انقلاب اوكرانيا : اميركا “تحصد” الخسائر

د. امين محمد حطيط 

كان الاخفاق الأميركي في سورية سبباً رئيساً في تحريك المسألة الأوكرانية بوجه روسيا لوضعها أمام خيارين اثنين: الانشغال بالملف الأوكراني مع ما يستتبعه من انسحاب من الملف السوري، أو أقلّه الاضطرار للتراجع وخفض سقف المواقف فيه والعمل هناك تحت السقف الأميركي بما يتيح لأميركا التفرد الفعلي بمعالجة الازمة السورية، او القبول بتسوية مع أميركا تقوم على المقايضة بين سورية وأوكرانيا بحيث يترك الشأن السوري للقرار الأميركي مقابل تهدئة الوضع في اوكرانيا للمحافظة على الأمن القومي الروسي. فرضيتان تتقاطعان في النهاية عند الأزمة السورية وطرق حلها .
لكن أميركا وعلى عادتها في التخطيط الاستراتيجي في الآونة الأخيرة لم تكن تحسب حساباً أو تتصور بأن هناك مسالك أخرى قد تلجأ إليها روسيا بعيداً عن الخيارات الأميركية التي «تفرض أو تملى عليها»، وتجاهلت أن روسيا هي ثاني أكبر دولة نووية في العالم، وتملك أحد أكبر ثلاثة جيوش في المعمورة، وأنها أحسنت استغلال الظروف العالمية في السنوات الثلاث الأخيرة لتشبك علاقات استراتيجية في أكثر من دائرة ومنظومة أو تحالف. فالمسألة كما يبدو من الجانب الأميركي كانت نتاج غرور يفوق الحد وإعتداد بالقوة المتعددة الأبعاد من غير حساب لأحد، شعور تملك أميركا إلى الحد الذي ظنت أنه يتيح لها أن تتعامل مع روسيا وكأنها دولة من العالم الثالث متناسية أن هذه الـ «روسيا» هي وريثة الاتحاد السوفياتي الذي صارعها لعقود طويلة في الحرب الباردة وأنها البلاد التي لم يستطع أحد في التاريخ أن يستعمرها، وأنها ما غزاها أو حاول إذلالها جبّار إلا وكسرت ظهره وأخرجته محمولاً على خشبة النهاية العسكرية والسياسية معاً.
إذن هو سوء التقدير الأميركي والطموح المفرط في لا واقعيته، هو الذي حمل أميركا إلى أوكرانيا التي يراها الاستراتيجيون الأميركيون مفتاح التحكم الرئيس بروسيا وبقرارها. ذهبت أميركا إلى أوكرانيا من أجل لي الذراع الروسي ومنع روسيا من استكمال السير نحو تثبيت موقعها في العالم كقوة عظمى في نظام عالمي جديد يعمل لإرسائه على أساس تعدّد الأقطاب أو تعدد المجموعات الاستراتيجية.
وكان السعي الأميركي هذا من أجل حرمان روسيا من الاحتفاظ بالمكتسبات التي حصدتها من المواجهة الدائرة في الميدان السوري بشكل خاص، ولمنعها من منازعتها القرار في المسرح الدولي بشكل عام. وكانت أميركا سخية في ذلك ومهتمة إلى أقصى الحدود بالأمر مع ثقة بالنجاح الأكيد، فوضعت الخطط وانطلقت لتنفيذها بتمويل بلغ خمسة مليار دولار أنفقت على من أسمتهم أميركا المعارضة الأوكرانية وجلّهم من النازيين الجدد الذين يحملون في صدورهم أشد العداء لروسيا والتبعية للغرب .
وكانت الطمأنينة الأميركية للنجاح في الخطة مبنية على عوامل متعددة، حيث يبدو أنها اعتقدت أن روسيا التي ستفاجأ بالضربة لن تقوى على الردّ، بما يعيد الأمور إلى نصابها ويعطل مفاعيل الهجوم «السلمي الثوري» الصاعق، وكان ثمة اعتقاد أميركي بأن اليد الروسية ستكون مكبّلة بشكل يمنعها من الردّ العسكري، وان قدرات أميركا كافية للضغط الاقتصادي والسياسي بشكل يخنق روسيا ويعزلها ويجعلها فاقدة القدرة على الرد الدفاعي مهما كان شأنه، وهنا تحاصر بشكل محكم لتوضع أمام الخيارين اللذين ذكرناهما أعلاه، وسيكون ربح أميركي في أي خيار أو حل اختارت روسيا السير فيه.
هذا في الخطة الأميركية الهجومية، فما كانت الردود والنتائج؟
من اللافت أن روسيا التي فوجئت بما يمكن تسميته «الغدر الغربي والأميركي» بها، استطاعت ان تستعيد توازنها بسرعة مذهلة، وانطلقت للتعامل مع كل فخ من الفخاخ أو التصورات الأميركية بما يلائمها ويعطلها، أو يقلب مفاعيل التفجير باتجاه من نصب الفخ، وإذ بالمشهد الذي حصل في جنيف يتكرر في أوكرانيا، وكما استطاعت سورية بوفدها المحترف أن تتفلّت من الألغام الأميركية ثم تفجرها بمن زرعها، تكرر الأمر على اليد الروسية بشكل متقن وفي العناوين الأساسية التالية:
1 . في العنوان العسكري: استعاضت روسيا عن التدخل العسكري المباشر لمنع الانقلابيين من السيطرة على كامل أوكرانيا، بتحرك عسكري تهويلي وعمل عسكري بديل غير مباشر، أدى إلى السيطرة على شبه جزيرة القرم وامتلاك القرار أو التأثير فيه في معظم المناطق الشرقية والجنوبية من أوكرانيا. تمّ ذلك في بيئة أنتجتها روسيا بتحركات عسكرية ومناورات واسعة في البر والبحر، وكللتها بتجربة صاروخ استراتيجي عابر للقارات يحمل رسالة قوة واستعداد روسي لكل الاحتمالات. وتالياً يمكن القول بأن روسيا تصرفت عسكرياً بمنطق مغاير لما تشتهيه أو تتصوره أميركا يقوم على «قاعدة إظهار القوة من دون استعمالها» ولم تسقط في الفخ الأميركي أو تغرق في المستنقع والوحول الأوكرانية دونما فرص أكيدة للخروج الآمن، وتعطي المبرر لتدخل أجنبي في أمكنة أخرى من العالم بخاصة سورية، أو أن تسكت وتتقبّل فكرة المس بالأمن القومي الروسي من الخاصرة الأوكرانية وتتحول إلى الدفاع القريب المباشر عن نفسها وتخسر مكتسبات السنوات الثلاث الأخيرة دولياً.
2 . في العنوان الاقتصادي: أبدت روسيا قوة وثقة بالنفس وقدرة على التعامل مع التهديدات الأميركية بالعقوبات الاقتصادية، ما أفرغ التهديدات تلك من محتواها أو عطل مفاعيلها أصلاً. ثم تطوّر الأمر بعد الرد الروسي المدروس والتلويح بصيغ اقتصادية دولية جديدة من شأنها التأثير السلبي على النظام المالي الدولي العام الذي تتحكم به أميركا بشكل شبه منفرد عبر دولارها والشركات التي تملكها أو تتحكّم بقرارها. وانكشف الأمر على صورة تظهر فيها مفاعيل العقوبات الأميركية الاقتصادية ضد روسيا، ذات تأثير مزدوج الاتجاهات نحو أميركا ذاتها كما نحو روسيا. ثم كان الأدهى من ذلك ما ظهر لأميركا أن الرد الروسي سيؤثر بشكل مباشر وأكيد على ما سبق وفرضته أميركا من عقوبات على دول أخرى مثل إيران وهي تدرك أن الوقت ليس مناسباً لها. وبالنتيجة خفضت أميركا سقف التهديد لأنها علمت حجم ضررها منه إن نفذته، ما يعني تعطيل اللغم الاقتصادي أو ارتداده بناره على من زرعه .
3 . في العنوان السياسي ونظام الحكم في أوكرانيا: خططت أميركا لإقامة حكم أوكراني معاد لروسيا يثير القلاقل بوجهها بشكل يتخطى إضعافاً مضاعفة ما تشكله الصين الوطنية للصين الشعبية، ما يضطر روسيا للانكفاء دولياً والتلهي «بخطر باب الدار»، ويدفع الأمور نحو تضييق الفضاء الاستراتيجي الحيوي لروسيا وتجريدها من البعد الدولي، وحملها على الصراع من أجل أمنها والمحافظة على الصفة الإقليمية لها. لكن الرد الروسي السريع بامتلاك قرار شبه جزيرة القرم كلياً، وإنتاج بيئة سياسية تابعة أو منسقة بين موسكو والمناطق الشرقية الجنوبية لأوكرانيا، دفع الأمور إلى إقامة ثنائية أوكرانية تمتلك روسيا أحد فرعيها من دون أن تضطر للتورط بالحكم المباشر أو المسؤولية المباشرة. وبات الحكم الأوكراني مستقبلاً في أوكرانيا الموحّدة يستبعد تقسيمها أصلاً، لأن روسيا لا تعمل له وفيه ضرر أكيد للغرب بشكل أساسي، حيث إن تكرار تجربة يوغوسلافيا أو تشيكوسلوفاكيا لم تكن لمصلحة أوروبا. في أي حال، بات الحكم الأوكراني رهناً لهذه الثنائية ومن ثمّ امتلكت روسيا مَكَنة التأثير من دون أن تضطر لدفع ثمن يرهقها ما يعني تعطيلاً للغم أميركي آخر وارتداد المفاعيل على زارعيه.
4 . يبقى ما يمكن الحديث عنه من دور لمجلس الأمن وما يسميه الغرب الأميركي المجتمع الدولي، ونرى أنه من السخف أن يتصور أحد أن تمرر روسيا قراراً ضدها في ذاك المجلس، من دون أن تعطله بالفيتو الذي تملك، أما قرارات الجمعية العمومية إن لُجِئ إليها فإنها تبقى في قيمة تنافس ثمن الحبر الذي تكتب به في عالم لا وزن فيه إلا للقوة.
وفي النتيجة، نرى أن ميدان أوكرانيا الذي شاءت أميركا أن يكون ميداناً لمعاقبة روسيا وتحجيمها وإسقاطها من الصف الأول دولياً، وعزلها عن الأزمة السورية، انقلب ليشكل المسرح الذي تمارس عليه روسيا قدراتها العسكرية والسياسية وتضيف إلى ما اكتسبته من الميدان السوري من مزايا دفعت بها إلى الصف المتقدم دولياً، عناصرَ جديدة لا يمكن تجاوزها في أي عمل دولي جديد، مكاسبَ تحققت دونما أي تنازل أو مقايضة في أي ملف آخر بما في ذلك الملف السوري الذي ستكون روسيا أكثر تشدداً فيه مستقبلاً.
وهكذا، وبدل أن تكون أوكرانيا مفتاح التحكم بموسكو انقلب السحر على صانعه وأمسكت موسكو بمفتاح التحكم بأوكرانيا، ودفعت الأمور خطوة جديدة أيضاً باتجاه النظام العالمي الجديد المنكر للأحادية القطبية، النظام الذي تشكل جنيناً في الرحم السوري بسبب الصمود الأسطوري لسورية ومحور المقاومة والدفاع ضد العدوان الصهيو أميركي.

::::

“البناء”