العروبة بعد ثلاث سنوات من الحراك الشعبي العربي

(الجزء الثاني والأخير)

مسعد عربيد

 

عالجنا في الجزء الأول من هذه المحاضرة محورين: تناول الأول منهما مشروع التجزئة وآثاره على شعوبنا بما هو نقيض لمشروع الوحدة العربية، ولماذا أوصلنا الى ما نحن عليه، فيما تناول المحور الثاني علاقة شعوبنا بالأنظمة الحاكمة والتي هي نتاج للتجزئة وضمانة ديمومتها.

وسوف ننتقل في هذا الجزء الأخير الى محاولة تشخيص واقع الانتفاضات العربية والتي تشمل السمات العامة للمرحلة الراهنة وتقويم ما أنجزته هذه الانتفاضات، لنصل في الختام الى مناقشة غياب المسألة القومية واسبابها.

 

المحور الثالث: تشخيص الواقع الراهن

 

أ) السمات العامة للمرحلة الراهنة

 

1) عدم جاهزية الشعوب وطبقاتها الشعبية – الفقيرة والمحرومة وصاحبة المصلحة الحقيقية في تغيير الأوضاع وتقويض الأنظمة العميلة – عدم جاهزيتها لقيادة الانتفاضات ومتطلبات المرحلة بسبب غياب العوامل الذاتية: ضعف التنظيم الذاتي للجماهير (أحزاب، تنظيمات سياسية واجتماعية..) وغياب القيادة الشعبية والثورية وعدم ونضوج الرؤية ووضوح المشروع والبرنامج النضالي البديل.[1]

2) سرقة الانتفاضات العربية: مهد غياب العوامل الذاتية اآنفة الذكر لامتطاء قوى الثورة المضادة للحراك العربي وحرفه عن مساره وأهدافه. وقد رأينا كيف قفزت هذه القوى الى الميادين بكل وحشية وسفالة واستماتة من أجل الاستيلاء على السلطة. وقد تيسر لها ذلك لأنها كانت أكثر جاهزية بفضل تجربتها وقدراتها التنظيمية (مثل الاخوان المسلمون).

وتتكون قوى الثورة المضادة من قوى محلية عربية (قوى الدين السياسي أو ما يسميه البعض الإسلام السياسي والقوى الليبرالية الانتهازية وحتى بعض القوى اليسارية)، وأنظمة عربية عميلة مرتبطة بالإمبريالية ورأس المال الغربي (مثل السعودية و قطر وغيرهما)، قوى ودول اقليمية (مثل تركيا) وقوى وحكومات الغرب الرأسمالي، وكلها تصطف بانتظام تحت إمرة الإمبريالية الأميركية.

لم يكن كل هذا طفرة أو مجرد صدفة تاريخية، بل جاء على أرضية تطورات عميقة وهامة في مجتمعاتنا وثمرة مخطط مدبر يستند على ركائز وجذور طبقية واجتماعية وسياسية وثقافية جئنا على ذكر بعضها.

3) رغم الانجازات السياسية في تحققت في تغيير الأنظمة الحاكمة، ورغم جسامة التضحيات والبطولة الأسطورية للجماهيرالعربية، فان هذه الانتفاضات لم تحقق الأهداف الرئيسية التي قامت من أجلها أصلاً وهي تغيير الأنظمة التابعة والعميلة والمستبدة وتبلور مشروع اجتماعي – طبقي – اقتصادي ثوري بديل يحقق العدالة الاجتماعية والمطالب الشعبية الاجتماعية والاقتصادية. ولا ينطوي هذا الاستنتاج على مغالاة أو نظرة تشاؤمية، بقدر ما يقوم على معاينة للواقع القائم واستقراء المحطات الفاصلة في مسيرة الحركات الاحتجاجية وانجازاتها.

4) ثغرات هائلة في الوعي الشعبي

 

■ غياب الوعي القومي بضرورة النضال من أجل الوحدة العربية وعلى أرضية الفكر والمشروع القوميين، وعدم الربط بين النضال القومي والمحلي في كل قطر عربي.

■ افتقارنا الى منظومة مفاهيمية في الحكم والمواطنة وحقوق المواطن والمساواة والحرية.

■ الفشل في الفصل بين الإنسان والدين، والمجتمع والدين، وبين السلطة والدين.

■ انبطاحنا أمام غزوة ثقافية معولمة أصابت شعوبنا بسهام قاتلة أكثر من آية شعوب أخرى، وهي غزوة طالت مفاهيمنا وقيمنا، ما صلح منها وما فسد، فدمرتها وأحلت مكانها قيم ثقافة رأسمالية استهلاكية أميركية لا تفهم، وليست معنية أصلاً بان تفهم أو تقبل الآخر ولا تعير أهمية لتلاقح الحضارات الإنسانية وتكاملها بين بعضها البعض، ثقافة لا تفهم سوى محو الأخر، ناهيك عن أنها دخيلة على مجتمعاتنا وقيمنا وتراثنا وغريبة عن الذات العربية، تفصلنا عنها مسافات ضوئية من حيث تاريخنا وسياقنا والمكونات التي تجعل منا ما هو نحن.

■ وهن الانتماء الى الجماعة والهوية الجمعية ونمط التفكير الجمعي: وهو خلل ومفارقة نلحظها هنا في المهجر كما في الوطن: نجاح الفرد العربي (وهو في الغالب النجاح المادي) وتقدمه، مقابل تخلف المجتمع والكل الجمعي وضعف انتماء الفرد لاشكال العمل الجمعي الذي يعمل على تقدم الجماعة وخيرها وتحقيق مصالحها.

 

5) تميّز موقع الوطن العربي

 

تتميز بلادنا في العديد من خصوصياتها أهمها ثلاث:

أ) زمانياً أي تميز دور بلادنا في هذه المرحلة وفي سياق التاريخ البشري؛

ب) وجغرافيا اي في الموقع الاستراتيجي والثروات؛

ج) وحضاريا اي مساهماتها في نشأة وتطور الحضارات الإنسانية.

ولا أقصد هنا تكرار هذه المقولة على نحو شاعري أو رومانسي بقدر ما هي خاصية مميزة والتي، على الرغم من كثرة ما قيل وكتب فيها، لم نعي تماماً معانيها ودلالاتها الإستراتيجية. ما اقصده هو ان منطقتا التي تحتضن الوطن العربي اذا ما تغيرت فسوف يتغير العالم من حولها وبتأثيرها (انظروا سورية)، أي أن أي تغيير في منطقتنا سوف يحمل في ثناياه وسيصاحبة ويلحق به تغيير في العالم باسره. ولعل هذا ما يفسر نضوج وتزامن الأحداث العربية والعالمية في الأعوام الثلاثة الأخيرة وما تمخض عنها من تطورات اقليمة ودولية (صعود الدور الروسي والصيني، تطور العلاقة بين الغرب وإيران، تنامي دور دول البريكس، ظهور وتنامي المحاور والتحالفات والقطبيات الاقليمية والكونية).

 

6) طبيعة التناقض القائم: يتميز صراع الشعوب العربية وغيرها من بلدان العالم الثالث بأنه لم يكن بين الشعوب وحكامها فحسب، بل هو ضد مَن يقف خلفهم أيضاً وبهذا اتخذ هذا الصراع أبعاداً عالمية وأصبح جزءً من الصراع الدولي.

 

7) تسعير الفتنة الدينية والمذهبية والطائفية

 

صحيح أن الخلاف بين مذهبي الإسلام، السنة والشيعة، بدأ أثناء خلافة عثمان (عام 29 هجرية 650 ميلادية)، وما زال محتدماً حتى يومنا هذا، وأنه أخذ ينذر بفتنة دموية ستأتي على الأخضر واليابس خصوصاً في بلاد الشام والهلال الخصيب. ولكنه ليس صحيحاً أن أسباب احتدام وادامة هذا الصراع، الممتد على مساحة أربعة عشر قرناً، هي أسباب دينية وفقهية محضة، بل لا بد من التأكيد أن ضعف المشترك القومي والوطني أتاح المجال لتعميق ظاهرة التمذهب والفتنة والاحتراب التي نشهدها اليوم، وهو الذي سمح لهذه الظاهرة بالبقاء والتفشي وخلق البيئة الحاضنة لتعميق المشترك الديني والمذهبي وتشدده كونه الخيار الوحيد المتاح، على حساب المشترك القومي والجمعي. كل هذا أتاح لقوى الثورة المضادة المحلية والدولية استخدام التمذهب واستثماره للعب على أوتار الفتنة المذهبية والدينية والطائفية.

كما لابد أن نشير الىحقيقة هامة وهي أن هذا الصراع اتخذ شكلين متناقضين: تمذهب تكفيري وإلغائي للآخر، وآخر داعم المقاومة العربية، لا يعادي المذاهب الأخرى بل هو وقف في المعركة ضد العدوان الصهيوني في لبنان وفلسطين المحتلة وهو اليوم يدعم الصمود السوري ضد الحرب الكونية على سورية.

 

الإمبريالية الأميركية وعسكرة التمذهب

 

الوهابية بطبيعتها وبموجب فكرها تكفيرية ومعادية لأي مذهب أو فكر قومي آخر. وهي حركة نزعت منذ نشأتها الى اقامة سلطتها ودولتها وسعت نحو التوسع السياسي والجغرافي والفكري الى ما هو أبعد من شبه الجزيرة العربية والخليج أي نحو الشمال: بلاد الشام والهلال الخصيب.

التقطت الإمبريالية الأميركية، وهي التي تدرس دوماً وتحلل كل تفاصيل فكرنا وواقعنا وحياتنا، التقطت هذة العقيدة التكفيرية ورأت فيها أداة فعّالة خصبة يمكنها توظيفها في استراتيجيتها كوسيلة لتحقيق لمخططاتها وخدمة غاياتها، بداية في حربها الباردة مع الاتحاد السوفييتي منذ أواسط الثمانينيات في افغانستان، ثم استمرت في استثمارها حتى يومنا هذا. باختصار وجدت الولايات المتحدة ضالتها في التنظيمات الوهابية التكفيرية المسلحة كأداة فعالة في تحقيق أهدافها، ناهيك عن مرونتها في التحرك والتنقل بين المجتمعات، وقدرتها الدموية المتوحشة على البطش والقتل والهدم واجتثاث اي فكر آخر وهوية أخرى ومحو أي تاريخ أو تراث لهذا الآخر.

ب) تقويم الواقع

■ لا خلاف على أن أسباب وجذور الحراك الراهن، هي في الجوهر والأساس أسباب طبقية – اقتصادية – اجتماعية (الفقر والجوع وانعدام العدالة الاجتماعية…). وهذه الأسباب كما رأينا متداخلة مع عوامل سياسية – جغرافية تضرب جذورها في حالة التجزئة وتقسيم أوطاننا، أسس لها الاستعمار ولم يتوقف عن العمل على تعميقها وترسيخها من خلال أنظمة التبعية والكيان الصهيوني وفرض النموذج النيوليبرالي على هذه البلدان والذي عصف باقتصاداتها ودمرها كما دمر العديد من اقتصادات ومجتمعات العالم الثالث.

■ حققت الانتفاضات العربية انجازات وتغييرات سياسية هامة، وكسرت حاجز الخوف والجمود الشعبي الذي وسم العقود السالفة، وسطر بطولات جماهيرية اسطوريه، إلا انها تميزت بعدم توفر العناصر الكفيلة بنجاحها واكتمالها الى ثورة شاملة لأسباب عديدة أهمها أن الثورة هي تغيير جذري في السلطة الحاكمة وبناها الطبقية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بينما ما حدث حتى اللحظة في بلدان الانتفاضات العربية لم يرق الى تغيير جذري ايجابي في الأنظمة والمنظومة الحاكمة وبناها السياسية والطبقية وفي التبعية للخارج ولا الى طرح البديل الثوري.فقد غيروا الأشخاص ولكن المشكلة لم تكن في الأشخاص أصلاً.

■ وكان من نتيجة هذا كله، أن الانتفاضات سعت الى التغيير، ولكنها لم تحدد بوضوح ولم تنتج رؤية متكاملة لما تريده وما ترفضه، وما هي البرامج النضالية اللازمة للوصول الى هذه الغاية. فعلى سبيل المثال، كان من الضرورة تحديد:

المطلوب في وحدة الشعب، وحدة تراب الوطن، السيادة الوطنية والاستقلال الوطني،، العدالة الاجتماعية بما هي في الأساس الايفاء بالاحتياجات الأساسية للمواطنين.

والمرفوض: كل أشكال التبعية والتدخل الأحنبي وأكثرها خبثاً التدخل تحت مظلة الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والطفل والمرأة وغيرها من الشعارات التي يدعيها الغرب ويدعي أنه يعمل على تعزيزها في مجتمعاتنا، والتي أصبحت سلاحاً للثورة المضادة (الشرعية في مصر… شرعية الاخوان)

■ معايير النجاح والفشل: ساد في تقويم الانجازات معيار الحسابات السياسية، في حين فشلت الانتفاضات في تحقيق المطالب الشعبية الساسية والجذرية، أي أن المعيار كان: ماذا يكسب السياسي وماذا يخسر؟ وليس ماذا يكسب الشعب والمجتمع والمواطن وماذا يخسر؟ وهو خلل ناتج عن غياب الرؤية الثورية الجذرية الشاملة والقايادة الشعبية والثورية وعن نمط في التفكير والسلوك السياسي والاجتماعي. لهذا كان التقدم أو التأخر، التنمية أو التخلف، يُقاس وفق معيار الانتصار السياسي والمنظومة السياسية والحزبية والنظام الحاكم، وليس انتصار الشعب ومكتسباته وتحقيق مطالبه.

■ امتطاء الحراك الشعبي: وقد سبق وتحدثنا عنه.

المحور الرابع: المسألة القومية

غياب وتغييب

 

ليس سراً أن قوى الثورة المضادة تعادي الوحدة والقومية العربية فكراً ومشروعاً وتعمل على اجتثاث الخطاب الوطني والقومي العروبي وانكار القوى والأفكار والهوية الوطنية والقومية كي تنشر، بالمقابل، الدعوة بالخلافة الإسلامية والدولة الإسلامية.

وليس سراً أنه بموازاة الحراك الشعبي الجارف والأسطوري، كان هناك حراك آخر سبق انتفاضة بوعزيزي، وإن كان خفياً في بعض الأحيان، وهو حراك الثورة المضادة بقواها المحلية وأسيادهم الخارجيين والذين يريدون حرف بوصلة هذا الحراك وتوجيهه لخدمة مصالحهم وأهدافهم من خلال أدواتهم المحلية والتي تركزت في قوى الدين السياسي، تلك المصالح التي تمثلت في المزيد من التمزيق للمجتمعات العربية ومعاداة القومية العربية وفكرها ومشروعها.

وهكذا نجحت الثورة المضادة بعد ثلاثة أعوام في امتطاء الحراك العربي وتوجيهه بوصلته بعيداً عن المطالب الشعبية والطبقية والاقتصادية والاجتماعية.

لم تحتل القومية العربية إذن، موقعها الطبيعي والمركزي الجديرة به في الحراك الشعبي العربي ولم تحظى بالحضور الذي يليق بها، وكذلك غابت القضية الفلسطينية غياباً شبه تام، وهما (القومية العربية والقضية الفلسطينية) مقياس واحد ووجهان لمسألة واحدة.

أليس من مفارقات التاريخ، بل تناقضاته، أن تتراجع قضايا الأمة المركزية في زمن تتفجر فيه حركة الجماهير وتتدفق الملايين الى الشوارع؟

ألا تتساءلون مثلي: كيف أضحت تركيا قبل سورية، وافغانستان قبل فلسطين؟

وماذا جرى لاتفاقية كامب دافيد بين مصر والكيان الصهيوني؟

ألا نشهد هذه الأيام، بعد ثلاثة أعوام من الانتفاضات، لحظة السعي الحثيث نحو تصفية القضية الفلسطينية وحق العودة عبر ما يسمى ب”المفاوضات”، في حين بلغ استيطان فلسطين وتهويدها حدوداً خيالية.

لماذا غابت العروبة؟ ولماذا غًيبت؟

من أهم أسباب هذا الغياب:

■ استفحال الثقافة القطرية التي أسست لها الدولة القطرية (الكيانات القطرية).

■ استقواء مثقفي القطرية واصطفاف الكثيرين منهم في جبهة معاداة الخطاب القومي العربي وزعم بعضهم ان القطرية هي “المدخل الطبيعي” للدولة القومية.

■ هزيمة القوى القومية والشيوعية واليسارية والتقدمية وحتى العلمانية ثقافياً وسياسياً ومعنوياً وعجزها عن التقاط اللحظة التاريخية والسياسية وقيادة الشارع وطرح البديل.

■ وجود فراغ اجتماعي وسياسي وثقافي ملأته ثقافة الدين السياسي بما فيها التيارات الوهابية والسلفية والتكفيرية، مما أتاح الفرصة للقوى المنظمة اي قوى الدين السياسي لأخذ المبادرة وامتطاء الحراك الشعبي وقيادته، ومن أهم ما يميز هذ القوى:

● أنها لا تؤمن بالوطن وتدعي أن الدين هو وطنها والخلافة الإسلامية هي غايتها.

● وأن خطابها الاقتصادي ذو توجهات راسمالية متخلفة واستغلالية لن تلبي الاحتياجات الأساسية للشعوب العربية وفقرائها ومهمشيها. أما خطابها الاجتماعي فهو رجعي ومتخلف وظلامي يأخذ بالمرأة والطفل والمجتمع بأسره الى القرون الوسطى.

● هذه القوى لا تعادي الإمبريالية رغم ادعاءاتها ورطانتها السياسية الكاذبة التي تملأ بها فضاءنا وفضائياتنا، بل كانت على مدى القرن العشرين حليفة للاستعمار الأوروبي ومن بعده الإمبريالية الأميركية.

● كما ان هذه القوى لا تعطي فلسطين وتحريرها أولوية رغم شعاراتها التي لا تتوقف في الدعوة الى الجهاد في فلسطين وبأن فلسطين وقف إسلامي.

■ بالإضافة الى هذا الفراغ في الشارع العربي، فان خطورة قوى الدين السياسي تكمن في أنها مرشحة للصعود والتنامي. فهناك العديد من الأسباب التي تيسر لها أن توسع رقعتها الشعبية والتصدي لقيادة الشارع، ومن أهم هذه الأسباب:

● بساطة الثقافة الدينية وقربها من العقل العربي الديني والمتدين بشكل عام

● وجود جمهور واسع من الأميين والغيبيين والفقراء

● غياب طبقة عاملة صناعية لغياب التصنيع ورسملة حقيقية بالمعنى الصناعي

● دعم الريع المالي من دول النفط وضخ الأموال الهائلة من أجل تجنيد ابناء الشعوب العربية في جماعاتها التكفيرية المسلحة

■ تفشي ثقافة الفردانية والخطاب اللبرالي الغربي في مجتمعاتنا بمستوياته السطحية وتأثيراته التي لم تأخذ من الغرب سوى الفتتنان به وبمظاهره.

■ هيمنة العولمة الرأسمالية والإمبريالية الأميركية وغياب القطبيات الأخرى وهو ما عزز الدولة القطرية وخاصة النفطية وغطى على عيوبها وتخلفها.

■ التكفير بالسرديات الكبرى مثل الاشتراكية والديمقراطية لحاقاً باطروحة نهاية التاريخ وموت الاشتراكية وفوز الرأسمالية زعيمة وحيدة للعالم وللتاريخ أيضاً، وتأثيرات هذا كله على الخطاب السياسي والثقافي العربي.

■ غرق كل قطر عربي في إشكالات ومشاكل هائلة تملأ الحياة اليومية للمواطن وتمس وجوده الفيزيائي وتهدد مستقبله.

■ التقاطع وربما التحالف وتلاقي المصالح بين المذهبية والطائفية والريع النفطي والكمبرادور.

 

استشراف المستقبل

بعد هذا كله، ماذا نقول للأجيال القادمة؟ لأجيال أبنائنا وأحفادنا؟

ليس هذا شطط في الخيال، بل هو اقرار بمسؤوليتنا الأخلاقية والإنسانية.

صحيح أنه ليس لنا من سببٍ كي نتغنى براهننا المؤلم، ففيه ما يدمي القلب والضمير والعقل الشي الكثير، ولكننا لن نتباكي لا على الحاضر ولا على المستقبل. فالتناقضات على كافة المستويات ما زالت محتدمة، لذلك فسوف تستمر حركة التاريخ والشعوب، ولا بد للحراك الثوري أن يستمر وأن يتجذر، ولذلك فالمعارك قادمة وهي كثيرة ومتعددة الألوان، وستكون معارك دموية وامتدادات لمعارك خضناها من قبل وما زلنا.

كثير من هذه المعارك ليست معاركنا وسوف تلهينا عن معاركنا الرئيسية ولكنها ستُفرض علينا شئنا أم أبينا: سيتقاتل السني والشيعي والمسيحي والمسلم، وسيقاتل الجار جاره … الخ.

خلف كل هذا يقف غياب البوصلة الوطنية والقومية والإنسانية، والتيه في سراديب العصبيات المذهبية والطائفية.

إلا أنها معارك ستكتب تاريخنا، أوليس بالدم يُكتب تاريخ الشعوب؟ ومتى كان العرب استثناءً؟

شاطئ المستقبل يلّوح لنا بكثير من الأمل والتفاؤل.

أمل بتراكم الوعي الشعبي العربي بان النصر لن يكون حليف شعوبنا إن هي لم تتوحد وترص صفوفها.

أمل بتأصيل الوعي بان شعوبنا تخوض حروباً متعددة لا حرباً واحدة، وأن جبهة الأعداء ثلاثية لا فصل بين مكوناتها: الأنظمة القُطرية العميلة والمرتبطة بالسيد الإمبريالي الغربي، والكيان الصهيوني، والغرب الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة.

آمل بانتصارات على الأرض وفي الميادين.

أمل بعودة مصر لتتصدر أمتنا.

أمل بصمود سورية وانتصارها ومعها قوى المقاومة والممانعة ولتظل قلب العروبة النابض. أقول سورية لأنها الحلقة المركزية في هذه المرحلة من الصراع القائم والمحتدم في بلادنا منذ عقود، وهو صراع تناحري بين مشروعين: المشروع العربي القومي النهضوي، والمشروع المعادي، أي مشروع الهيمنة الإمبريالية على بلادنا وتفتيتها ونهب ثرواتها وهو المشروع الصهيوأميركي وأدواته المحلية.

أمل بقطبيات وتحالفات وعلى كافة المستويات العربية والاقليمية والدولية تفتتح فصلاً جديداً في تاريخ الإنسانية.

بهذا الأمل نحيا ومن أجله نعمل ونثمر.

::::::

* محاضرة أقامتها نقابة الصحفيين العرب الامريكيين في لوس أنجلس بتاريخ 30 كانون الثاني (يناير) 2014