الاحساس بالفشل يُسعِّر المواقف الاميركية ضد سورية

العميد د. امين محمد حطيط

في توقيت يكاد يكون واحدا ، اتخذ الاخضر الابراهيمي المسمى وسيطا دوليا للبحث عن حل سلمي للازمة السورية ، و الناطقة باسم الخارجية الاميركية ،اتخذا مواقف تكاد تكون متطابقة لجهة انتقا امور تقوم بها الدولة السورية و تقع في صلب اختصاصاتها و شؤونها الداخلية السيادية التي ليس لاحد ان يتدخل فيها ، مواقف الطرفين جاءت ايضا بصلف و رعونة تثير الاسئلة حول دوافعها و اسبابها الان ؟

قبل الاجابة نرى ان ذكر بان الابراهيمي لم يعين مبعوثا الى سورية باسم الامين العام للامم المتحدة ، بسبب فرادة مزاياه و حنكته الدبلوماسية الفذة كما يحاول البعض ان يلصق به مثل هذه  الصفات  ، خاصة و ان في العالم من هو اهم منه و اكثر نزاهة و تجردا و بشكل لا يقوم التفاضل بينهم. و لم يعين الابراهيمي وسيطا خلفا لكوفي انان الذي استقال من وظيفته لانه لمس رفضا مضمرا لحل سلمي يحفظ لسورية سيادتها و قرارها المستقل و حق شعبها في اختيار حكامه خلافا لما تريده اميركا و جبهة العدوان معها .

انما  تم اختيار الابراهيمي من قبل الامين العام للامم المتحدة و انيطت به مهمة تستجيب لما ارادته اميركا من العدوان على سورية مهمة تبدأ باستبدال الحكم السيادي الاستقلالي الذي يقوده الرئيس بشار الاسد ، بحكم الدمى التي تحركها اميركا و يتنازل لاسرائيل عن كل ما يطلبه الكيان المغتصب من اجل التجذر في الشرق في سياق المشروع الصهيواميركي المسمى الشرق الاوسط الكبير الذي يوضع فيه مال العرب و ثرواتهم و انسانهم بتصرف العقل الصهيوني كما قال يوما شمعون بيرس .

و هنا لا بد من التذكير بان المتغيرات الدولية التي بدلت خريطة القوى في مجلس الامن و افقدت اميركا سيطرتها على قرار المجلس بشكل احادي منفرد ،  لم تصل الى الامانة العامة للامم المتحدة التي لا زال يشغل منصب الامين العام فيها الشخص الذي تختاره اميركا و يكون تابعا لها منفذا لقراراتها و سياساتها كما لو انه موظف في الخارجية الاميركية ، و هذا هو حال الامين العام الحالي بان كي مون الذي عينته اميركا في منصبه بعد ان اختارته من كوريا الجنوبية الدولة التي  تدور في فلكها بتبعية تامة و تمن عليها بانها تؤمن لها الحماية و الدفاع ضد كورية الشمالية التي امتلكت القنبلة النووية  و تصفها اميركا بانها احد اقطاب محور الشر بالنسبة لها .

و لان هذا هو الواقع و حال الارتباط فقد اختار بان كي مون  ، الاخضر الابراهيمي ليكون مبعوثا له الى سورية  لتنفيذ ما تريده اميركا و اسند اليه منصب المبعوث او الوسيط الاممي لحل الازمة السورية وفقا للعنوان الذي اعتمد له .و من جهة اخرى  و حتى تكافأ اميركا ما يسمى الجامعة العربية على ما اتخذته من مواقف مشينة بحق سورية ،فقد  الصقت بالابراهيمي مهمة اضافية تتماهى مع مهمته الاولى و تغرق فيها و هي تمثيل الجامعة ايضا للوساطة بحثا عن حل سلمي في سورية ، حدث ذلك عبر سلوك  تسللي حذر ، لان من قام بالتكليف  يعلم ان سورية لن تقبل مبعوثا لتلك الجامعة التي تحولت الى جامعة نعاج تقوم مقام  اداة عدوانية تستعملها اميركا في  قيادتها للحرب  الصهيو- اميركية  عليها .

اذن كانت مهمة الابراهيمي واضحة المعالم منذ اللحظة الاولى و لاجل ذلك اتخذت منها سورية موقفا مرنا حذرا يعطل الكثير من الافخاخ التي رافقت التعيين ،  فهي لم ترفض استقبال الابراهيمي حتى لا تعطي ذريعة لخبيث يقول بان سورية ترفض المساعي السلمية التي تضطلع  بها الامم المتحدة لحل الازمة ، و هي لم ترم اوراقها و تنبطح مذعنة لما يريده  الابراهيمي لانها تدرك الكثير من بواطن الامور و تعلم  سياسة من ينفذ الابراهيمي ( طبعا الاميركية ) و هي لا يمكن ان تسلم رقبتها لاحد و لا يمكن ان تتنازل عن قرارها المستقل و سيادتها لاحد ، و بين هذين الحد رسمت سورية خط مسار العلاقات مع الابراهيمي ، بشكل كانت توجه اليه ما يجب قوله عندما يتجاوز الحدود المرسومة ، و بهذا يفسر سلوك الرئيس الاسد عندما حاول الابراهيمي تسويق المطالب الاميركية بتنحي الرئيس . نذكر هذه الواقعة على سبيل المثال ، و يمكن ان يضاف اليها الكثير الكثير من التصرفات  الابراهيمي السلبية و المنحازة و الردود السورية عليها التي كانت تعيده الى المنطقة بين الحدين المذكورين سواء في تصرفاته في دمشق او مواقفه في القاهرة و نيويورك و اخيرا مناوراته في جنيف .

كان الابراهيمي يسكت لفترة من الزمن بعد كل صفعة يتلقاها لايقاظه من انحرافه و اعادته الى صلب مهمته المعلنة بعيدا عن مهمته الخفية الحقيقية التي ذكرت ، و الان خرج الابراهيمي كالعادة بموقف تطاولي جديد ينتقد فيه استعداد سورية لتنظيم الانتخابات الرئاسية في الاشهر الثلاثة المقبلة ، و يلمح بصورة او اخرى الى الميدان الذي يتهاوى فيه الارهابيون حيث يتساقطون كاوراق الخريف ، ثم تواكبه الخارجية الاميركية بموقف يحاكي موقفه و يتقاطع عند المواضيع ذاتها و يبدي القلق ذاته ، و المثير للدهشة هنا ان اميركا تجيز لنفسها ان تناقش و تقر في الكونغرس مسألة تسليح الارهابيين في سورية ، و تنكر و تبدي القلق من قيام مجلس الشعب السوري بمناقشة قانون الانتخاب في سورية ، و ينسى الابراهيمي هذه الواقعة و لا يتخذ منها موقفا لانه كما ذكرنا في توصيفه اميركي الهوى و المهمة ، و هنا يثار التساؤل عن سبب هذه المواقف الان و بهده الطريقة الصلفة و الوقحة ضد سورية ؟

بداية لا بد من التذكير  بان سورية و منذ ان وقفت على حقيقة ما تتعرض له من عدوان و منذ ان ادركت حجم الحرب الكونية لتي تشن عليها و طبيعة ادوات العدوان و احجامها ، وضعت خطة المواجهة للسير على خطين ، يساند الواحد منها الاخر دون ان يؤدي الاسناد المتبادل او لنقل التأثير المتابدل الى اقفال اي مسار بالمراهنة على الاخر و طرحت سورية منذ البدء المسار السلمي للحل و دعت للحوار بين السوريين برعاية الدولة و على ارضها ، حوار يكون من اجل تطوير الدولة و نظامها السياسي و تفعيل دورها في المنظومة الاقليمية و الدولية ، و مسار امني يقضي باستعادة الامن و الاستقرار الى ربوع البلاد مهما اقتضى ذلك من تضحيات و مواجهات ميدانية ضد الجماعات الارهابية المسلحة .

لقد استجابت سورية بكل حسن نية و صدق انفتاح  لكل مبادرة ترمي لحل الازمة و بهذا المنطق تعاونت مع الابراهيمي ، كما انها نظمت معركتها الدفاعية بشكل مكنها من تحقيق الانجازات الكبرى في الميدان الى الحد الذي جعل الغرب يوقن في داخله بان عدوانه فشل و  على من انخرط فيه  ان يعتاد  على فكرة استمرار الرئيس الاسد على رأس الدولة عملاً بقرار الشعب السوري ، و ان سورية ستبقى في موقعها الاستراتيجي الذي ينسجم مع طبيعتها و مزاج شعبها.

و هنا نسأل اذا كانت الحقيقة التي تدركها اميركا باتت كما ذكرنا فلماذا الاستمرار في المكابرة و اتخاذ المواقف التي تمنع بناء جسور الثقة مع سورية و تعدم فرص خروج المعتدي  بشيء يحفظ ماء وجهه ؟ كما هو حال المواقف الاخيرة  من التحضير للانتخابات الرئاسية التي اتخذتها   بشكل فظ يؤكد التدخل الوقح في الشؤون الداخلية السورية ، في حين ان اميركا  تمنع  سفير سورية لدى الامم المتحدة من التجول خارج مدينة نيويورك ؟!.

و بحثا عن سبب اضافي نعطفه على طبيعة اميركا  العدوانية نرى ان الهستيريا الجديدة ترتبط الان بشكل  اساسي بتسارع الاحداث على المسارين السياسي و العسكري لمصلحة سورية ، حيث ادركت  اميركا ان استمرار التطور بهذا الاتجاه سيؤدي   في المستقبل القريب الى تجريدها من اي ورقة يمكن ان تلعبها ضد سورية ، دون ان تبقي بيدها ما يحفظ ماء وجهها و يحدد خسائرها ، حيث يسجل:

1) في الميدان : يقترب الجيش العربي السوري من انجاز تطهير  القوس المحيط بالحدود اللبنانية الشمالية،  و الشرقية بعد ان طهرت الزارة و سقطت قلعة الحصن عسكريا و ضمت المنطقة بعد تنظيفها او عزلها الى ما سبقها في حمص و القصير و قارة و دير عطية و النبك و اليوم يبرود و غدا رنكوس و عسال الورد . انجاز سيضع حدا للاسناد المتبادل الذي ينفذه الارهابيون عبر الحدود اللبنانية .و سيحول القوس الذي كان بالنسبة للبنان و سورية “قوس موت و ارهاب ” الى قوس امان و استقرار ما سيعطل ورقة لبنان كليا و يريح سورية كما انه سيريح لبنان و مجتمع المقاومة .

2) في السياسة ، تستمر الحكومة السورية في مسارها بما  يحفظ لها حقوقها و سيادتها ،حيث  تقوم بالتحضير للانتخابات الرئاسية المقبلة وفقا للدستور ، و تستمر في عقد المصالحات الممكنة في اطار  من “العدالة الانتقالية”  التي يلجأ اليها دوليا في مثل هذه الظروف  و تتمسك بجهوزيتها لاستئناف العملية السلمية التي تزعم الامم المتحدة انها تعمل لها بوساطة الاخضر الابراهيمي لكن ضمن الضوابط التي وضعتها سورية .

و عليه  يرد الانفعال الاممي- الاميركي برأينا الى تحسس اميركا بالخسارة الاكيدة في سورية و خشيتها  من تجريدها مما تبقى بيدها من  اوراق الابتزاز و التدخل ، لذلك جاءت بهذه المواقف المسعورة على حد قول الخارجية السورية ، لتعبر عن هذا الشعور ، مؤملة   بتهويل يمنع سورية من صنع المزيد من الانجازات على طريق انهاء الازمة ، متناسية ان التهويل لا ينفع مع سورية و هي جربت ذلك اكثر من مرة و فشلت .

:::::

“الثورة”، دمشق


[1]  للمزيد يمكن الاطلاع على مقالة الكاتب بعنوان “

معركة الاستفتاء الشعبي على التعديلات الدستورية في فنزويلا: كبوة جواد عربي اصيل.  7 ديسمبر 2007. المنشورة في كنعان الالكترونية على الرابط التالي:

http://www.kanaanonline.org/articles/01358.pdf

[2]  كل هذه الانجازات لم تكن ممكنة وبهذه السرعة القياسية دون الثورة الكوبية وممارستها لقوميتها الامريكية اللاتينية والاممية الحقة، من خلال امداد الثورة البوليفرية براس المال البشري المهني اللازم : استاذة ومعلمون واطباء وتقنيون وبناؤون وعسكريون..الخ

[3]  ربما لم يسبق شافيس في منزلته عند  فيديل كاسترو الا العملاق الاول: ايرنيستو تشي غيفارا. كان الله في عونك يا فيديل فقد تجرعت كاس مرارة فقدان احب واعز الناس لديك مرتين.