العروبة بعد ثلاث سنوات من الحراك الشعبي العربي*

(الجزء الأول)

 

مسعد عربيد

 

مقدمة

الداعي لهذه الندوة هو الهاجس الذي يسكن أعماق كل واحدٍ منا، ولكننا انشغلنا عنه في حمأة الأحداث الساخنة أو ربما شغلونا عنه: هاجس الانتماء وسؤال الهوية القومية والوطن الأكبر.وبدون هذا السؤال لن نصل، ولن تصل مجتمعاتنا، الى شاطئ الأمان أو الى أي شاطئ آخر، لأنه السؤال السرمدي، سؤال: مَنْ نحن، من أين أتينا وإلى أين نحن ذاهبون؟

السؤال المطروح إذن هو: أين العروبة في الحراك الشعبي العربي؟

ولا نقصد من طرح السؤال التنكر أو التقليل من أهمية الظروف المحلية والقُطرية لكل بلدٍ عربيٍ على حدة، بل التأكيد على الترابط العضوي بين هذه الأوضاع واسبابها والحلول اللازمة للخروج من هذا المأزق، من جهة، والمشروع القومي العربي الساعي الى الوحدة العربية والنهضة والتنمية لمجتمعاتنا، من جهة أخرى.

وكي نصل الى الاجابة أو محاولتها، لا بد من الحديث عن التجزئة التي حلت بالوطن العربي وآثارها بما هي المضاد الطبيعي والتاريخي للقومية العربية والتي (التجزئة وآثارها المباشرة وغير المباشرة) كانت أحد اسباب الرئيسية التي أوصلتنا الى انفجار الأوضاع في البلدان العربية.

سوف نقارب الاجابة على هذا السؤال من خلال المحاور التالية:

1) مشروع التجزئة وآثاره على شعوبنا بما هو نقيض لمشروع الوحدة العربية، ولماذا أوصلنا الى ما نحن عليه.

2) علاقة شعوبنا بالأنظمة الحاكمة والتي ثارت شعوبنا ضدها، تلك الأنظمة التي هي نتاج للتجزئة وضمانة ديمومتها.

3) ملاحظات عاجلة في تقويم الحراك وتشخيص الواقع القائم.

4) وفي المحور الأخير نلج الى سؤال كيف غابت العروبة وغُيبت في الحراكات العربية.

ولكن قبل هذا كله اسمحوا لي بضبط بعض المفردات المتداولة في خطابنا السائد.

 

ضبط المفردات

 

يتسم الخطاب السائد باستخدام العديد من المصطلحات على قدر كبير من الاستستهال، واطلاق المفردات بسهولة وبدون تدقيق في معانيها ودلالاتها بشكل علمي. وسوف نعرج على مصطلحين قبل الدخول في حديثنا.

أ) الحراك: ثورة أم انتفاضات؟

 

ربما نستطيع التوافق على أن التعريف الأبسط للثورة هو حركة الجماهير القادرة على اجتثاث جذور وبنى النظام القائم سياسياً وطبقياً واجتماعياً واقامة نظام بديل يستجيب لمصالح الشعب وطبقاته الشعبية العريضة. وفي حالتنا العربية فاننا في مواجهة أنظمة مستبدة ظالمة، تقف على رأس كيانات قطرية قُسمت على مقاس التجزئة الاستعمارية لبلادنا وارتبطت من خلال التبعية والعمالة بالغرب الرأسمالي وسياساته ومخططاته. لذا نقول إن ما حصل خلال السنوات الثلاث الأخيرة هو انتفاضات أو محاولات للتغيير، ولكنها لم ترق الى حالة ثورة بالمفهوم الجذري في التغيير.

ب) العروبة

الحديث هذه الأيام في مفهوم القومية العربية ينطوي على مساحات رمادية وخلافية كبيرة، فيه جوانب لا يراها البعض وربما لا يريد، وأخرى ننكرها أو نتنكر لها، وهناك تلك التي نخشاها بفضل عقود من التربية القطرية المنغلقة التي زرعت فينا الخوف والعزوف عن الفكر القومي.

لتوضيح ما نقصده، أورد بعض الملاحظات المقتضبة:

■ العروبة في جوهرها وكنهها هي وحدة الانتماء والهوية القومية والتاريخية والثقافية للأمة العربية والايمان بوحدة اراضيها وشعوبها في وطن عربي واحد.

■ وعليه، فالعروبة بهذا المفهوم السامي ليست مجرد شعار أو تنظير ايديولوجي، وليست وهماً أو خيالاً، بل هي مشروع قومي متجسد على الأرض وفي واقع شعوبنا المادي لأنه الرد على مشاريع التجزئة والتقسيم ومخططات النهب وهدر طاقاتها وثرواتها ومستقبلها. وهي رد شامل في أبعاده الجغرافية والتاريخية والسياسية والاقتصادية، يتضمن الحل لمشاكل التنمية المتعثرة في بلادنا والنهوض بمجتمعاتنا. وهي كفيلة، وهذا هو الأهم، بتحقيق مطالب الشعوب في العدالة الاجتماعية والايفاء باحتياجاتها الأساسية التي في حدها الأدني تعني توفير الغذاء والمسكن والتعليم والرعاية الصحية والشغل المنتج لدخل يفي بعيش كريم.

انظروا تاريخنا المعاصر من مرحلة الاحتلال العثماني مروراً بالاستعمار الأوروبي (البريطاني – الفرنسي) وصولاً الى حالة القطريات العربية الراهنة، كلها تركت بلادنا ومقدراتنا رهينة للأعداء والمحتلين، وكلها فشلت في تحقيق التنمية وتأمين عيش كريم لشعوبنا، بل أبقت على وطننا ضحية للنهب الإمبريالي دون أمل ببصيص ضوء في نهاية النفق.

هذا هو المعنى الاستراتيجي للترابط العضوي (تاريخياً وجغرافياً واقتصادياً واجتماعياً) لبلادنا وخصوصاً بلاد الشام والهلال الخصيب وحوض النيل، وهي ثابتة تاريخية لم تقوى كل التحولات التاريخية الكبيرة وكافة الحروب وتقلب موازين القوى ومعادلاتها على تغييرها على مدى قرونٍ عديدة.

■ ليست القومية العربية شوفينية ولا عنصرية كما يدّعي أعداؤها، بل تقوم على الشراكة والتآخي والمساواة مع كل الآخرين من إثنيات وأديان وقوميات في بلادنا في وطن واحد. فهي إذن مشروع إنساني بقدر ما هو قومي. ولا بد من التركيز على أهمية هذه النقطة لأنه ليس هناك تتناقض بين القومي والإنساني بل يكمل الواحد منهما الآخر.

لقد أكدت التجارب الأخيرة وخصوصاً الحرب على سورية على أهمية الأبعاد الإنسانية في وجهة الأفعال الوحشية والهمجية للجماعات الإرهابية المعادية للعروبة وللإنسانية لا في أفعال القتل والذبح وحسب، بل في ذبح الإنسان على هويته ومذهبه، وفي تدمير وحرق معالم التاريخ والتراث في سورية وقبلها في العراق والتي هي في الجوهر ملك للإنسانية جمعاء.

■ القومية العربية قوميتان لا بد من التمييز بينهما: قومية تدعيها الأنظمة وتتشدق بها لتوظيفها في تحقيق اهدافها ومكاسبها السياسية، وقومية الشعوب العربية وطبقاتها الشعبية التي تجسد مصالحها وطموحاتها في الوحدة والتنمية والحرية والعيش الكريم.

المحور الأول: التجزئة وآثارها على شعوبنا

 

خلفية تاريخية

هناك استفاقة على أن ما يحدث الآن هو سايكس – بيكو الثانية حتى كادت هذه المفردة تتردد على كل لسان. إلا أن هذا لا يعني أننا درسنا وفهمنا سايكس – بيكو الأولى، بل ان تاريخ القرن العشرين يثبت أننا لم نتعلم منها سوى القليل واننا كنا في سبات عميق. فمن المؤكد من تاريخ ذلك القرن هو أن مخططات الغرب الرأسمالي حيال بلادنا لم تتغير، وعليه يكون السؤال: هل تعلمنا نحن من عبر هذه التجارب، وماذا؟

لن نبدأ من محاولة محمد علي (1811) في اقامة دولة عربية موحدة، بل لنأخذ أحداث النصف الأول من القرن العشرين كمنطلق لحديثنا:

– اتفاقية سايكس – بيكو (مايو 1916) والتي تلاها بعد عام ونصف وعد بلفور (نوفمبر 1917).

– تقسيم بلاد الشام والهلال الخصيب.

– نكبة 1948 وقيام الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.

أما النصف الثاني من ذلك القرن فقد شهد:

– الاستقلال الشكلي للكيانات القطرية عن الاستعمار البريطاني – الفرنسي.

– التركة الاستعمارية المتمثلة في تبعية وعمالة الأنظمة العربية الحاكمة للغرب الرأسمالي.

– نهوض حركات الاستقلال والتحرر الوطني في الوطن العربي والعالم الثالث.

التجزئة هي السبب الأساسي في حالة العجز العربية

تركيزنا على التجزئة لا يعني استثناء او التقليل من أهمية العوامل الداخلية والخارجية الأخرى، ولا يعني انها (التجزئة) هي الوحيدة التي فرشت الأرضية للحراكات العربية، بل هي بدون شك سبب جذري لما آلت اليه اوضاع شعوبنا خلال العقود الأخيرة التي تفجرت في الانتفاضات الأخيرة.

جوهر التجزئة: ادامتها

جوهر التقسيم في سايكس-بيكو لا يقتصر على تجزئة بلاد الشام والهلال الخصيب واقامة الكيان الصهيوني، بل الأخطر ان الاستعمار (البريطاني – الفرنسي الكلاسيكي ولاحقاً الإمبريالية الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وعقود الحرب الباردة بين المعسكرين)، أن الاستعمار أسس لادامة هذا التقسيم وهو ما تمثل اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً ونفطياً ومالياً في بنى الأنظمة الحاكمة، وفي علاقتها بالغرب الرأسمالي وتبعيتها وعمالتها له مقابل حمايتها اولاً واستمرار حمايته للكيان الصهيوني ثانياً، وتآمره على الشعوب العربية والأنظمة العربية القومية وقواها القومية والتقدمية والاشتراكية والمعادية للإمبريالية، ثالثاً. ومن هنا نفهم لماذا عملت هذه الأنظمة دوماً على محاربة الفكر القومي العربي وكافة المشاريع والمساعي الهادفة للوحدة العربية والمناهضة للمؤامرات الصهيو-أميركية، وعلى تغييب البعد القومي لوجودنا وحياتنا وفعلنا الاجتماعي والسياسي. وقد جاءت وقائع أكثر من قرن لتأكد ان هذه الأنظمة عصية على العروبة وفكرها وهويتها وانتمائها، وهي التي تاريخياً وفي كل مواقفها ضد قضايا هذه الأمة وعملت ضد مصالح شعوبها.

من هنا، ومن هنا فقط، نفهم كيف عملت هذه الأنظمة وضخت المياردات من أجل حرف بوصلة حراك الشعوب العربية، وكيف نفسر دور قطر والسعودية في حرف بوصلة هذا الحراك والاستماته في تدمير سورية والامساك بمستقبل مصر.

كيف لا يكون هذا كله مؤامرة ضد العروبة ومزيداً من التقسيم والتفتيت لأوطاننا ومجتمعاتنا؟

 

نتائج التجزئة

 

للتجزئة معانٍ متعددة للتجزئة، نذكر فيما يلي بعض دلالاتها وتطبيقاتها العملية:

■ نشأة الكيانات القُطرية المسماة ب”الدولة القطرية” حيث اتخذ كل قُطر لنفسه مشروعاً قطرياً غايته الحفاظ على ذاته تحت غطاء استقلال الوطن والسيادة الوطنية.

■ تشوية البنية الجماعية للمجتمعات العربية وتمزيق نسيجها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي والجغرافي.

■ تخريب وتدمير الوعي القومي العربي ومنع تبلوره والحيلولة دون صوغ فكرة الجماعية العربية والانتماء والهوية الجمعية، وسنعود الى هذه النقطة لاحقاً.

■ استعصاء التنمية وبقاء مجتمعاتنا حبيسة التخلف الاقتصادي والاجتماعي بما فيه من فقر وجوع وجهل وانتشار الأمية وعدم الايفاء بالحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للمواطن العربي.

هكذا وقفت القطريات المحلية ضد فكرة القومية العربية الجامعة وضد المشروع القومي الجماعي العربي، بدل أن تكون هذه القطريات موحدة ومجتمعة ضد التجزئة والكيان الصهيوني والإمبريالية الغربية. وبدل أن تستخدم وحدة الشعوب واستثمار ثرواتها في انجاز التنمية الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية لمجتمعاتنا.

التجزئة وتدمير الوعي الشعبي القومي

أدت التجزئة الجغرافية السياسية الى نشوء كيانات قطرية (يسمونها أوطاناً) كما أسلفنا على أساس تغييب فكرة ومشروع وحدة الشعوب العربية كجماعة واحدة، أي أنها قامت على نقيض وحدة الشعوب، والسبب بالطبع واضح وهو ان هذه الوحدة هي النقيض المادي والتاريخي للاستعمار وهي الوحيدة الكفيلة بمحاربته وهزيمته. (أمثلة على هذه الكيانات: سورية، لبنان، الأردن…، وولاءات وطنية قطرية: الأردن أولاً، لبنان أولاً..).

على أرضية تدمير الوعي الواحد للجماعة الواحدة قامت أشكال وأنواع من الوعي متخلفة وظلامية تقاسمت حياتنا ووجودنا وهويتنا وانتماءاتنا على اسس دينية وطائفية ومذهبية.

 

هذا المناخ، مناخ التجزئة وآثارها، هو الذي شكّل التربة التي نمت فيها الانتفاضات الشعبية العربية خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة.

المحور الثاني: علاقة شعوبنا بالأنظمة الحاكمة

 

بين النكبة والهزيمة

لقد داهمت نكبة فلسطين عام 1948 شعوبنا في لحظة غفلة ولم تدرك هذه الشعوب (في فلسطين ومصر وسورية ولبنان والأردن على وجه الخصوص) ماذا حدث؟ وما هي أسباب النكبة؟ فوقفوا أمامها عاجزين عن الفعل والحؤول دون حدوثها.

سادت آنذاك مقولة خيانة الحكّام وتخاذل الجيوش العربية (مثال ذلك حكاية “ماكو أوامر” المنسوبة لضباط الجيش العراقي آنذاك)، ولكن وعي الشعوب العربية ظلّ قاصراً عن ادراك مسالتين هامتين:

– دور الحكّام العرب ومسؤوليتهم المباشرة في اقامة الكيان الصهيوني وليس مجرد خيانتهم أو تخاذلهم.

– أن الأنظمة العربية ليس مجرد أشخاص يجلسون في كراسي الحكم، بل هي بنى طبقية واجتماعية واقتصادية وسياسية.

شهدت الفترة الفاصلة بين نكبة 1948 وهزيمة 1967، تطورات كبيرة في البلدان العربية وفي العالم تجسدت في نهوض حركات التحرر الوطني وقيام أنظمة عربية قومية (مثل مصر وسورية والعراق)، وقوى وأحزاب قومية وتقدمية واشتراكية وشيوعية ويسارية من مختلف الأطياف والألوان.

في عام 1967 هُزم العرب ثانية، وكما في عام 1948 فرضت الإمبريالية الغربية شروطها واحتل الكيان الصهيوني من الأراضي العربية ما احتل، وكشفت الهزيمة عن ثغرات عميقة في البنى الاجتماعية والطبقية والسياسية في الأنظمة العربية الحاكمة.

تلت الهزيمة، وعبر عقدي السبعينيات والثمانينيات، أحداث كبيرة شملت سقوط الأنظمة العربية القومية والعديد من القوى والاحزاب والمنظمات القومية والاشتراكية والشيوعية واليسارية، لتزداد الأوضاع تفاقماً بعد سقوط الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي واستفراد القطبية الرأسمالية الأميركية بالعالم. كما شهد العالم صعودا للمد الإسلامي كانت ثورة الخميني وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران أحد دوافعه الرئيسية.

هكذ تبدلت معادلة الصراع وأطرافه وبدأ يأخذ أشكالاً مختلفة وأكثر حدة سواء في بلادنا أو في مناطق أخرى في العالم.

 

غياب الوعي

 

لم تدرك شعوبنا، خلال تلك المرحلة، ولم يستقر في وعيها الشعبي آنذاك، العلاقة الرابطة بين التجزئة ومن جهة وما آلت اليه الأوضاع في بلادنا من جهة أخرى، أي بين التجزئة من جهة، ونتائجها وآثارها على مجتمعاتنا من جهة أخرى، تلك الآثار التي تجسدت مادياً في خلق الكيانات القطرية العربية والتي تزامنت مع اقامة الكيان الصهيوني في فلسطين وكلها وُلدت من الرحم الاستعماري ذاته. كما أنها لم تدرك وظيفة هذه الانظمة وسياساتها ومسؤولياتها عما حدث في فلسطن، من جهة، وعلاقة ذلك بارتباطها وتبعيتها وعمالتها للغرب الرأسمالي من جهة أخرى. بعبارة أخرى، لم يصل الوعي الشعبي آنذلك الى ادراك أن هذه الأنظمة (التي خلّفتها خارطة سايكس – بيكو في بلاد الشام والهلال الخصيب) هي وليدة المخطط الإمبريالي ذاته الذي خلق الكيان الصهيوني في فلسطين، وأن هذه الأنظمة تابعة ومرتبطة بالسيد الإمبريالي ليس فقط من حيث نشأتها بل وفي قدرتها على البقاء، وأنها كالكيان الصهيوني تعتمد في وجودها وديمومتها على دعم وحماية الغرب الرأسمالي. وللسبب ذاته ظلت هذه الأنظمة تابعة للغرب وسياساته الاقتصادية الساعية لاحتجاز تنمية بلداننا ونهبها والهيمنة على مستقبلها، أما الغرب فقد عمل على حماية وجودها ووفر لها اسباب الاستبداد والفساد واستغلال شعوبها والحؤؤل دون تنمية مجتمعاتها اقتصادياً واجتماعياً وبشرياً.

في ظل هذه الأوضاع تفشى الفقر والجوع والجهل والأمية وكافة أشكال الاستغلال والاستبداد، وهي الأفات التي ثارت الشعوب ضدها خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة منذ ديسمبر 2010، وهي التي كانت الجذر الأساسي والسبب الرئيسي لهذه الانتفاضات.

هذا الادراك في عمقه الشعبي هو ما زلنا نراه غائباً الى حدٍ كبير في الحراك العربي، ومعه وبسببه غاب البعد القومي العربي عن العديد من مشاهده.

بيت القصيد: هو في هذه المفارقة وتأخر نضوج الادراك والوعي الشعبي، رغم تناميه بعد هزيمة 1967، في أن الأنظمة الحاكمة وبناها ونخبها السياسية والثقافية، (والتي هي احد نتائج التجزئة الاستعمارية الكارثية)، هي المسؤولية عن النكبة والهزيمة ومجمل الأوضاع المتردية في مجتمعاتنا وأن هذه المسؤولية لا تقع الصهيوني والإمبريالية وحدهما، اضافة الى ادراك أن المسؤولية لا تقع على شخص الحاكم فقط وإنما هي جوهر وبنية نظام الحكم الطبقية والاقتصادية والاجتماعية.

:::::

* محاضرة أقامتها نقابة الصحفيين العرب الامريكيين في لوس أنجلس، الولايات المتحدة  بتاريخ 30 كانون الثاني (يناير) 2014