حزب الله من مارون الراس إلى القلمون

ثريا عاصي

         سؤال، هل يساعد المستعمرون الإسرائيليون  ثوار أمراء النفط في سوريا ؟ الإشكال كبير. فإجابات  جهابذة التحول الثوري في سوريا صارت معروفة وممجوجة.. كثيرون من بينهم كانوا ضد الحرب الأميركية على  العراق. لماذا  بدلوا وراحوا يبررون مثل هذه الحرب على سوريا ؟!

          من البديهي أن المنطق والجدية لا يجيزان طرح أسئلة أو الدخول في حورات مع “الثوار” المذكورين أعلاه. لأن كلمة الفصل تعود بحسب فهمهم للرسالة التي بشر بها محمد بن عبد الله، إلى ولاة أمرهم وإلى القضاة في محاكمهم الشرعية.  أتجادلون علماءكم !

          لم يبق إذن إلا أن نستقصي بأنفسنا نحن الذين نشكك في أمر هذه الثورة، البحث في مسألة الإعتداءات والغارات الإسرائيلية المتكررة بالتلازم مع تحركات الجماعات المسلحة في سوريا  تحت عنوان الثورة والديمقراطية وكفاح المرتدين ونصرة الدين الحنيف، إلى ما هنالك من شعارات  وأقاويل كاذبة  لن تمحوا من الذاكرة صور الإعدامات رميا بالرصاص والذبح وبقر البطون على  قارعة الطرق وفي الساحات العامة..

          إذا كان المستعمرون الإسرائيليون يحاولون إستغلال فرصة انشغال حزب الله في المعارك الدائرة في سوريا، فما الفرق بينهم وبين العصابات الإرهابية كتلك التي تسمى “عبد الله عزام” أو جبهة النصرة، التي ترسل السيارات المعبأة بالمواد المتفجرة عقابا للناس في ضاحية بيروت الجنوبية بما هي حاضنة لهذا الحزب، كما يزعمون ! ما الفرق أيضا بين المستعمرين الإسرائيليين من جهة وبين الذين يختلقون الأزمات في الداخل اللبناني ولا يتركون مناسبة أو وسيلة من أجل شحن الناس بالكراهية وتصعيد درجة الإحتقان العصبوي الا ويستخدمونها، تارة يريدون سيادة لبنان وهم ليسوا أسيادا حتى على أنفسهم، وتارة أخرى يريدون نزع سلاح المقاومة وهم الذين سيـّبوا البلاد فعربد المستعمرون الإسراييليون على الناس وأملاكهم.

          هل بعد الغارة التي نفذها الطيران الحربي الإسرائيلي في 24  شباط 2014  من شك في أن الإسرائيليين يقفون إلى جانب أعداء حزب الله في سوريا وفي لبنان ؟ يساعدونهم ويحاربون معهم ! ولكن أي منطق هذا الذي يجيز لنا أن نقول أن الإسرائيليين يدعمون الثورة في سوريا ؟  يقومون بتدريب عناصرها، يقدمون لهم السلاح والذخيرة والعلاج، يمدون لهم يد العون عندما  يكونون في وضع حرج في ميدان القتال !  ينبني عليه أننا لسنا حيال وضع يمكن أن ينعت بالثورة، ولكن نحن حيال حرب حقيقية ضد سوريا. هذا ما يفسر مشاركة المستعمرين الإسرائليليين فيها.  كل كلام خارج موضوع هذه الحرب العدوانية صار من وجهة نظري نوعا من الهرطقة والجعجعة.

         لقد وضعت الغارات الإسرائيلية ضد مواقع الجيش العربي السوري وحزب الله، نقطة  نهاية للسجال الدائر وسط ضبابية مصطنعة، حول تعريف مايجري على الأرض السورية. فضح  المستعمرون  الإسرائيليون من خلال ظهورهم في المشهد السوري، طبعا لغاية في نفس يعقوب وأكاد أن أقول كالعادة إنطلاقا من العلاقة بين المـُشغـِّل والعميل، الثورة المزعومة بما هي حرب يراد منها تعطيل المشروع الوطني السوري.

          مجمل القول، ان حزب الله يقاتل في سوريا ضد حلفاء إسرائيل. ينجم عنه أن هذه الأخيرة تضطر أحيانا إلى التحرك مباشرة، بواسطة سلاحها الجوي، لنجدة هؤلاء الحلفاء. لا أظن أن في هذه الخلاصة تجنيا على أحد، أو أنها تحتاج إلى برهنة. بمعنى آخر يشمل ميدان المواجهة مع المستعمرين الإسرائيليين سوريا ولبنان بالإضافة إلى فلسطين !

          من البديهي أن مواقف المتحاربين في سوريا ولبنان بوجه خاص، سوف تتأثر بمقتضيات هذا الإستنتاج، كل بحسب رؤيته وإدراكه لموقعه الى جانب المستعمرين الإسرائيليين أو ضدهم. بالإضافة طبعا إلى ضرورة الملاءمة بين القدرات من جهة وطبيعة المنازعة وشروطها من جهة ثانية.

تكشفت الأمورُ الآن جميعها، فصار حيز الخداع والكذب ضيقا، وصار الكلام عن الإعتدال والحياد مهزلة. فانت مناهض  للمستعمرين أو عون لهم، بعلمك أوبغير علمك، شئت ام  أبيت !

          يبقى أن نقول في سياق هذا الإستعراض الوصفي للأوضاع أنه من  المرجح، إستنادا إلى ما يتناهي الى العلم عن حشود عسكرية واستعدادات في شمال الأردن تمهيدا لغزو سوريا، أن تجري محاولة أخيرة لاحتلال الشام، عاصمة الدولة بقصد الوقوف على أرضية تسمح بإعلان شرعية سورية جديدة، كما يحدث في الراهن في أوكرانيا بعد السيطرة على العاصمة كييف. لا شك في أنه سيكون للإسرائيليين دور بارز على هذه الجبهة الجنوبية. وبناء عليه أغلب الظن أن كلام رئيس حكومة المستعمرين نتانياهو عن “مملكة سوريا” إنما يدل على وجود خطة إسرائيلية ـ غربية تشمل بالإضافة إلى جنوب سورية، الأردن وفلسطين ! السؤال هنا هل ان الأردن وسوريا ولبنان والعراق يشكلون بيئة صالحة لشن حرب أميركية على سورية كمثل حرب الكونترا ضد نيكاراغوا في أميركا اللاتينية في الثمانينات ؟

          وفي السياق نفسه، ليس مستبعدا أيضا أن تنتهي الحرب على سوريا كما انتهت حرب تموز 2006  ضد حزب الله.  بمعنى آخر أن تتمكن الدولة السورية من المحافظة على التراب الوطني وعلى وحدة المجتمع الوطني السوري أو بالأحرى على إعادة اللحمة بين أجزائه. سنعد ذلك إنتصارا، لأن هدف الأعداء هو محونا من الوجود.  ولكن سيخرج السوريون من هذه التجربة  المريرة، مرهقين ضعفاء وسيكون عليهم إعادة بناء بلادهم لتي تهدمت وتوفير المأوى للذين  هجروا وفقدوا منازلهم، فضلا عن وجوب استخلاص العبر من الأخطاء التي ارتكبوها ومن الثغرات “السورية” التي تغلغل منها الأعداء إلى الداخل السوري… هل سيكون ذلك ممكنا؟

لا شك في أن حزب الله الذي نجح في تموز2006 في تنظيم مقاومة باسلة ضد الاسرائيليين، ثم نجح إلى حد ما، في إعادة الإعمار، لم يحقق كما يبدو نفس النجاح في المرحلة الثالثة أي في استخلاص العبر وسد الثغرات التي يتسلل منها الأعداء إلى الداخل. أن هذا الحزب يواجه مرة ثانية، نفس الأسئلة التي يواجهها السوريون، كيف يبقى، كيف يعيد بناء قواته، وكيف يستفيد من دروس الحرب ؟

مهما يكن أن الحرب تدور على أرضنا. كلما طالت الحرب تزايدت نفقاتها دماء وخرابا..