تراجع الجبهة الشعبية من أسباب التحالف مع “نداء تونس”

توفيق المديني

في البداية كانت هناك خلافات تشق الجبهة الشعبية حول الخطة السياسية في موضوع التحالفات، لا سيما مع حزب” نداء تونس”.ومع ذلك أظهر الحراك الكبير بعد اغتيال الشهيد شكري بلعيد صلابة و تماسكاً كبيرين  بين مكونات الجبهة الشعبية التي تضم  رسميا ثلاثة عشر حزبايسارياً وقومياً . وكانت الجبهة الشعبية تتجه نحوتشكيل قطب يساري بارز ذي وزن انتخابي قد يجد سنداً إضافياً مع التشكيل اليساري الموجود داخل حزب” نداء تونس”، و الذي يتزعمه كل من الدكتورالطيب البكوش و محس مرزوق، وأيضا التماهي الذي أبدته أحزاب أخرى على غرار حزب المسار الديمقراطي (الحزب الشيوعي سابقا)، وحزب القطب الديمقراطي الذي يقوده رياض بن فضل.

تمثل الموقف العام للجبهة الشعبية  الذي سارت عليه طيلة المرحلة السابقة في إيجاد تقاطعات مع أي طرف سياسي  يطرح إسقاط حكم النهضة.و كان هذا محور الندوة الوطنية التي عقدت بمدينة سوسة يومي 1 و2 يونيو 2013، حيث تبلور اتجاه أغلبي يرفض  أي تحالف مع حزب “نداء تونس”، مقابل  أقلية متمثلة في “حزب العمال” بزعامة السيد حمّه الهمامي ، وحزب” الوطنيين الديمقراطيين الموحد” ، تدافع عن هذا التحالف.ورغم أن الجبهة الشعبية حظيت  بدعم شعبي كبير، كان بإمكانها أن تستثمره لتشكيل قطب يساري بارز ذي وزن انتخابي،فإن  قيادة الجبهة الشعبية  ، و أبرزها الناطق الرسمي باسمها السيد حمه الهمامي ، لم يستثمر هذا الزخم الشعبي الكبير لبناء قوة يسارية شعبية تشق لنفسها طريقا ثالثة بين اليمين الديني ، و اليمين الليبرالي .

و عندما حاولت الجبهة الشعبية عقب اغتيال الشهيد محمد البراهمي في 25 جويلية 2013، تدارك الموقف، أعلنت “العصيان المدني ” في بيان نعي الشهيد  البراهمي، مبينة أنها مصممة على إرجاع ” الثورة إلى مسارها  الحقيقي”، و إنها ستدخل   في مفاوضات لتشكيل حكومة “إنقاذ وطني” ، بل إنها حدّدت حتى الوقت الذي سيتم فيه الإعلان عن تلك الحكومة. غير أن ذلك ظل مجرد كلمات لم تنفذ واقعياً، وتتالت المواعيد “الحاسمة” بعد ذلك دون أي حسم يذكر.

و ظلت الجبهة الشعبية على مدى أشهر تنكر كل إمكانية التحالف مع الجبهة السياسية ، التي أعلنها الباجي قائد السبسي مؤسس حزب “نداء تونس “في 29 جانفي 2013 ، بوصفها محاولة لتجميع القوى اليسارية والديمقراطية المشتتة، و سميت تلك الجبهة ب”الاتحاد من أجل تونس”، الذي ضم الأحزاب التالية:حزب”نداء تونس” بزعامة الباجي القائد السبسي، “الحزب الجمهوري” بزعامة نجيب الشابي ، وحزب “العمل الوطني الديمقراطي “بزعامة عبد الرزاق الكيلاني، و “الحزب الاشتراكي الديمقراطي ” بزعامة محمد الكيلاني ، و حزب” المسار الديمقراطي”بزعامة الدكتور محمدإبراهيم.

و على الرغم من أن “الاتحاد من أجل تونس” يضم أحزاباً ليبرالية ، و أخرى اشتراكية ديمقراطية ، فإن حادث اغتيال الشهيد محمد البراهمي، دفع بالجبهة الشعبية إلى التحالف مع “الاتحاد من أجل تونس” في إطار ما يسمى ” جبهة الإنقاذ”، التي تأسسست من أجل مواجهة  “الفاشية الدينية”. وتمثلت أهداف “جبهة الإنقاذ “حسب بيانها التأسيسي في تشكيل “الهيئة الوطنية العليا للإنقاذ الوطني” الممثلة للأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني التي ستتولى، بالاستعانة بخبراء القانون الدستوري، استكمال صياغة الدستور في بحر شهرين يعرض على الاستفتاء الشعبي تشكيل حكومة إنقاذ وطني محدودة العدد لا تترشح للانتخابات القادمة متطوعة برئاسة شخصية وطنية مستقلة متوافق عليها تتخذ ضمن برنامجها جملة الإجراءات الاستعجالية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية وتعد لانتخابات ديمقراطية، نزيهة وشفاف .

و هكذا ، تحول المشهد السياسي التونسي في صيف 2013، إلى نوع من تحالف الجبهة الشعبية بزعامة السيد حمه الهمامي ، مع –”الدساترة الجدد” الذين يقودهم السيد الباجي القائد السبسي  زعيم حزب “نداء تونس”، بهدف إسقاط حكم النهضة. وتمثل الموقف العام للجبهة الشعبية  الذي سارت عليه طيلة المرحلة السابقة في إيجاد تقاطعات مع أي طرف سياسي  يطرح إسقاط حكم النهضة.و كان هذا محور الندوة الوطنية التي عقدت بمدينة سوسة يومي 1 و2 جوان 2013، حيث تبلور اتجاه أغلبي يرفض  أي تحالف مع حزب نداء تونس، مقابل  أقلية متمثلة في حزب العمال بزعامة السيد حمه الهمامي  ، وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد ، تدافع عن هذا التحالف.

وتذرعت الجبهة الشعبية بأنها غير متحالفة مع حزب”داء تونس” ، و أن كل ما في الأمر هو حصول تقاطعات ميدانية بين الطرفين لمواجهة الإسلاميين ، لكن الخطوات المؤدية إلى التحالف كانت تتم على قدم وساق. وكانت الجبهة الشعبية تُبرر تحالفها بأن حزب “نداء تونس” لا يمثل الدساترة. غير أن الباجي قائد السبسي، كان واضحاً في إعلان هويته الدستورية و “فكره” البورقيبي قائلاً: أنه كان دستورياً و سيظل كذلك ، بل إنه اقترح على السيد حامد القروي رئاسة نداء تونس، و على السيد كمال مرجان زعيم حزب”المبادرة” أن يكون فصيلاً من فصائل حزب “نداء تونس”.

و من الجدير بالذكر أن معزوفة التحالف الديمقراطي لإسقاط “الفاشية “الدينية، تذكرنا بتحالف اليسارالمحافظ مع الإسلاميين في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. في الواقع السياسي التونسي ، يوجد يساران، الأول يسار راديكالي مناهض للإسلاميين،و الثاني يسارمحافظ ووحدوي، لكن الحدود الفاصلة بينهما لم تكن واضحة. فاليسار الراديكالي المناهض للإسلاميين بسبب الاختلاف الجذري بين الطرفين حول موقع الدين في السياسة،لأنه إذا تم فصل الدين عن السياسة، لم يعدهناك مكان للإسلاميين أصلاً، وهذا ما لم تفهمه أطراف يسارية عدة .وهناك  اليسار المحافظ الذي قبل بالعمل مع الإسلاميين فيما يسمى تحالف حركة 18 أكتوبر 2005، حيث تشكل طيلة السنوات 2005-2007تحالف كبير ضم  اليساريين المعتدلين ذوي التوجهات الاشتراكية الديمقراطية، والشيوعيين ، والإسلاميين . وكان ذلك التحالف الظرفي يركز في خطابه السياسي على الظفر بالحريات العامة والخاصة، و إقرار المواطنية الكاملة، وتحقيق العفو التشريعي العام من خلال إطلاق سراح المساجين السياسيين. وكان الإسلاميون من حركة النهضة المستفدين الرئيسيين من هذا التقارب مع اليسار المحافظ و المعتدل ، المدافع عن الوعي الكوني بحقوق الإنسان ، و المشاعر الطيبة، والوفي لمبادئه المثالية ، و الذي كان بعيدا عن حقائق الحكم.

كان هذا اليسار المحافظ و المعتدل يثق بالإسلاميين ، بينما كان الإسلاميون يستخدمونه بشكل تكتيكي لكي يصبحوا مكوناً أساسياً من مكونات المجتمع المدني الحديث، ويطلبون الإلتماس من سلطة بن علي، بعد أن تم إقصائهم من المشهد السياسي.لقد حول نظام بن علي الإسلاميون إلى ضحايا، بينما  عمل اليسار على شرعنتهم سياسياً و أيديولوجياً.و أسهم هذا اليسار في ولادة البراديغم للإسلاميين المعتدلين، وهو الآن يدفع الثمن.و الآن بعد أن التحق قسم من هذا اليسار المحافظ  بتجمع الاتحاد من أجل تونس(وهو تجمع ليبرالي في توجهاته السياسية و الاقتصادية )، الذي يقوده عمليا حزب” نداء تونس”، التحق في الوقت عينه قسم من اليسار الراديكالي بجبهة الإنقاذ ، التي يهيمن عليها سياسيا “حزب نداء تونس”، فضاعت الحدود الفاصلة بين اليسار المحافظ ذي التوجه الليبرالي، و اليسار الراديكالي.

وفي الوقت الذي كان فيه السيد حمه الهمامي ، الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية، و الرجل المتنفذ فيها، يدافع عن ولادة  جبهة الإنقاذ، و يحشد الحجج التي تبرر ذلك التحالف مع “الاتحاد من أجل تونس”، لا سيما  ضرورة بناء جبهة ديمقراطية واسعة لمواجهة “الفاشية” االدينية، كان اللقاء الذي جمع كل من السيد الباجي قائد السبسي، و الشيخ راشد الغنوشي ، إيذاناً

 1-تقارب النهضة مع حزب نداء تونس يشق الجبهة الشعبية

في ظل احتدام الصراع بين السلطة و المعارضة، جاء اللقاء الذي حصل في باريس يوم 14 أوت2013بين الشيخين راشد الغنوشي و الباجي القائد السبسي زعيم حزب “نداء تونس” الذي كانت حركة النهضة تحاربه باعتباره الخصم الرئيس والمنافس القوي القادر على الإطاحة بها في الانتخابات المقبلة، ليفتح شرخاً في  صفوف المعارضة التونسية  التي كانت الجبهة الشعبية  تلعب فيها دوراً طليعياً في قيادتها منذ اغتيال الشهيد شكري بلعيد في 6فبراير 2013 ، و يحدث هزة كبيرة في الطبقة السياسية  التونسية، و الرأي العام .

لقد غير هذا اللقاء  بين أكبر حزبين سياسيين في تونس كلياً المعطيات في الوضع السياسي التونسي ، رغم أنه لم يفصح  بعد عن الاتفاقات التي حصلت بين الرجلين راشد الغنوشي والباجي القائد السبسي ، وتفاصيلها ، وجزئياتها، و إن كان المراقبون يؤكدون أنها تتعلق بتسوية سياسية لتقاسم الحكم الدائم في مرحلة ما بعد الانتخابات المقبلة، وترك التجاذبات السياسية للحظة الراهنة يلعب فيها  السياسيون الصغار الطامحون إلى تحقيق مكاسب  آنية لا غير.رغم أن الصراع  كان محتدماً بين اليمين الديني المحافظ ممثلاً بحزب “النهضة” الإسلامي، و اليمين الوسط الليبرالي ممثلاً بحزب” نداء تونس”، فقد تغلب التكتيك، و التعقل، والاستراتيجية في المعسكرين كليهما.

واعتبرت خطوة الشيخ راشد الغنوشي باتجاه لقاء الباجي قائد السبسي ، مناورة سياسية ذكية، لأنها أسهمت في إدارة الأزمة التي كانت حكومة علي العريض السابقة تعيشها  ، و قسمت المعارضة التونسية التي أبدت نوعاً من التمساك السياسي و التعبوي خلال المرحلة الماضية في مواجهتها لحكم الترويكا الحاكمة، وعزل الجبهة الشعبية و رمزهاالسيد حمه الهمامي، والتحالف مع السياسيين الذين يحتلون الموقع الوسط في الخارطة السياسية، و الذين بإمكانهم أن يجروا ورائهم الدستوريون بأحزابهم المختلفة.

قبل هذا اللقاء ،وفي ظل الاستقطاب الثنائي الحادّ الذي أفرزه المشهد السياسي التونسي ، بين حزب “النهضة” الإسلامي التي تراجعت جماهيريتها لكنها لم تفقد قدراتها التنظيمية والبشرية، و بين حزب”نداء تونس” ، الذي يحظى بشعبية كبرى بفضل سطوع نجم زعيمه السيد الباجي قائد السبسي في فضاء السياسة التونسية، عمل حزب “النهضة” بشتى الوسائل على محاربة هذا الخصم السياسي من أجل إقصائه خوفاً من فوزه في الانتخابات المقبلة ، لا سيما العمل من أجل صياغة قانون للعزل السياسي يكون على مقاس الترويكا الحاكمة، إذ يقصي هذا القانون أعضاء مجالس النواب في عهد بن علي (كان السيد السبسي نائباً عام 1989) لكنه لا يقصي أعضاء مجالس المستشارين (الشيوخ)، لأن منهم من يخدم اليوم الحكومة المؤقتة الحالية أو يتحالف مع حركة النهضة الإسلامية .

بعد هذا اللقاء،لم يعد حزب “النهضة “يطرح قضية قانون العزل السياسي الذي كان يستهدف حزب “نداء تونس”،أو على الأقل بعض رموزه من النشاط السياسي ، و لم تعد متعلقة بالإجراءات المتطرفة في إطار مشروع الدستور، كل شيء أصبح قابلاً للتفاوض، بما في ذلك تشكيل حكومة وحدة وطنية. ورغم  التناقض الظاهري في العديد من القضايا، بين حزب “النهضة” و حزب”نداء تونس”الذي يقوده الباجي قائد السبسي،  وهو الحزب السياسي الناشىء، الذي بات يشكل تهديداً سياسياً و انتخابياً لحزب “النهضة” ، فإنه ليس خافياً على أحد أن هناك نقاطاً مشتركة تجمع بين  “معتدلي “حركة النهضة و معتدلي حزب “نداء تونس” ، و منها، الدفاع عن الهوية العربية الإسلامية للبلاد، و التوجه الاقتصادي الليبرالي الذي يرهن المجتمع التونسي في نهج التبعية للقوى الرأسمالية الغربية ، و السياسة الاجتماعية العادلة، وقيم الجمهورية، وحرية التعبير والرأي.

بإمكانية التحالف بين أهم حزبين سياسيين في تونس خلال المرحلة المقبلة ، ما بعد الانتخابات. ويتفق حزب النهضة الإسلامي وحلفائه من جهة، وحزب “نداء تونس” (المنافس القوي لحزب النهضة، و الذي يتزعمه السيد الباجي قائد السبسي ، رئيس الحكومة السابق )وأغلب مكونات “الاتحاد من أجل تونس” (الذي يضم الأحزاب الليبرالية في تونس)من جهة ثانية، على نموذج الاقتصاد الليبرالي ، و الانخراط في نظام العولمة الليبرالية من موقع الطرف التابع لمراكز النفوذ السياسية والاقتصادية الرأسمالية المؤثرة في العالم.غير أن هذا الاتفاق لا يمنع وجود صراعات بينهما الآن – ولفترة أخرى من الوقت – مدارها احتكار الحكم السياسي والنفوذ الاقتصادي والاجتماعي من جهة ونوعية النموذج القيمي الاجتماعي للحياة العامة الحضارية والثقافية للشعب التونسي.

الجبهة الشعبية و غياب الوضوح في الرؤية الفكرية والسياسية

أثبتت التجربة الماضية أن “الجبهة الشعبية”كانت تعاني منذ تأسيها و لا تزال من غياب الوضوح الفكري و السياسي الذي يساعدها على بلورة خط وطني ديمقراطي ذي بعد وحدوي ينهل من تجربة النضال اليساري  التقدمي في تونس بشكل يجعل برنامجها و توجهاتها تنحاز لمصلحة القوى و الفئات الشعبية من طبقة وسطى و عمال و فلاحين و رأس مال وطني .إذتصبح  هذه الرؤية الفكرية و السياسية ضرورية اليوم في وقت تنحاز فيه أغلب برامج الأحزاب و القوى الحاكمة أو المعارضة الليبرالية إلى خيارات لا تخدم مصالح الطبقة المتوسطة والطبقات الشعبية التي زادتها مرحلة حكم النهضة و الأطراف المتحالفة معها فقراً، و سدّت أمامها كل إمكانيات التنمية و التطوّر. فعلى المستوى الاقتصادي و الاجتماعي، و الأيديولوجي، يمثل حزب “نداء تونس” مصالح البرجوازية  الكمبرادورية و شريحة من شرائح  البيروقراطية ، وهي القوى التي فقدت امتيازاتها ، وتضررت مصالحها غداة نجاح الثورة، ووجدت في الباجي القائد السبسي ممثل البرجوازية الليبرالية التونسية ، المهندس و المنقذ لإعادة الاعتبار للسلطة الدستورية، إذ التفت حوله بقيا من النظام القديم، و قوى إقليمية و دولية، نخص بالذكر منها، الاتحاد الأوروبي

بعد استكمال المسارين الحكومي والتأسيسي،أي تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة السيد مهدي جمعة، و إقرار الدستور الديمقراطي التوافقي للجمهورية الثانية في تونس، يشهد المشهد السياسي التونسي تحولات حقيقية في خريطة الأحزاب السياسية ، و التحالفات التي كانت قائمة، إبان الأزمة السياسية الكبيرة التي شهدتها البلاد.فعلى سبيل المثال ،أصبح حزب “نداء تونس ”  أحد المكونات الأساسية لتحالف “الاتحاد من أجل تونس”، وأحد الأحزاب المنضوية أيضا تحت يافطة “جبهة الانقاذ الوطني”،يرى في نفسه أنه كوّن “اسماً تجارياً كبيراً”في الساحة السياسية،بفضل الشخصية الكاريزماتية لرئيسه الباجي القائد السبسي،إذ  يحتل المرتبة الأولى في نتائج نتائج سبر الآراء  بالنسبة الانتخابات التشريعية المقبلة ، ورئيسه في المرتبة الأولى في الانتخابات الرئاسية .

في الفترة الماضية شهد حزب “نداء تونس” اكتساحاً غير مسبوق من عناصر قيادية كانت تنتمي في السابق ل”زب التجمع الدستوري ” المنحل،إذ أصبح الوزير السابق محمد الناصرنائباً لرئيس حزب”نداء تونس”، و عين السيد خميس قسيلة الناطق الرسمي باسم الحزب، بدلا من السيد الأزهر العكرمي المحسوب على التيار اليساري الليبرالي الأميركي داخل الحزب.ويقول في هذا الصدد السيد  عدنان منصر مدير الديوان الرئاسي والناطق الرسمي لرئاسة الجمهورية أن الإقصاء التدريجي لليساريين من حزب نداء تونس توجه سيتدعم أكثر فأكثر في المدة القادمة. وأفاد منصر أنه حان الان دور ” الخيارات الصحيحة” وهي اعادة حزب “نداء تونس” إلى فضائه الأصلي، العائلة التجمعية الواسعة، و تمثيل النظام القديم في المشهد السياسي المقبل وفق تعبيره.

فعلى المستوى الاقتصادي و الاجتماعي، و الأيديولوجي، يمثل حزب “نداء تونس” مصالح البرجوازية  الكمبرادورية و شريحة من شرائح  البيروقراطية ، وهي القوى التي فقدت امتيازاتها ، وتضررت مصالحها غداة نجاح الثورة، ووجدت في الباجي القائد السبسي ممثل البرجوازية الليبرالية التونسية ، المهندس و المنقذ لإعادة الاعتبار للسلطة الدستورية، إذ التفت حوله بقيا من النظام القديم، و قوى إقليمية و دولية، نخص بالذكر منها، الاتحاد الأوروبي.

و في المقابل تشهد الجبهة الشعبية تراجعاً حقيقياً في شعبيتها، بسبب تحالفها مع حزب”داء تونس” الذي انكشف الآن على حقيقته، إذ بادت قيادة الجبهة محرجة أمام قواعدها لتبرير التحالف السابق مع حزب يسعى الأن لإعادة إنتاج مكانة النظام السابق، التي أسقطته الثورة قبل ثلاث سنوات.إضافة إلى ذلك، أن قيادة الجبهة الجبهة ممثلة بالناطق الرسمي لها، السيد حمّه الهمامي، لا تقبل أي نقد بخصوص التحالفات السابقة، بل إن أطرافاً سياسية مكونة للجبهة الشعبية انتقدت حمّه الهمامي، كان مصيرها الإقصاء من الجبهة ، و هذا إن دلّ ، فهو يدلّ على غياب العلاقات الديمقراطية داخل مكونات الجبهة ، و استفراد حمّه الهمامي بزمام الأمورداخل الجبهة  ، لجهة أن تكون الأطراف القومية ( البعثية) ، وحتى حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحدالذي كان يتزعمه الشهيد شكري بلعيد، مجرد أطراف تابعة لحزب العمال الذي يرأسه الهمامي ،لا سيما أن الشغل الشاغل للهمامي في الوقت الحاضر ، هو الترشح للانتخابات الرئاسية، و ليس إعادة بناء جبهة ديمقراطية تضم القوى اليسارية و القومية وفق برنامج سياسي انتخابي واضح المعالم.

بعد انتهاء دور جبهة الانقاذ الوطني، التي تعد الجبهة الشعبية أحد مكوناتها، هل تعود الجبهة الشعبية للعب دور القوة الجامعة لتوحيد اليسار التونسي الذي لعب دورا كبيرا في إنجاح الثورة التونسية ،إذ جاءت عمليتا اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، لإضعاف المعارضة اليسارية ، ودفع قسم من اليسار إلى أحضان اليمين الدستوري و القوى الدولية للإحتماء بها، حتى يفقد استقلاليته، و يتنكر لشعاراته.

:::::

صحيفة الشرق، تيارات، الجمعة 14فبراير2014