عن هوغو تشافيز

طلال عبدالله

عندما نتحدث عن تشافيز، نتحدث عن تجربة متكاملة، تجربة شكلت حالة حقيقية، عودة حقيقية لليسار، للماركسية، على الرغم من أن هذا الجزء بالتحديد لا يذكر كثيراً. الكثيرون ينظرون إلى تجربة تشافيز على أنها تجربة يسارية ضمن الإطار الكبير والعام لليسار، ومنهم من يراها تجربة قومية يسارية، وآخرون يرونها تجربة قومية صرفة، ولا أستطيع أن أراها أنا سوى تجربة ماركسية فهمت ظروف الواقع، وبهذا لم تقرأ النص بسلفية عمياء، وإنما تملكت المنهج في التحليل بالدرجة الأولى.

الثورة من منظور ماركسي هي أداة الطبقة العاملة للوصول إلى الحكم، ولربما كانت اللبنة الأساسية التي تتحطم المراهقة السياسية على أعتابها، الكثير من المراهقين السياسيين اليوم يصفون تجربة تشافيز بالتجربة غير الديمقراطية، ولا يعرفون بأنها كانت الأكثر ديمقراطية في العالم خلال القرن الحادي والعشرين.

المراهقون السياسيون الذين أغرقوا مسامعنا بذلك الحديث، أغرقوا مسامعنا أيضاً بالحديث عن كون من يتبنى التجربة التشافيزية يقوم بتأليه تشافيز، من خلال رفعهم لشعارات طوباوية براقة بعيدة كل البعد عن المرحلة التاريخية والاجتماعية لتطور المجتمعات، الأمر الذي يوضح عدم فهم الواقع المعاش من قبل هؤلاء، ولربما ذهب الأمر بهؤلاء إلى التقليد الأعمى لأحداث في مجتمعات أخرى، لا يتوافق واقعها مع واقع المجتمعات التي يعيشون فيها، فيجلبون الدمار لبلادهم باسم الحرية والديمقراطية، والكارثة أنهم يفعلون ذلك وهم يلصقون أنفسهم باليسار.

تشافيز، وجد توليفة الحل، وفهم تلك المعادلة جيداً، ليؤسس لتجربة أراها ماركسية بامتياز.

في ذكراه السنوية الأولى، لن أخوض في تلك التفاصيل التي قرأنا عنها الكثير من المقالات والكتب -وقد يكون كتاب “هوغو تشافيز، من الكوخ الطيني إلى الثورة المستمرة” أهمها-، لن أتحدث عن فهم تشافيز الصحيح للمفاهيم الخاصة بالديمقراطية والحرية والاشتراكية، ولن أتناول عبقريته الثورية فيما يتعلق بالمبالغة في المطالب الثورية بما يتجاوز الواقع والفرص المتاحة على الأرض، ولا حتى حرق المراحل التاريخية للثورة وعدم الواقعية.

لن أتحدث عن فهمه لموضوع الهدم الكامل لبنى المجتمع السياسية والاقتصادية والإدارية وتفكيك مؤسسات الدولة وضرب كوادرها دون أن يكون هناك بناء مقابل كما طالبه التروتسكيون، ولن أخوض في تفصيلات تبنيه الدعوة للثورة المستمرة أو الثورة الدائمة، ولن أتحدث عن فكرة تصدير الثورة للمجتمعات الأخرى.

لأنني أتذكره بحرقة دائماً، فمقالتي هذه لن تتناول تجربة تشافيز وتفصيلاتها، ولا حتى البنود التي ذكرتها في الفقرات أعلاه، وقد أعتذر من راديكال وأنا جزء منها على هذا، فالمجلة فكرية، سأطلق العنان لقلبي لا لعقلي أن يكتب عن تشافيز!

وفي هذا سأكتب في محورين رئيسيين، إنسانية تشافيز، ومسألة الوعي.

تشافيز .. إنسانية بلا حدود.

لقد لامس تشافيز أرواح الفقراء بكل صدق، الأمر الذي نبع في الأساس إلى كونه واحداً منهم، فقد عاش تشافيز طفولة فقيرة وبائسة جداً، في كنف جدته روزا، التي منحته حناناً استثنائياً، في وقت كانت فيه فنزويلا ترزخ تحت وطأة حكم كمبرادوري تابع للولايات المتحدة الأمريكية كدّس ثروة البلاد الهائلة في يد الأقلية.

هكذا وصفه القس الفنزويلي أرتورو بيرازا: “هو رجل يلامس أرواح الفقراء”.

لقد أبدى تشافيز صلابة استثنائية في مجابهة المعسكر الإمبريالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، إلّا أن ذلك الوجه الصلب والذي حمل ملامح التحدي، كان يخفي خلفه رجلاً يحمل حناناً فاض ليكفي جميع الفنزويليين، فتراه يقبل الأطفال وكبار السن، ويمازح هذا، ويقبّل رأس هذا، ويتحدث مع الأطفال، ويحمل الكبار!!

صوره الكثيرة التي حملت لنا إنسانية تشافيز تظهر ذلك، وصوره الكثيرة أيضاً تظهر حزمه مع أبناء الطبقة الفنزويلية المهزومة، الـ 3 بالمئة من شعب فنزويلا، والتي لا تزال تدور في كنف الولايات المتحدة، نظراً لتضررها من حكم ديكتاتور الفقراء ونبيّهم، هوغو تشافيز.

الوعي .. هدية تشافيز لشعب فنزويلا

إن ما فعله تشافيز خلال فترة حكمه القصيرة نسبياً لم يستطيع اليسار العربي من فعله منذ مطلع القرن العشرين وحتى يومنا هذا، ومن ضمن ذلك حالة الوعي التي ترافقت مع ثورته البوليفارية.

لقد حققت الطبقة العاملة في فنزويلا مجموعة من المكتسبات الحقيقية في عهد تشافيز، ولقد تزامن ذلك مع ارتقاء وعي الطبقة فيما يتعلق بحقوقها ومكتسباتها، ناهيك عن ارتقاء وعيها السياسي فيما يتعلق بالقضايا الداخلية والخارجية، الأمر الذي ظهر جليّاً في المظاهرات التي عمّت فنزويلا في العام 2002 لإعادة تشافيز إلى السلطة عقب الانقلاب الفاشي الذي دبرته الولايات المتحدة على تشافيز.

قد يكون أهم ما في الأمر عملية “مراكمة الوعي”، فقد راهن القائد البوليفاري على ذلك، وشرع فور وصوله إلى السلطة بتطبيق مجموعة من السياسيات الاقتصادية والسياسية التي ترافقت مع تغيير جوهري في المنظومة التعليمية لفنزويلا، مما خلق حالة جيدة من الوعي الجماهيري، كللها تشافيز بالمراكمة على ذلك الوعي، حتى وصل شعب فنزويلا إلى ما هو عليه الآن.

وعي الطبقة العاملة ذلك، جعل منها حائط صد حقيقي في وجه الأحداث التي تشهدها فنزويلا حالياً، بل وأعادها لتكون طبقة ثورية بامتياز، الطبقة العاملة في فنزويلا اليوم على أتم الاستعداد لحمل السلاح للدفاع عن مكتسباتها التي حققتها لها الثورة البوليفارية، وعندها، لن ترحم الطبقة المهزومة، ولربما علّقت رؤوس المتأمركين في فنزويلا على الجسور وأعمدة الإنارة.

أما السياق الثاني فيما يتعلق بموضوع الوعي، فيتعلق بمحو الأمية، فقد أطلق تشافيز حملة حقيقية للقضاء على الأمية، لتندثر الأمية في فنزويلا خلال فترة حكمه، بشهادة أعدائه، وبحسب أرقام اليونسكو.

استحضاره لشخصيات تاريخية كسيمون بوليفار، كان له نصيبه من الارتقاء بالوعي أيضاً، ناهيك عن حديثه المتواصل عن أهمية التحرر من الإمبريالية، وإعادته لبعض اللغات الأصلية للسكان لتصبح مناهج مقررة في المدارس.

تشافيز .. وأنا

هذا الزعيم البوليفاري أجبرنا أن نبكي عند فراقه، وأن نتذكره إلى هذه اللحظة بحرقة حقيقية، وأن نردد جملة لا ندري إذا كان كاسترو قد قالها له بالفعل: “أن أموت أنا فليس في ذلك أي خرق للناموس، أما أنتَ فلست مأذوناً بالموت بعد، فلا تمت، إياك أن تفعل، فليس بوسعك الموت بعد”.

في حفل إحياء الذكرى السنوية الأولى لرحيله، والذي أقيم في مسرح الرينبو في عمّان بالتعاون بين جمعية الثقافة البديلة ولائحة القومي العربي والسفارة الفنزويلية في عمّان، تشرفت بأن أكون عريفاً للحفل بالتشارك مع الرفيق بشار شخاترة من لائحة القومي العربي، ووجدتني في نهاية الحفل أستودع تشافيز عالماً وحشياً، وأضرب له سلاماً عسكرياً، وأن أقول له، وداعاً كومونداتي، وداعاً أيها القائد!

:::::

المصدر ” راديكال”، العدد السادس والأربعين 05-31 آذار 2014