماع للشعر في جو مخملي لا يبعد عن مخيم اللاجئين في الأمعري سوى مئات الأمتار!!! ثم ماذا عن الهدف الضمني لمسح الوضع الاجتماعي الاقتصادي الديمغرافي والسياسي لمخيم اليرموك بتمويل أكاديمي نرويجي عشية اشتعال ازمة سوريا؟

من النقاط الطريفة التي أثيرت في هذا اللقاء، ان منظمات الأنجزة تدفع أجور مواصلات من يقومون بعمل تطوعي! وهذا أمر يوحي بالابتسام المهذب. فإذا كان من الصعب على فتى/فتاة من قرية دفع تكاليف المواصلات إلى المدينة أو مكان العمل التطوعي ، فلا باس أن يتم السؤال: الا توجد مرافق في القرية نفسها تحتاح لهذا الجهد دون حاجة للمواصلات؟ وهذا يطرح السؤال بصدد هل العمل التطوعي حالة استعراضية إعلامية أم هو عمل ميداني بيئوي برِّي في الموقع وعلى الموقع؟ إن حاجة الريف للعمل التطوعي الإنتاجي الزراعي هي حاجة ماسة وهي الأقرب إلى التنمية من جهة وإلى تعميق روح التعاون التقليدية في مجتمع الريف.هي الأقرب إلى موديل التنمية بالحماية الشعبية.

أختم بتأكيد مسألة اساس بأنه آن الأوان كي تستسلم دفاعات الأنجزة عن مزاعكها التنموية، وأن تستسلم كثيرا من ما تسمى منظمات أهلية عن التغطي بهذا الإسم بينما تمارس التطبيع. وهذا يطرح سؤالاً إجابته في بطن الزمن:

متى يصل بنا الأمر لمسائلة كل من استفاد على حساب الوطن عبر خدمته لأعداء الوطن؟ يعيدني هذا إلى فترات الاعتقال وخاصة في سنواته المبكرة حيث كنا نقول: سوف تُحاسب المنظمات جميع المتساقطين …الخ!!! ها نحن في نهايات العقد الخامس للاحتلال، ولكن المتساقطين يتمتعون!!!

ملاحظة أخيرة: تجدر الإشارة إلى أن التمويل الريعي من الحكام العرب لم يُنقش في هذه المعالجات بهدف عدم التشتت وحسب، علماً بأنه اشد خطراً من المصادر الراسمالية الغربية.