غزة تتمكن من خطاب المرحلة

عادل سمارة

بقعة صغيرة، لكنها تضيىء. بقعة فقيرة لكن دمها غزيراً. بقعة لا تكاد تظهر في اصغر خرائط جنرالات راس المال لكنها تُؤخذ بحسبان النظام الراسمالي العالمي. بقعة تعلن مع كل صاروخ إيراني او سوري او تصنيع محلي بأن : “الحياة مقاومة”

اذكر حين قلت هذا في ندوة للمرة الأولى في ندوة للصديق د. اسماعيل ناشف قبل 7 سنوات زمَّ أكثر من واحد/ة شفاههم الغليظة والرقيقة. مثل غيري نُتَّهم بالتخشب والنمطية الكلاسيكية. لكن الذي يتحدث اليوم غزة، فيصمت الطابور السادس الثقافي وتصمت الكثير من منظمات الأنجزة التي تعيش على وفير المال المسموم، وتنكسر العيون الزجاجية لمن امتطوا المقاومة بما اسموه :”المقاومة الشعبية-السلمية”. هذا النوع المولَّد لا يعرفه الشعب. هذه رقصة  خِلِّيعة ليست من التراث ولا الفلكلور ولا ضرورات المرحلة.

قد يكون مؤلماً أن نتعلم بأن الحياة مقاومة عبر وحشية العدو، ولكن هذا يولد فهما ذاتياً لهذه القاعدة في التحليل الأخير.

خطاب المرحلة، أكثر من اية مرحلة مضت، خطاب الصراع المستميت. هو اشد قسوة حتى مما كان عليه قبل عقد من الزمن، لأن هذه المرحلة تحمل الكثير، تحمل تبرعم المقاومة والممانعة والنهوض العروبي الشعبي وتحمل خفوت اضواء مشروع الإمبراطورية الأمريكية ضوءا إثر آخر. تحمل جراح الأمة من العولمة وشراسة العولمة كمرحلة فهقت سريعاً ولفترة قصيرة فدمرت وذبحت، لكن آثار قسوتها ستدوم بأكثر من عمرها الذي لم يزد إلا قليلا عن ثلاثة عقود. مرحلة تختصرها مقولة الأسير غرامشي بأن: المشكلة في صعوبة ولادة الجديد وصعوبة موت القديم” لكن كليهما سيحصل.

جراح غزة تقول ببلاغة للطابور السادس الثقافي بأن المقاومة ممكنة. أو كما قال يوسف جاهين في فيلم ابن رشد “عَلِّي صوتك بالغنا إن الأغاني ممكنا”، وهي تقف في طريق الحجيج الثقافي والأكاديمي إلى الدوحة لتقول لهم: الطريق إلى الشرف العروبي، ليست من هنا!!!الطريق إلى غزة هاشم. وفي النهاية الطريق إلى ياسمين وبنفسج الشام.

جميعهم في غزة يقاتلون، بغض النظر عن انقسامهم وتفارق مخزون السلاح السوري والإيراني ينقله ابطال حزب الله من تحت إبط بوارج الناتو حول بحر غزة  يحملون هدايا روسيا (ليست امبريالية يا فتى الموساد، ليست ضدنا على الأقل)  يستعيدون بطولة عيسى العوَّام في بحر عكا متسللاً بين بوارج نابليون، بين هذا وذاك. لا باس، فهم يتعلمون ويُعلِّمون أن الحياة مقاومة. بصمودهم هذا يؤكدون للوطن الكبير ان غزة بالمقاومة تفرش رموشها على الوطن الكبيرفيخجل. تنكسر عيون اكثر من 300 مليون ينامون على جراحها وجراح سوريا وليبيا والعراق والبحرين واليمن العتيق ولا يتكلمون؟ ولا يقاطعون، ولا يخلعوا التطبيع.

نعم شهداء وألم وجرحى، ولكن، ألم يصل الاسشتهاد إلى الجسور ومنازل الشهداء في الضفة الغربية. لا يمكنك إلا تذكُّر قولة الشاعر الراحل سريعا عبد اللطيف عقل: “يكفيك ذل التصاريح على الجسر…وقوفك في آخر الصفِّ”. إلى ان وصل القتل إلى الجسور.

لكن الكيان الصهيوني يفهم كل هذا. يفهم الكيان أن الزمن تغير إلى حدٍّ يدفعه للتفكير في مجرد وجوده. قولوا بأنني متخشب على حواف تفاؤل غير مرئي. كان ذات زمن بوسع هذا الكيان قصف عاصمة عربية وعودة  طائراته ماشية مشية وصفها المتنبي ذات وقت:

ألا كل ماشية الخيزلى…فدى كل ماشية الهيذبى.

كل هذا التبختر والدلُّ انتهى. اليوم كفا بكف مع غزة كما كان كفا بكف مع حزب الله. ألم يتغير الزمن؟؟؟ إن للمرحلة خطاباً جديداً، فيه لغزة كما فيه لشام بني أمية.