حول سورية الثورة في سوريا

ثريا عاصي   

    قد يدهش البعض من السؤال عن دور السوريين  في ما يجري في بلادهم . هل الحرب التي يسميها البعض ويصرون على  ذلك، ثورة، هي حقا ثورة أعلنها وأطلقها السوريون ؟؟ أسارع إلى القول بأن مداورة هذه المسألة في الذهن لا توصل إلى إجابة موضوعية ما لم يعتمد الباحث على المعطيات والقرائن الملموسة والثابتة . فالكيدية العصبية تغني الكثيرين عن التفكير والتحليل بدفق  من المواقف المسبقة والأقاويل المتداولة بفتاوى أو بتكليف من الأمبريالية الأميركية .

          أن الصراع في سوريا هو في جوهره صراع على السلطة، كمثل الصراع في العراق . لا غلو في القول أن هذا معطى ثابت، لا يحتاج إلى براهين، منذ أن انتقلت الخلافة إلى دمشق ثم إلى بغداد . حتى اليوم . من نافل القول أن الكيانات الموروثة عن الإستعمار القديم إتسمت بعدم الإستقرار . وقع أول إنقلاب عسكري في سوريا في آذار مارس 1949 . سقطت الملكية في العراق  في تموز، يوليو 1958 . تتالت بعد ذلك الإنقلابات العسكرية في البلدين الأخيرين . استهوت السلطة الكثيرين . لا شك في انها أدت إلى إنحراف البعض، فضلا عن أنها استهلكت طاقات البلاد وشغلت عقول الناس وأضعفت الدولة . إلى أن “أينعت فحان قطافها” في حرب حزيران يونيو 1967، تاريخ الهزيمة الماحقة، التي زعزعت أركان الدولة العربية، وشرعت الأبواب أمام الأمبريالية الأميركية وريثة الإستعمار القديم وسيدته .

          أكتفي بهذه التوطئة لأقول، بأن النفوذ الأميركي إخترق السيادة الوطنية في البلاد العربية بموزاة تتابع الإنقلابات والهزائم أيضا . كان ذلك على حساب  إرساء  مؤسسات الدولة الدستورية من جهة ورسم خطط الإنماء وتنفيذها من جهة ثانية . أي بكلام أكثر وضوحا وصراحة، لا نعلم  أنه حدث أن حزبا او حركة استولت على السلطة في بلاد العرب بعد وفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، دون أن يكون بين هذا الحزب وتلك الحركة من جهة والولايات الأميركية وأتباعها من جهة ثانية علاقة يمكن أن ننعتها بالدافئة وأن اختلفت درجة حرارتها من بلد إلى آخر . ما أود قوله  إن تأثير الولايات المتحدة الأميركية كان ملموسا وفاعلا على الحكومات العربية . ظنا من الأخيرة  ان الإنبطاح أمام الولايات المتحدة الأميركية يعوض عجزها وتقاعسها عن الإعداد لحرب التحرير، ويقيها خطورة المستعمرين الإسرائيليين . فالتصدي للأخيرين يتطلب إستكمال بناء الوطن بجدية وإخلاص . هذا لا يتناسق طبعا، مع سلوك الإستهتار . أيقن الحكام انهم واهمون ! فتمادى نفر منهم في غيهم، على نهج “ليكن من بعدي الطوفان” في حين عاد البعض إلى  رشدهم وانضموا  في سوريا إلى حرب الدفاع عن الوطن والمحافظة على الوجود !

          المفارقة في “الثورات” العربية، المهزلة، أن الولايات المتحدة الأميركية كانت حتى عشية الثورة على علاقة جيدة بالحكومات التي حرضت ودعمت الثوار ضدها . من كان يشكك بتبعية نظام الرئيس حسني مبارك للولايات المتحدة ؟. كيف يمكن للمراقب أن ينسى “إقتحام” السفيرين الأميركي والفرنسي لمدينة حماة في بداية الأزمة السورية . هذان السفيران االلذان لعبا كما لا يخفى، طوال السنوات الثلاث الماضية دورا قياديا في “الثورة” السورية !

          وإذا أخذنا بعين الأعتبار الجهود “الجبارة” التي بذلها أميرقطر، وخلفه أمين عام جامعة الدول العربية، في التحريض على سوريا . لقد كان الاول يصول ويجول في بلاد العرب “تطيعه ذى المضاريط ُ الرعاديدُ” . وتطاول أيضا على ممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي وتوعدهم بالويل والثبور وعظائم الأمور أن هم رفضوا تلبية رغباته !

          من حسن حظ السوريين أن آل سعود ضاقوا ذرعا وربما تولتهم خشية من تحشيد المرتزقة  وتجنيدهم من أجل الحرب على سوريا كيفما اتفق، دون تمييز ودون أن تكون السيطرة عليهم مضمونة . ما حملهم في أغلب الظن  على أخذ زمام المبادرة . فاستغنوا بطريقة أو بأخرى عن بعض الجماعات . بالإضافة إلى محاولة إعادة تنظيم “جيش” الثورة، في الأردن تمهيدا للهجوم  على دمشق  وإسقاط شرعية الدولة السورية . ولكن من المحتمل أن المعادلات الدولية حالت دون تطابق حساب الحقل على حساب البيدر، فتعثر الهجوم في جنوب سوريا أو فشل لا ندري .

ويتضح لنا أكثر، في سياق هذه المقاربة أن البحث عن السوريين ودورهم في الثورة السورية المزعومة، عبثي أو وهمي، أو شكل من أشكال الهلوسة عندما نعلم أن الولايات المتحدة الأميركية التي تريد عولمة العالم وتزعمه، تشرف على الثورة فتتحكم بمستوى جهوزيتها ونوعية سلاحها، وأعداد المرتزقة في صفوفها ومصادر تمويلها . بالإضافة الى رسم الخطط التكتيكية والإستراتيجية لها .

تحسن الإشارة الى أن الإدارة الأميركية تستخدم في المسألة السورية، الحكومة الفرنسية  كون فرنسا كانت القوة الإستعمارية المنتدبة على سوريا يمنحها بنظر الإدارة المذكورة بعض الإمتيازات، مثلما اضطلعت الحكومة البريطانية تحت قيادة طوني بلير بدور ملحوظ في مساعدة قوات الغزو الأميركي في العراق .

ما يحمل على الإعتقاد، بأن ما يسمى الثورة انما هي في جوهرها “مشي قهقرى” . فلقد قدمت حكومات البلدان العربية أقصى الخدمات للأمبريالية الأميركية . ينبني عليه أن التفسير الوحيد والمنطقي للإنقلاب الأميركي على هذه الحكومات هو وجود إرادة بتفكيك هذه البلدان، أي إلغاء الدولة وتبديل الخرائط .

مجمل القول، صحيح أن في سوريا حربا يسميها البعض “ثورة”، ولكن يصعب تقدير دور السوريين فيها، تصعب رؤيتهم . كيف تكون الثورة سورية عندما يكون الناطقون باسمها سفراء الدول الإستعمارية وأعلامها .. وعندما ترابط جيوش هذه الدول وبوارجها حول سوريا … من أجل تسهيل دخول المرتزقة وإمدادهم بالسلاح والسيوف والخناجر والسموم … ليقوموا بتنفيذ الفاجعة بحسب النص المكتوب في كتاب صراع الحضارات، عن العرب وبدائيتهم ومزاجيتهم وعنفهم وعصبيتهم وهمجيتهم …

::::

“الديار”، اللبنانية