قرية باب الشمس… وعن كل شيء دائما متاخرون!

عادل سمارة

 

          أتابع كمواطن مختلف الأنشطة التي يمكن للمرء متابعتها طبقاً لظروفه ويومه ووعيه وإمكاناته. استمعت لما حصل وما قيل وما كُتب عن القرية الافتراضية: “باب الشمس”. ولو حُصرت في نطاقها لما وجدت دافعاً للكتابة. ولكن تم وضعها في سياق ما يُسمى منذ سنوات ب “:المقاومة الشعبية” وطبعاً في غالب الأحيان تُلحق بها كلمة “السلمية”.

          ما يلاحظه المرء أن الحديث عن مقاومة شعبية هي جزء من خطاب يزداد ترداده على ضوء ضعف كافة اشكال النضال الوطني الحقيق سواء رفض التطبيع وممارسة المقاطعة الحقيقية، والنشاط الانتفاض والكفاح المسلح سواء كعمل أو كخطاب. ولو حاولنا وضع الأمر في سياقه الحقيقي لوجدنا ان كثيرا من النشاطات المستجدة في الأرض المحتلة يمكن وضعها في سياق سياسة معينة هي: هندسة وإعادة هندسة المجتمع الفلسطيني تحت الاستعمار الاستيطاني الاقتلاعي الصهيوني.

لا أود الدخول في تفصيل نظرية كارل بوبر في “اصول هندسة المجتمعات” ولكن ما يحصل في الأرض المحتلة هو مزج بين إعادة هندسة خطاب ومن ثم ممارسات المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال بحيث تُسحب منه قناعات ومن ثم ممارسات التصدي الحقيقي للعدو مما يدفعه للإمعان في تكريس الاستيطان. وهذه السياسات والقناعات هي من اهم ما دفعه للوصول إلى المطالبة العلنية بيهودية الدولة. بمعنى أنه كلما تراخينا، تشدد العدو، أو بكلمة أخرى استثمر التنازلات الفلسطينية ايَّما استثمار!!! وهذا طبيعي من قبل عدو يُتقن العداء.

الأمر الفارق جداً في هذا الصدد هو تماهي مختلف هذه النشاطات اي: نشاطات منظمات النجزة، وحقوق الإنسان وتسويق الدمقرطة، والجندر، ومقاطعة العدو اكاديمياً لا سياسيا ولا اقتصاديا ولا ثقافيا، والدعوة لدويلة في اجزاء من المحتل 1967 او الدعوة لدولة ديمقراطية بالاندماج تحت السيطرة الصهيونية،وشعار الحياة مفاوضات…وحتى إعلان كثيرين ممن يعملون في هذه الأمور بانهم ضد الكفاح المسلح دون أن يسألهم أحداً إن كانوا مع أو ضد! باختصار، استبدال الحياة مقاومة بالحياة مفاوضات.

ومثل هذا التطوع لهذا القول ينم حقيقة عن وجود علاقة ما، ارتباط ما، تعهد ما بين هؤلاء النابذين لكافة اشكال النضال الفعلي وبين عدو ما، سيد ما ممول ما.

هذا ما استنتجته لسبب محدد وهو: إن عدو يمتلك دبابة لكل مستوطن لا يمكن التعاطي معه بتحقير الحياة مقاومة. ليس شرطا ان يحمل هذا أو ذاك بندقية، بل على الأقل أن لا يرفضوا ما يقوم به غيرهم. هذا يعيد إلى الذهن وثيقة أل 55 التي صيغت من مجموعة مثقفين/ات ونشرت بتمويل من الاتحاد الأوروبي!!! (أنظر النص والأسماء في كتابي : مثقفون في خدمة الآخر بيان أل 55 نموذجا” المنشور عام 2003.

          ما تسمى قرية باب الشمس هي شكل من اشكال النضال الافتراضي الذي يأخذ لمعانا إعلامياً لا أكثر. وهو يتطلب بالطبع تكاليفا عالية تصل كما قال لي احدهم إلى 150 ألف شيكل وهو مبلغ هائل لثلاثة اسباب:

الأول: لأن المال من الممولين الأجانب الذين يشجعون هذا اللون من النشاط غير المؤذي للاحتلال.

والثاني: لأن هذا المبلغ يمكن أن يفي بحاجة ما لكثير من اسر الشهداء والأسرى

والثالث: وهو الأهم، لأنه ليس الرد على سحق العدو للحيز.

فالعدو يقوم بسحق الحيز (الطبيعة ، الأرض) الفلسطينية منذ قرن كامل، يغيرها كل يوم طبقا لمشروعه الاستيطاني. بينما الكثير من الفلسطينيين يتكيفون مع سحق الحيز هذا، فبدلا من تحرير فلسطين وصل التكيف إلى استعادة المحتل 1967 ةإزالة آثار العدوان، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، والاعتراف بالكيان،  ثم ألاكتفاء بأجزاء من هذا المحتل 1967 ثم حل عادل ومقبول للصاع ثم الحياة مفاوضات…الخ.

فالرد على سحق الحيز لا يأتي عبر إقامة قرية شكلانية يقوم العدو بهدمها ومن ثم يتم حرق 50 الف دولار هي مسجلة ك “دعم” للشعب الفلسطيني!!

لعل من أطرف ما سمعته بأن كثيرين ممن يقودون هذا الأنشطة يحصلون على تنسيق أمني، لذا لا يُعتقلوا ولا يُمنعوا من ممارسة ذلك النشاط (اعتقال لبضعة ايام).

قد يقول البعض: ولكن هذه عزيمة هؤلاء ، فلماذا نمنعهم/ن.

          بداية لا أحد يمنع احداً. وكل إنسان كما يستطيع. ولكن لا معنى لوضع هذه الأنشطة الناعمة بديلاً لأي عمل آخر وخاصة مع تضخيم الإعلام لها بطريقة تعيد هندسة وعي الجمهور. أقصد ليضع كل إنسان نشاطه في حجمه دون تطاول على تضحيات غيره قلت او كثرت.

يعيدني هذا الموقف لما كتبته قبل 34 سنة. حينها لم يكن الوحش الاستيطاني قد بلور خطته وأنضجها. كتبت رسالة مطولة وأرسلتها للراحل ابو جهاد في بيروت كمسؤول في المنظمة عن الأرض المحتلة، ملخصها ان على اللجنة الأردنية الفلسطينية المشتركة ان تقوم بتمويل بناء قرى في المناطق التي نتوقع ان يستوطن فيها الاحتلال بدل تمويل ضواحي ملاصقة للمدن هي ضواحي لخدمة الطبقة الوسطى والبرجوازية الصغيرة وحتى الكبيرة. لأن هؤلاء فقط لهم آليات الوصول لمصدر التمويل، وهم وحدهم الذين بوسعهم شراء اراض ملاصقة للمدن. اي ان المسألة طبقية بوضوح وليست وطنية. ولا أعتقد ان ذلك الاقتراح حظي حتى بقرائته ربما لأن اسمي عليه.

وقد لخصت هذا المقترح ونشرته في كتابي”اقتصاديات الجوع في الضفة والقطاع” المنشور عام 1979 بعد خروجي من السجن.

حينها كان بالإمكان إقامة قرى حقيقية قبل توسع خطة العدو/ وحينها كانت هناك مقاومة حقيقية. لذا، ارى اليوم أن هناك إقامة لقرى افتراضية لأنها نتاج نضال افتراضي. هذا التاخر 34 سنة عن اقتراحي المتواضع والعملي والممكن يذكرني بعبارة لشاعر مجري كان يرددها الراحل د. حسين جميل البرغوثي: “عن كل شيىءٍ دائما متأخرون”.