ثورات حكومات الغرب المفترسة !

ثريا عاصي

      كأن عدوى الثورة والعطش للديمقراطية إنتقلا من سوريا إلى أوكرانيا، قاطعين تركيا والبحر الأسود . لم نسمع أن الحكم في أوكرانيا مذهبي على أحد المذاهب الإسلامية . كيف نفسر إذن وجود أوجه شبه عديدة بين الحرب على سوريا من جهة وبين الأزمة في أوكرانيا  من جهة ثانية . رغم التسليم بأن الإنقسامات والخلافات في المجتمعات المتحضرة العقلانية لا تكون عادة دائمة بعكس المجتمعات البدائية والعصبوية . الأولى تجد حلولا لأزماتها أما الثانية فكلما تقدمت خطوة تراجعت خطوتان .

          أنبأت وسائل الإعلام، بتاريخ 21 شباط فبراير 2014، بأن معارك دارت في العاصمة الأوكرانية كييف وفي مناطق أخرى من البلاد، يمكن أن تنعت بالعسكرية . أن استخدام الأسلحة النارية لم يعد حكرا على أجهزة الأمن وحدها . فلقد هاجمت جماعات من المعارضة مراكز الشرطة وبعض المواقع العسكرية واستولت على عتاد عناصرها . من يدري ليس مستبعدا أن تكون سيرورة  الإنشقاق في صفوف الأجهزة الأمنية قد انطلقت . إنتظروا الجيش الأوكراني الحر !  لم يمض  بعدُ،  وقت طويل على “غزوة فولغوغراد” الإسلامية الأصولية، بقصد الإخلال بالأمن ومنع الألعاب الأولمبية الشتوية في روسيا، إحتجاجا على دعم الأخيرة لسوريا . علت في الأيام القليلة الماضية كرجع صدى، أصوات متعهدي ثورات الحكومات الغربية المفترسة في بلاد العرب، تطالب بالإنسحاب من الألعاب الأولمبية المذكورة ومقاطعة روسيا لأنها تقف إلى جانب أوكرانيا .

          تجدر الإشارة هنا، إلى أن “المعارضين” في أوكرانيا هم الذين يبادرون إلى الهجوم على قوات الأمن، وأن الأخيرة في موقع الدفاع عن النفس . يبدو أن الذين  يناوشون ويستفزون هم ذوو  خبرات عسكرية وتجربة في فن المشاغلة والإرباك ونشر الفوضى وإحداث أعلى درجة ممكنة من الضجيج بقصد الدعاية .

          أما الغاية من هذه الحرب الجديدة في أوكرانيا، فيمكننا قراءتها بسهولة في ثنايا المشهد السوري الذي تكوّن ويكاد أن يكتمل، خلال السنوات الثلاث الماضية . هي تقسيم المجتمع الوطني، ليس على أساس سياسي ديمقراطي بين معارضة أقلية وسلطة منتخبة ديمقراطيا في أوكرانيا،  تحظى بالتالي بتأييد أكثرية السكان، ولكن عن طريق إفتعال صدامات تتسبب بسفك الدماء والدمار على نطاق واسع، حتى يتحول الإختلاف السياسي إلى عداوة ما تلبث أن تتطور إلى إحتراب بين فريقين يستقوي كل منهما بحلفاء أجانب . البادئ أظلم !.

          من نافلة القول أن الإحتراب الداخلي يؤدي إلى زعزعة ركائز الشرعية الوطنية، بصرف النظر عن طبيعة الحكم . ينجم عنه أن كل طرف من أطراف المنازعة يدعي أنه أحق من الآخرين بالشرعية . علما أن الصراع على إقتسام الشرعية الوطنية يعني ضمنيا إلغائها وسحب غطاء القانون الدولي عن الكيان الوطني، أي تسييب البلاد أمام الحكومات الغربية المفترسة . القانون يحمي وطن الفقراء . الأغنياء ليسوا بحاجة لوطن، بل هو عبء عليهم . تبادر الحكومات المفترسة   إلى إعلان الثورة في وطن الفقراء وتشكل مجالس حكومية إنتقالية أو إئتلافات للمعارضة، تضم عملاءها . ثم يبدأ الإعداد لدستور جديد ولقوانين جديدة، تحت إشراف حاكم أجنبي ( بول بريمر ) أو وسيط دولي (الأخضر الإبراهيمي) .  تلي ذلك مرحلة يجري فيها أمران أساسيان بحسب خطة  إمبريالية باتت معروفة : إلقاء القبض على الحكام السابقين بتهمة “قتل الشعب وهدم البلاد” وإخضاعهم لمحاكمة إستعراضية، إنتقاما وتأجيجا للضغائن (إعدام صدام حسين صبيحة يوم عيد الأضحى) هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية تقضي نفس الخطة أيضا بإجراء إنتخابات على قاعدة القوانين الجديدة لإنتاج حكم يدعم الفرقة ويشجعها ويمنع التئام وحدة المجتمع . أي إلى إخراجه من الحضارة . فتتحول البلاد إلى أرض بورٍ أو إلى غابة !

  حمل الخطة الإمبريالية إلى أوكرانيا وفد من الإتحاد الأوروبي ضم وزراء خارجية فرنسا وبولونيا وألمانيا بالتلازم مع التلويح بفرض عقوبات . لا جديد إذن في أوكرانيا . لا سيما أن روسيا تقف إلى جانب الحكومة الأوكرانية ضد المعارضة التي تدعمها الحكومات الغربية المفترسة باسم كفاح الفساد وتزوير الإنتخابات والديمقراطية إلى آخر المعزوفة على القصبة المشروخة التي نضجِرُ بها في بلاد الشام منذ ثلاث سنوات .

          يحسن التذكير هنا بأن  الأوكرانيين هم أصحاب تجربة، بل هم  رواد في موضوع الثورات . ففي بلادهم دشنت الحاكمية المعولمة التي تتزعمها الولايات المتحدة الاميركية سنة 2004 الثورة البرتقالية . حاول ثوار الأرز في لبنان تقليدها سنة 2005، بعد إغتيال السيد رفيق الحريري ولكنهم فشلوا وما يزالون يكررون المحاولة كلما اعتقدوا أن الفرصة سانحة !

           لا ننسى في هذا السياق أن الحكومة الألمانية بزعامة هتلر كانت تعتبر أوكرانيا جزءا من المجال الحيوي للأمة الألمانية إستنادا على ادّعاء أسطوري بتفوق العنصر الألماني على العنصر السلافي، يجيز بالتالي استيطان “الألمان” في أوكرانيا بعد إفراغها من سكانها “السلاف الأصليين”، وبناء مستوطنات “ألمانية” . يعمل فيها مزارعون وحرفيون ألمان ونساء “تتدلى من رؤوسهن جدائل شعرهن الأشقر” . من علـّم المستعمرين الإسرائيليين ؟  أقومه البيض أم أباؤه الصيدُ (المتنبي).

          مجمل القول أننا حيال ثورات يمكن أن ننعتها إعتمادا على المعطيات الثابتة، الملموسة، بالتخريبية عن طريق تمكين الغوغاء من التسلط على الناس، تارة باسم الدين وهم جهلة قست قلوبهم وتارة أخرى باسم كفاح الفساد وهم أرذال، أو باسم الديمقراطية وهم وحوش كاسرة .

بكلام  أكثر وضوحا وصراحة أن محصلة هذه الثورات هي كارثية على كافة المستويات . فلقد أرجعت الكثيرين إلى مرحلة بدائية وجعلتهم بصطفون في قطعان مذهبية أو قبلية . أنصر أخاك !. وقعت الفرقة وملأت الأحقادُ القلوبَ . إلى حد أن بعض اللبنانيين استعانوا في 1975 و1982، بالمستعمرين الإسرائيليين على لبنانيين غيرهم، بحجة أن الأخيرين ساعدوا واحتضنوا .. فصائل المقاومة الفلسطينية . وها هم بعض السوريين، نعم سوريون، يستنصرون بألاميركيين والإسرائيليين وآل سعود بذريعة أن الإيرانيين يدعمون حكومة بلادهم .

          من البديهي ان هذه الثورات أوصلت الناس الذين ابتلاهم الأمبرياليون بها إلى حالة من انعدام التوازن . بل نقلتهم إلى حيث يبدو كل شيء مستحيلا !  كيف يتوقف القتال بين السوريين من جهة وبين آلاف المرتزقة الأجانب والزعران من جهة ثانية . على ماذا تتحاور معهم . ما هي الأسس التي تمكنك من ان تتشارك معهم في العيش في وطن واحد ؟! الحكومات الغربية المفترسة تفرض عليك ما هو مستحيل … حتى تموت خنقا !