هوغو تشافيس: التاريخ ينصف العظماء…

نورالدين عواد، هافانا

بحلول عام 1992، بدات حقبة كارثية في تاريخ المجتمع البشري والعلاقات الدولية، على اثر اندثار الاتحاد السوفييتي رسميا، واختفاء المعسكر الاشتراكي الاوروبي قبله، وتهافت “ثوريي” المظلة السوفييتية على قمامة الامبريالية الحديثة، من نيوليبرالية واقتصاد السوق وفكر مبتذل ينادي بانتصار الراسمالية وتفوقها وازليتها، ونهاية التاريخ والايديولوجيا وصراع الحضارات…الى آخر المعزوفة المشروخة التي يرددها ويطرب لها كل المتساقطين والمرتدين من مختلف المدارس الفكرية والثورية والوطنية والقومية والدينية…

اصبح الغول الامبريالي الامريكي تحديدا يصول ويجول برا وبحرا وجوا وفضاء دون منازع، ويفرض هيمنته حضورا وغيابا على مشارق الارض ومغاربها. بدا العالم مظلما مكفهرا متعفنا لايقوى على شيء، الا الاستسلام والخنوع للطاغوت الامبريالي المدجج براسماله الدموي، وسلاحه الفتاك، وفكره الظلامي، وممارسته الفاشية.

وكما يقول الماثور العربي  “ان خلت بلت” وبما ان الطبيعة والفكر والمجتمع يكرهون السكون الآسن ولا يطيقونه امدا طويلا، ففي “الحركة بركة”، في 4 فبراير 1992، جاءت صرخة مدوية مكللة بازيز رصاص الرفض والتمرد على واقع الحال في فنزويلا والعالم: حركة بوليفرية عسكرية مدنية تقتحم سماء الاوليغارشية النيولبرالية المحلية، مطية الامبريالية الامريكية واوليغارشيتها تاريخيا، ايذانا بانبلاج عهد جديد من الثورة لامريكا اللاتينية والعالم.

قائد الحركة ضابط حرّ وطني قومي اممي ثوري وانساني حتى النخاع، لم يكن يعرفه احد؛ رجل بكل معنى الرجولة؛ عندما عزت الرجال في العالم، حمل روحه على كفه وذاد بها عن المظلومين والمحرومين والمضطهدين من كل الامم: انه هوغو رافائيل تشافيس فرياس.

حاولت الحركة الاستيلاء بالسلاح على سلطان الدولة من اجل الشروع بعملية التغيير والتحولات اللازمة للمجتمع الفنزويلي الذي كان يعيش حالة استقطاب حادة (80% فقراء؛ 90% لا يشاركون في الانتخابات البرجوازية) على الرغم من الثروات النفطية والمنجمية والمالية الفاحشة التي تتمتع بها البلاد.

فشلت الحركة وتم التوصل الى اتفاق بين المتمردين البوليفريين بقيادة تشافيس والدولة الفنزويلية، حقنا للدماء وحفاظا على حياة كوادر وجنود الثورة، في خطوة الى الخلف استعدادا لعشرات الخطوات الثورية مستقبلا. فظهر القائد البوليفري، بطلب منه، على شاشات التلفزة المحلية والعالمية ليعلن لرفاقه في مختلف المواقع نهاية التمرد،دون ان يتنازل عن قناعاته وقراره باسقاط النظام الاوليغارشي التابع للمركز الامبريالي العالمي، ويعترف على الملأ بانه هو قائد الحركة المدنية العسكرية يوم 4 فبراير 1992،  ويتحمل المسؤولية كاملة عنها،

 

وقال ” للاسف، في هذه المرة، لم يتم انجاز الاهداف التي رسمناها لانفسنا في مدينة العاصمة (…) الان يجب تجنب اراقة المزيد من الدماء؛ انها ساعة التامل والتفكير؛ وستاتي اوضاع جديدة؛ وسيتّجه البلد نهائيا الى مصير افضل”.

ان تكون بوليفريا يعني ان تكون مناهضا ومعاديا للامبريالية بالتعريف ودون مواربة، ومثلت هذه المحاولة الثورية في اعتقادي، اول تحدي علني للقطبية الامبريالية الامريكية وهيمنتها على العالم.

دخل تشافيس ورفاقه سجون دولة الاوليغاشية، وفيها قضوا حوالي سنتين، يعدّون العدّة فكريا ونظريا وبرنامجيا للمرحلة اللاحقة من الثورة. وتحت ضغط الجماهير الشعبية والحركات الاجتماعية الصاعدة في عموم القارة، وفي ظل تعفن احزاب البرجوازية وازمتها الشاملة، وعدم مقدرتها على الاستمرار في سلطان الدولة، صدر عفو عام عن تشافيس ورفاقه، الذين انتقلوا فورا الى النضال الجماهيري والتعبوي والتثقيفي، وخلق الوعي بضرورة التغيير في البلد. وفي ظل “الديموقراطية البرجوازية” كان المجال الوحيد المتاح للوصول الى سلطان الدولة هو النضال البرلماني اي عبر الانتخابات، بكل ما يشوبها من امراض واحابيل وتزوير…الخ.

بعد خروج تشافيس من السجن، وبدعوة من مؤرخ مدينة هافانا، زار كوبا يومي 13 و 14 ديسمبر 1994، ،بصفته القائد الاعلى “للحركة البوليفرية الثورية 200” وكانت المفاجأة الكبرى: فيديل كاسترو، قائد اول ثورة اشتراكية مناهضة للامبريالية في القارة يستقبل تشافيس على ارض المطار الدولي بتشريفات رئيس دولة!!

 

في ذلك العام كانت الازمة الكوبية في ذروتها، على اثر اختفاء كل تحالفاتها واتفاقياتها الاقتصادية والتجارية والمالية مع الاتحاد السوفييتي، ونكوص الاقتصاد الوطني بنسبة 34% (سالب) مقارنة مع نمو عام 1989. وكان الحرمان المادي الذي عاناه الشعب الكوبي البطل، بالاضافة الى التاثير النفسي لذلك، قد ضرب اطنابه في المجتمع، حتى الهواء كان شحيحا ومشحونا بالتوتر العصبي الجماعي، بينما كانت الامبريالية الامريكية ومطاياها في العالم، والكوبيون المضادون للثورة، الراتعون في المجتمع الامريكي منذ 1959، يشحذون اسنانهم للانقضاض على الجزيرة الصغيرة العملاقة، التي بقيت وحدها في مواجهة الغول الامبريالي، ولم تستسلم ولم تتنازل عن مبادئها وسيادتها واستقلالها، اي عن اشتراكيتها.

شخصيا اعتقدت بان فيديل قد اصيب بالجنون السياسي وبان الحكومة الفنزويلية ستقطع علاقاتها فورا مع كوبا، مما كان سيفاقم الازمة الكوبية ويؤدي الى تكالب وتآلب الانظمة اليمينية في القارة ضدها. لحسن حظي خاب ظني، ولاحقا ادركت بعد نظر القائد الثوري، وحدسه الصائب، وكان رهانه في محله.

القى شافيس محاضرة مرتجلة في القاعة العظمى في جامعة هافانا،عبّر من خلالها عن انسان عملاق ثوريا،  جريئ سياسيا، متفائل واقعيا، ذو قناعات فكرية راسخة ، وثقافة تاريخية سياسية واسعة.

فقال “عندما كان بوليفر على حافة القبر قال “يجب على العسكريين امتشاق السيف من اجل الدفاع عن الضمانات الاجتماعية” وهو الذي قال ايضا “ان افضل نظام حكم هو الذي يوفر اكبر قدر من السعادة لشعبه، واكبر قدر من الاستقرار السياسي والامان الاجتماعي” كما كان يقول “ان الغنغرينة السياسية لا تعالج بالمسكّنات” وفنزويلا اليوم تعاني من غنغرينة مطلقة وشاملة”.

ومما قاله هناك “سناتي الى كوبا يوما ما في ظل ظروف تسمح لنا بمدّ  اذرعنا اليها، وبالتعاضد بيننا في سبيل مشروع ثوري امريكي لاتيني…اننا نشعر باننا ابناء كل الازمان وكل الاماكن… واننا مستعدون للتضحية بكل شيء في سبيل احراز التغيير الضروري في فنزويلا… القرن القادم بالنسبة لنا هو قرن الامل وتجسيد الحلم البوليفري، وهو حلم مارتي، وحلم امريكا اللاتينية… لا خيار امام الاوليغارشية الا تسليم السلطة للشعب طوعا او كرها”.

“ايها الاصدقاء الاعزاء، لقد شرفتموني في هذه الليلة بالجلوس للاستماع الى هذه الافكار التي يحملها جندي امريكي لاتيني وهب نفسه بالكامل والى الابد لقضية الثورة في امريكتنا. واعانقكم جميعا عناقا بوليفريا”.

بعد مشاهدة المحاضرة المتلفزة ظننت انني في حضرة مجنون سياسي ثاني، وانه سيعود الى السجن بمجرد وصوله الى كاراكاس. ولحسن حظي خاب ظني ثانية، وعاد شافيس ولم يمسه احد علنا، على الرغم من المضايقات والرقابة الامنية!  كان تشافيس مؤمنا بربّه ومسيحه وشعبه وقضيته وبالانسان، واثقا من مسيرته ورفاقه الاقربين، ومتسلحا بوعي وطني قومي اممي معاد للامبريالية والصهيونية والاوليغارشية دون هوادة.

في الاوقات العصيبة تبدو الثورة ضربا من الجنون والحلم الثوري نوعا من الهذيان، والمحبة الانسانية رجسا من عمل الشيطان! الم يكن الامر كذلك في كل الاماكن وكل الازمان؟ فمرحى لثورة الانسان على الظلم والطغيان، وفي ظل الامبريالية المتغولة لا خيار امام المجتمع البشري : فاما البربرية واما الاشتراكية الثورية.

وواصل تشافيس ورفاقه مشوارهم النضالي الدؤوب ، حيث تم تغيير شكل الكفاح، وتمت تعبئة الجماهير العريضة وتوعيتها بذاتها وبمصيرها، وبنيت التحالفات الصحيحة، مما خلخل معادلة الصراع الداخلي. كان الصراع بين النخبة الثورية (البوليفريين) ونظام الاوليغارشية المدعوم امبرياليا، لكنه تحول الى صراع بين الجماهير الشعبية العريضة بقيادة النخبة الثورية وتوجيهاتها وبين النظام القائم. فكانت المفاجأة الكبرى في انتخابات عام 1998 : فوز تشافيس بالرئاسة دستوريا وسلميا وبدعم شعبي كبير.

ولدى تسلمه مقاليد الحكم من الرئيس الذي اطلق سراحه (رافائيل كالديرا) في 2 فبرايرعام 1999، قال ” اقسم على هذا الدستور المحتضر؛ اقسم امام الله؛ اقسم امام الوطن؛ اقسم امام شعبي انني على جثة هذا الدستور المحتضر، سادفع بالتحولات الديموقراطية الضرورية لكي يتوفر للجمهورية الجديدة ميثاقا عظيما (دستورا) ملائما للازمنة الجديدة. وعلى هذا اقسم”[1].

وبناء على وفاء تشافيس لبرنامجه الانتخابي، وقسمه التاريخي، اخذت فنزويلا تتغير ديموقراطيا وتدريجيا وعلى كافة الاصعدة، لا سيما النهوض بالفقراء والمحرومين من خلال برامج التنمية الشعبية الشاملة، انطلاقا من محو الامية التقليدية والمهنية، مرورا بالرعاية الصحية، وتكريس حق العمل الانتاجي للجميع، بدلا من النزعة الاستهلاكية للنخب الثرية، وصولا الى الشروع بحل ازمة السكن التاريخية، والتصدي لعصابات العنف المافيوي…الخ[2].

فالهدف هو انجاز الاستقلال الوطني النهائي، وتكريس السيادة على الثروات الوطنية الهائلة، واستخدامها في سبيل التنمية المجتمعية المتكاملة بالحماية الشعبية، والشروع بخطوات عملية من اجل تنفيذ المشروع البوليفري التاريخي منذ ما يزيد على 200 عام: بناء الوطن الكبير وتوحيد شعوب وحكومات امريكا اللاتينية والكاريبي، على نقيض تناحري مع المشروع الامبريالي الامريكي التاريخي، اي مشروع مونرو القائل بان امريكا (شمالا وجنوبا) حكر وحاكورة للولايات المتحدة الامريكية دون منازع، وبمشيئة ربّانية، ليست الا ربّانية وطغمة راس المال وما يترتب عليه.

في رايي كان هذا هو التحدي البطولي الثاني الذي اضطلع به تشافيس في التصدي للامبريالية الامريكية، ومطاياها من الكمبرادور والرجعيات المحلية في القارة.  اتبعه بالتحدي الثالث المتمثل في افشال البرنامج الاقتصادي الاستراتيجي الامبريالي تجاه القارة، اي مشروع منطقة التجارة الحرة للامريكتين “آلكا” (اختصارها بالاسبانية) من اجل ابتلاع اقتصادات وثروات عموم بلدان امريكا اللاتينية والكاريبي. وقد نجح تشافيس في هذا المسعى والغيت “آلكا” نهائيا كمشروع قاري. وفي حملته الشرسة ضدها كان تشافيس يكرر في خطاباته واقواله رسميا وشعبيا ” آلكا، آلكا، ألكاراخو” (فلتذهب آلكا الى الجحيم”، اذ اطلقها للمرة الاولى في “قمة الشعوب الثالثة” التي عقدت في نوفمبر 2005 في الارجنتين.

فهذا البديل البوليفري لامريكا اللاتينية والكاريبي “آلبا” تصديا للبديل الامبريالي “آلكا”، وهذه “وحدة امريكا الجنوبية ومجلس دفاعها” تصديا للمياكانيزم الامبريالي الرجعي “معاهدة التعاضد المتبادل بين البلدان الامريكية”؛ وهذه “منظومة دول امريكا اللاتينية والكاريبي” (سيلاك) بديلا لـ “منظمة الدول الامريكية”، نظيرة “جامعة الدول العربية”؛ وهذه بيتروكاريبي وبيترواميريكا وبنك الجنوب، كبدائل لاحتكارات النفط العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي: انها ضربات موجعة لراس المال المالي والاحتكاري الامبريالي، وتحولات ملموسة ادت الى تغيير الخريطة الجيوسياسية في القارة، وساهمت في خلق موازين قوى قارية وعالمية جديدة ، تمهيدا لتبلور عالم الاقطاب المتعددة.

والاهم من ذلك، هو اعلان العزم والتصميم والتنفيذ للبرمنامج التاريخي النقيض للراسمالية، اي الاشتراكية،التي لا يرى تشافيس غيرها حلا للازمة العالمية المتفاقمة التي لا زالت تعصف بالبشرية.  وقد اطلق عليها اسم “اشتراكية القرن الحادي والعشرين”، التي لا تختلف جوهريا عن الاشتراكية المعروفة نظريا، اي الماركسية اللينينية وتطويرها على عاتق ثوريين امريكيين لاتينيين ابتداء من “مارياتيغي” الذي يعتبر رائد الفكر الماركسي في القارة ، بل انها تاخذ بالحسبان الخصوصيات المميزة للمجتمع الفنزويلي، والدروس والعبر المستفادة من اخفاقات واخطاء الاشتراكية المحققة في اوروبا، وتستند الى الموروث القومي التاريخي المتنور، ابتداء من سيمون بوليفر وخوسيه مارتي وصولا الى بقية رواد الفكر والنضال التحررى في القارة.  وهذا هو التحدي البطولي الرابع الذي يتم تحت قيادة شافيس ووريثه النضالي المجرّب نيقولاس مادورو.

ولم يكتف تشافيس بالبعدين الوطني والقومي للثورة البوليفرية بل استكملهما بالبعد الاممي سياسيا واقتصاديا وعسكريا، من خلال العمل على شق وحدانية القطبية الامريكية المتغولة، وذلك بارساء علاقات استراتيجية مع روسيا والصين وايران وجنوب افريقيا والهند والبرازيل (مجموعة بريكس) وبقية الدول والقوى المناهضة والممانعة للمشروع الامبريالي والصهيوني، ومنها سوريا الاسد وعراق صدام حسين والمقاومة الفلسطينية واللبنانية…الخ وجاء كل ذلك بمثابة التحدي والانجاز الخامس لشافيس البوليفري: الاسهام في بلورة تعددية قطبية عالميا بديلا عن القطبية الامبريالية الوحيدة.

كل هذه التحديات والانجازات وضعت تشافيس في تصدي وتحدي مباشر مع الامبريالية الصهيونية العالمية، فعملت على الاطاحة به من خلال محاولات انقلابية متعددة الاشكال، وتصفيته جسديا في نهاية الامر. ولم تخف الامبريالية الامريكية نيتها في التخلص من تشافيس، كما لم يتورع الكيان الصهيوني عن ملاحقته امنيا بشكل دائم، وبهذا الخصوص قال شافيس امام شبكات التلفزة الدولية عام 2007، ” ماذا يفعل فريق من الموساد يتتبع خطاي دائما اينما ذهبت؟ هل يريدون قتلي؟”

طبعا حسب المنطق الامبريالي الصهيوني، تصفية تشافيس تعني تلقائيا التخلص من كل ارثه النضالي البطولي وانجازاته، وفي نفس الوقت الإتيان باليهودي الصهيوني الفاشي هينريكي كابريليس رادونسكي الى سلطان الدولة الفنزويلية، والنكوص بها الى حظيرة الامبريالية. غير ان الوقائع عنيدة، والشعب الفنزويلي وقواه الثورية الطليعية المشتبكة دون هوادة مع سلطان راس المال وازلامه، تثبت بما يدع مجالا للشك بانه “اذا الشعب يوما اراد الحياة  فلا بد ان يستجيب القدر”.

من الصعب على انسان ثوري و / او شريف ان يقبل ببساطة غياب تشافيس جسديا ، لذلك ترى رفاقه وشعبه ومحبيه لا يصدقون رحيله، بل يقولون، واقول معهم، انه ذهب الى بعد آخر، وروحه تحوم فوق رؤوسنا ومثاله يهدينا، فهو القائد الاعلى الابدي للثورة البوليفرية، التي لم تات كلّ أكلها بعد.

 

( اخذت له هذه الصورة يوم7 ديسمبر 2012 في وادي كاراكاس اثناء اختتام حملته الانتخابية الرئاسية المظفرة، في ظل عاصفة ماطرة، وانشد يومها النشيد الوطني والشعب يردد معه، وكان على وشك المغادرة الى كوبا من اجل استئناف معالجة السرطان الذي اصابوه به، غدرا ودناءة، ومما قاله يوم 10 ديسمبر: ” اغادركم مفعما بالتفاؤل والنور وبالايمان بالمسيح، كي استمر في النضال والانتصار”).

 

ان اقرب المقربين الى تشافيس كان قائد الثورة الكوبية المعاصرة فيديل كاسترو، الذي يحبه حبا جما و يخاف عليه دائما ولا يريده ان يموت مهما كانت الاسباب، واعتقد جازما انه لو كان باستطاعته افتداؤه بحياته لفعل، ولم ار فيديل حزينا باكيا علنا، الا بعد رحيل شافيس، فأي حب واي غرام هذا الذي يجمع بين عملاقين!؟ لا شك انه الثورة والانسان![3]

 

( في اكتوبر 2007، قالت شافيس لكاسترو: “انت صانع تاريخ انت المعلم واقول ذلك دون اي حرج او عقد، انت اب الثوريين في هذه القارة، انت ابونا”).

شافيس وفلسطين

اثناء الحملة الانتخابية الرئاسية الاولى، سأله احد ما في جزيرة مارغاريتا الفنزويلية عن رايه بفلسطين فقال ” فلسطين بالنسبة لنا من النهر الى البحر” (…) انا  ناصري”.

ولم تتاخر افعاله عن مواقفه تجاه فلسطين والفلسطينيين حتى انه اقترح تدريس القضية الفلسطينية في الجامعات الفنزويلية، بينما يقوم طابور سادس ثقافوي فلسطيني بمسخ القضية الفلسطينية شكلا ومضمونا، وطابور غيره بتعهير القضية وغيره ببيعها وغيره بذبحها…الخ وغيره وغيره كثيرون من طوابير الاستسلام والاسترزاق والخيانة.

 

في سبتمبر 2009، عقدت في جزيرة مارغاريتا ايضا ، قمة دول افريقيا وامريكا الجنوبية. وكان من حسن حظي ان شاركت ضمن الطاقم الفني الكوبي الذي تكفل باعمال القمة في مجال الترجمة الى مختلف اللغات. وكعادته ولدى انتهاء القمة بقي تشافيس في القاعة (خيمة كبيرة) وتحادث مع المترجمين وبقية الفنيين، وجها لوجه. ولم يكن صعبا او ممنوعا عليّ الوصول اليه. بالاضافة الى محبتي اللامحدودة لتشافيس، اردت ان اشكره على مواقفه تجاه قضيتنا، فصافحته بحرارة وارتجلت العبارة التالية “ايها القائد، انا جندي من فلسطين في سبيل الثورة البوليفرية” فنظر اليّ ورأيته يغوص في اعماقي ويجوب كل ربوع فلسطين من البحر الى  النهر وقال “نعم، كيف لا؟ اهلا وسهلا”. هي بضعة ثوان كثّفت مشاعر وآمال وأحلام وقناعات ملايين البشر وهبوا انفسهم، مثل تشافيس، لقضية الثورة في سبيل الانسان.

تشافيس لم يمت، بل يعيش في ملايين البشر، وقد دخل التاريخ من اوسع ابوابه واشرفها: باب القتال والكفاح ضد ظلم وطغيان الامبريالية والصهيونية والرجعية، من اجل الفقراء والمضطهدين والمحرومين والشعوب والامم المظلومة؛ وصدق وعده البوليفري ونال الشهادة العظمى: الشهادة في سبيل الثورة الاممية، وانعتاق البشرية نحو آفاق الحرية والعدالة والاشتراكية.