المقاومة والوطن .. خارج المنازعة !


ثريا عاصي

       كانت الأيام القليلة الماضية حافلة كمثل جميع أيامنا، بالكلام .. ولكنها تميزت بالتناقضات الكبيرة، المُحيّرة إلى حد الإندهاش والذهول .

          أكثر الكلام غرابة هو ذلك الذي يتناهى إلى السمع في سياق السجال الدائر بين الرئيس ميشال سليمان، رئيس الجمهورية اللبنانية، من جهة وبين حزب الله أو الذين توكلوا النطق باسمه برضاه أو تملقا من جهة ثانية .

          من البديهي أن رئيس الجمهورية يريد أن يسحب غطاء الشرعية الوطنية عن المقاومة التي تصدت للمستعمرين الإسرائيليين عندما كانوا يحتلون جزءا من لبنان في الفترة 1982ـ 2000، والتي اضطرت لقتالهم والتصدي لهم من جديد في تموز 2006 لأن هؤلاء المستعمرين أرتأوا أن وجود هذه المقاومة يمثل خطورة على أمنهم وعائقا أمام تنفيذ مشاريعهم، فقرروا تصفيتها وإلغاء دورها .

          يجدر التذكير في هذا السياق، أن مجلس الأمن الدولي أصدر في 11 آب 2006 القرار 1701، الذي تشكلت بموجبه قوة دولية قوامها 15000، معززة بالعتاد اللازم لمنع تواجد أية عناصر مسلحة، باستثناء الجيش اللبناني، جنوب نهر الليطاني . كما نص نفس القرار الأممي على  ان يكون إدخال السلاح إلى لبنان واقتناؤه، منوطين بموافقة الحكومة اللبنانية . تجدر الملاحظة أيضا إلى أن هذا القرار تضمن إِشارة الى قرارت سابقة صدرت عن مجلس الأمن . التي لم يطبق المستعمرون الإسرائيليون منها شيئا .

          لذا عمدت الحكومات اللبنانية بعد 2006، إلى التأكيد في بيان سياستها العامة، وإن شكليا، على تكامل الشعب والجيش والمقاومة . ذلك من أجل الإلتفاف على نص القرار 1701، وإعطاء  المقاومة نوعا من التغطية الشرعية . هذا لم يمنع السيد جيفري فيلتمان، سفير الولايات المتحدة الأميركية السابق في بيروت، ونائب الأمين العام للامم المتحدة ومساعد وزير الخارجية الأميركية، حاليا وفي آن واحد، من التصريح بأنه أنفق في بيروت ملايين الدولارات على الدعاية ضد حزب الله .

          وضعا للأمور في نصابها الصحيح يقتضي هنا التوضيح بأن مقاومة المحتل والمعتدي مسألة والعمل السياسي الحزبي مسألة أخرى، رغم أن المسألتين يكونان عادة مترابطتين . بمعنى آخر يحق للمواطن أن يوافق أو يعترض على السياسة التي ينتهجها هذا الحزب أو ذاك . ولكن لا يجوز، من حيث المبدأ وبحسب المنطق، أن يكون المواطن ضد التصدي لمقاومة العدو الذي يحتل الأرض ويقتل ويشرِد الناس ويهدم العمران .

          لسنا في هذا البحث، بصدد توزيع صكوك في الوطنية، على عكس ما يجري في هذا الزمان  العربي المُجدب، حيث يتم تداول صكوك الغفران كأنها أجور مستحقة بالدولارات، وصكوك الحرمان والتكفير كمثل بلاغات بضرورة تسديد جزية، مقادير من الذهب  .

          من البديهي أن الضبابية تكتنف في الراهن، هذه القضايا ليس في لبنان وحده، وإنما في بلاد “عربية” أخرى . وبكلام أكثر وضوحا وصراحة صارت شرعية مقاومة المستعمرين  الإسرائيليين مسألة فيها نظر، بحسب رأي البعض طبعا . ولكن من المعروف أن أعراض الخلل الإجتماعي والوطني والجنون والإنحطاط الأخلاقي والإنحراف السياسي تظهر جميعها في لبنان مبكرا، قبل ظهورها في  بلد آخر . لا شك في أن بيئة لبنان الإجتماعية ملائمة لذلك .

          مجمل القول أن مقاومة الإسرائيليين بصفتهم مستعمرين ومحتلين ومعتدين وعنصريين، مسألة من المفروض أنها ليست بحاجة إلى نقاش فالحكم محسوم في أمر شرعيتها . وانطلاقا من هذا المعطى أظن أنه يتوجب تصحيح تسمية السجال الذي لمحنا إليه أعلاه بما هو في الواقع سجال بين رئيس الجمهورية من جهة والمقاومة من جهة ثانية، وليس بين الأول وبين حزب الله .

          أغلب الظن أنه لم يكن ميزان القوى بعد حرب تموز 2006، يسمح للمعتدين الإسرائيلين وحلفائهم وأعوانهم بتحقيق أكثر من القرار 1701 . مع التسليم بضرورة تأجيل التطبيق بانتظار ظروف مؤاتية . آنذاك كان يقف إلى جانب المقاومة حليفان هما سوريا وإيران . ينبني عليه أن المأمول من الحرب ضد وعلى سوريا والتي تستهدف أيضا في الوقت نفسه، المقاومة في لبنان، هو تغيير ميزان القوى، بحيث تتم تصفية “الجناح العسكري” لحزب الله، أي المقاومة، التي وضعها الإتحاد الأوروبي على “لائحة الإرهاب” . كما هو معروف .

          من المرجح أن يكون الذين أقالوا الحكومة في لبنان، ثم حاولوا تشكيل أخرى بديلة عنها لا تضم ممثلين عن حزب الله، انما أعتمدوا على خلفية إحتمال قلب ميزان القوى لغير صالح المقاومة  عن طريق إضعاف الحليف السوري واستهواء الحليف الإيراني أو إخافته . ولئن تبين أن إقصاء حزب الله صعب، فليس مستبعدا أن نكون حيال محاولة ثانية لنزع غطاء الشرعية الوطنية عن المقاومة بواسطة  تجويف البيان الوزاري وحشوه بما يسمى “إعلان بعبدا” الذي لم يلتزم جميع الموقعين عليه بأي من بنوده، في حين أن بعضهم يشترط على حزب الله التقيد بالقرار الأممي 1701 الأنف الذكر . ما يعني أن على حزب الله أن  يـُذعن ويقبل بحل المقاومة، أي أن يتم حلها مثلما حلت المقاومة الفلسطينية، والجيش العراقي !. مثلما أن المطلوب أيضا هو حل الجيش السوري !

          أما أن يتقدم رئيس الجمهورية ليقود بنفسه، من لبنان والرياض وباريس، حملة إقصاء المقاومة من المعادلة الوطنية، التي كان مفروضا أن تشكل الركيزة لأرضية الحوار الوطني، فإن هذا الموقف يفتح المجال أمام عدد من الفرضيات التي لا يتسع هذا الموضع لها .

          في المقابل بدا البعد الوطني، غائبا عن خطاب حزب الله وعن خطاب الذين انبروا ضد التطاول على المقاومة . فكان أسلوب الإعتداد بالنفس والفخار شفافا إلى أقصى حد، وكأن المنازعة  محصورة بين الحزب والرئيس، أو كأنه لا يوجد في لبنان إلا هما . ليس صحيحا أن معادلة الشعب والجيش والمقاومة صارت خشبية . لا يحق لأحد في لبنان النطق باسم الشعب والجيش والمقاومة، طالما بقي دون معالجة سوء التفاهم الناتج عن غموض الحدود بين الذين قاوموا والذين لم يقاوموا، والذين أعانوا المستعمرين الإسرائيليين في الثمانينات!.

:::::

“الديار”، اللبنانية