الدولة القُطرية هيمنة ثالثة تنتقل للهجوم

عادل سمارة

ربما، نعم ربما، لم يعد هناك من يجادل بأن الدولة القُطرية صناعة المركز الراسمالي الاستعماري العالمي ولا تزال محظيته بين زوجاته وخليلاته العديدات عالمياً مع اعتذاري للمرأة على الاستخدام لكنه الأقرب للصواب. ما اقصده بعد أن اصبحنا امام تمفصلات لهذه الدولة أقل منها مساحة وسكانا وتنوعا وشأناً وأكثر تبعية وظلامية وحتى عدوانية على داخلها ومحيطها العربي لا الصهيوني. وربما الأهم أنها اشد تفريطا في الوطن حيث حولته إلى مجرد مكان.

عاشت الدولة القطرية مرحلة رمادية بين سايكس-بيكو 1916 وما بعد الحرب الإمبريالية الثانية 1945. في هذه الفترة كان التوجه القومي العربي في بداياته في بلدان غير صحراوية (سوريا ومصر والعراق خاصة) تقابلها بلدان الصحاري التي كان حكامها بالمقابل يستجدون تفضلات الاستعمار. وبين هذين القطبين كيانات هامشية يجري اليوم توليد مثيلاتها.

بعد الحرب الثانية كان المد القومي العربي وخاصة للبعث والناصرية والقوميين العرب والقومي السوري. وبغض النظر عن تباينات أطروحات هذه القوى وعن كون كل واحدة تمثل مدرسة في القومية وقد لا تمثل كل واحدة تماما المسألة العروبية بالضبط، إلا أنها جميعا، وهذا يسجل لها باحترام، كانت ضد الدولة القطرية بل في صراع معها ولذا قدمت جلود الكثيرين على مذبح الصراع مع الأنظمة التابعة الحاكمة.

بعد هزيمة 1967، تغيرت المعادلة ووصلت حالة من انسحاب القوى القومية والشيوعية من الساحة الاجتماعية والسياسية والثقافية (طبعا انسحابا تدريجيا) وتراجع دور الدولة قومية الاتجاه في مصر وسوريا والعراق واليمن الجنوبي وإلى حد ما اليمن (ابراهيم الحمدي-قتل اغتيالاً)، وهو ما ترافق مع بدء توسع التصحُّر الفكري والثقافي في الوطن العربي وخاصة بعد حرب اكتوبر 1973 التي سجلت للجيشين المصري والسوري بطولات أكدت القدرة القتالية للجيشين. لكنه انتصار حصدت نتائجه دول الصحر/نفطية واستثمرته في:

· التبعية العلنية للمركز الراسمالي العالمي

· ضخ الفكر الوهابي والإخواني كبديل للفكر القومي والشيوعي الذي انسحب انسحابا غير منظم بمعنى تأخير القدرة على القيام بهجوم مضاد.

لكن المركز الراسمالي لم يكتف بما اسماه صادق العظم (الحقبة السعودية) وذلك قبل ان يرتد سعوديا في مواقفه الأخيرة لصالح الطائفة السنية في مواجهة الدولة السورية، بل زحف الغرب باتجاه تصفية الأنظمة قومية وتنموية الاتجاه. وكانت البداية في مصر عبر انقلاب السادات وامتداده حكم مبارك. ولاحقا تدمير العراق 1991 ثم احتلال العراق 2003. وتشغيل جامعة الدول العربية كداعية لاحتلال العراق حيث شاركت دول عربية في ذلك تحت غطاء ان الكويت دولة معترف بها في الأمم المتحدة. وهي كلمة باطل (لأن الأمم المتحدة هي أداة للمركز) أريد بها باطل. أعتقد ان الذين دعموا وشاركوا في احتلال العراق يلوكون السنتهم المرتدة إلى الخلف وخاصة بعد ان استخدمت الجامعة العربية لاستجداء الناتو لاحتلال ليبيا ومن ثم سوريا.

في فترة الحراك العربي الأخير، دخلت الدولة القطرية مرحلة جديدة هي التحول العلني إلى أداة للهيمنة الثالثة.

وقصة الهيمنة الثالثة هي باختصار، تطوير لمقولة غرامشي الذي بنى جزءا كبيرا من أطروحاته (خاصة وهو من الماركسية الثقافوية) على أن الطبقة الراسمالية في قيادة الدولة تعمل على فرض هيمنتها على المجتمع عبر تعميق ثقافتها وتبني الطبقات الشعبية لتلك الثقافة. وبالمقابل، يُغيب كثيرون الهيمنة الثانية وهي مقاومة الطبقات الشعبية لهيمنة البرجوازية لأن المسالة داخل الدولة القومية الواحدة صراع الهيمنتين او الصراع الطبقي بمعنى آخر، بغض النظر إن كان حادا او قليل الشدة.

اما الهيمنة الثالثة للدولة اليرجوازية الإمبريالية فهي نقل الصراع الطبقي داخل الدولة في المركز إلى بلدان المحيط بتنفيذ اجندة الاستعمار نفسه في بلدانها. وهي ما يسميها البعض الحرب بالإنابة.

العلاقة بين الهيمنة الأولى والثالثة كامنة وباقية ما بقيت التشكيلات الراسمالية مسيطرة سواء في المركز أو المحيط.

ولنلاحظ أن الهيمنة الثالثة تواكبت مع دخول النظام العالمي حقبة راسمالية العولمة والتي تولدت عنها ما اسميته كثيرا الموجة القومية الثالثة، اي قوميات غالبا إثنية هي أدوات للاستعمار او الإمبريالية (سمها ما شئت) تعمل للانفصال عن وطنها الأم بقيادة برجوازية كمبرادورية وبالتحديد عميلة للغرب الرأسمالي وكثير منها طائفي او مذهبي. ونماذجها ما يحصل في العراق والسودان والاتحاد السوفييتي السابق ويوغسلافيا وليبيا والمعركة الهائلة في سوريا…الخ.

إن مشاركة دول الخليج النفطية الصحراوية في العدوان على البحرين وليبيا واليمن وسوريا وتنافسها على امتطاء مصر والسودان…الخ هي العرض الواضح لحقيقة أن الدولة القطرية قد دخلت مرحلة الحرب العلنية ضد المسالة القومية العربية بهدف التفتيت إلى اصغر منازل عشرية على ان تتبع جميعها للمركز فرادى وأن تقتتل بين بعضها البعض طائيفا ومذهبيا وجهويا في خدمة مفتوحة للهيمنة الثالثة التي تسخر المنطقة بل العالم لصالح المركز الراسمالي العالمي اي الغرب.

من هنا نواجه السؤال المصيري: وجوب تفكيك مفاصل الدولة القُطرية. لقد مرت فترة كان هناك من يمتدحوا الدولة القطرية ويرونها مقدمة للدولة القومية. وهنا يجب ان نلاحظ أن عجز القوى القومية والشيوعية عن تفكيك مفاصل سلطة الدولة القطرية قد تم استبداله بتجزئة الدولة القطرية على يد الثورة المضادة. وهذا يكشف عن خطورة دخول المخطط الإمبريالي مرحلة الهيمنة الثالثة التي اعتبرت أن الدولة القطرية استنفذت دورها ومن ثم مرحلتها.

ما لم يتضح سابقا اوضحته تطورات السنوات الأخيرة مما يجعل الوصول إلى وعي الطبقات الشعبية هو الخيار الوحيد لقوى الثورة والوحدة والاشتراكية. الوصول إلى وعيها لتناضل من أجل مستقبلها. وهذا يفترض وجود القوة الفكرية والحزبية ببعد عروبي اشتراكي وحرياتي. وبحرياتي لا اقصد هنا المفهوم الشكلاني السطحي للديمقراطية.