حرب بيت اوسلو أخطر من التطبيع

عادل سمارة

 

وحده الله الذي يعلم أسباب توقيت معركة السُباب العلني بين قيادات من حركة فتح. سُباب يمكن تجليسه في خانة صراع القصور/البلاط وليس صراع كبار مساهمي شركة معولمة لأن الشركة ربما بعض رأسمالها من استغلال شغل الشغيلة وليس الريع. أما في حالة هؤلاء فالصراع والاتهامات على أموال ريعية في معظمها، وإن كان بعضها مما جُبي ضريبيا من أهل الأرض المحتلة ليقتطع منه جزء ويوزع على المحاسيب جزء والباقي لدافعي الضرائب.

ترتد جذور هذا الصراع  زمانياً إلى بدايات منظمة التحرير حيث التمويل الخليجي الملغوم لنسفها من الداخل بتخريبها بالمال المسموم ولا شك ان هذا التمويل ضمن استراتيجية الثورة المضادة  الصهيو امريكية. أو تحديداً إلحاق الهزيمة بحرب الغُوار عبر المال. وبالطبع دار حول ذلك حديث كثير، وهنا أود التذكير بمحاضرة قدمتها لطلبة جامعة بير زيت يوم 5 نيسان 1993 عن المأزق المالي والسياسي لمنظمة التحرير. (نشرت في كراس/ راس المال يعيد اصطفافه الطبقي). وكان نظيري حينها السيد نبيل عمرو كمؤيد للتسوية.

لن اذهب بعد هذا لتحليل تاريخي طويل، لأن بيت القصيد هو ان هذا التمويل جعل قبض الأموال من اي كان أمراً عادياً، وهو الذي “أثمر” مفاوضات مدريد واتفاق أوسلو وبروتوكول باريس و شعار الحياة مفاوضات بدل الحياة مقاومة، وكما نرى اليوم فيضان أموال التطبيع والأنجزة ولا خجل. ولا شك أن هذه العوامل كافية لصد ثورة حقيقية فما بالك بحركة مقاومة!

لعل ما هو عالق اليوم أمران هما اسباب توقيت تفجير هذا الصراع ونتائج ذلك.

يحتاج إيجاد الأسباب إلى الراسخين في دهاليز سلطة أوسلو-ستان سواء السياسية أو المالية. وهنا أرفض حصر المسألة في ابو مازن ومحمد دحلان وكأنه لم يكن يحيط بياسر عرفات سوى الرجلين.

يمكن للمرء التقوُّل بأن أهم أسباب معركة السُباب هذه هو مقعد رئاسة سلطة أوسلو بمعنى أن ابو مازن على طريق الرحيل فمن الطبيعي ان يتم تعيين شخص مكانه ومع الشخص طبعاً هيئته. وهذا يفتح على مسألة تبين أن السلطة هي وراثية في بطريركية حركة فتح وحدها.

فخروج دحلان من المحتل 1967 واحتضان الإمارات له يبين أن محاور الثورة المضادة تتبنى هذا أو ذاك. الإمارات تتبنى دحلان، وقطر تتبنى حماس، والسعودية (لا مباشرة) تتبنى عباس والولايات المتحدة تتبنى الجميع ولكن حتى الآن عباس. وحقيقة الأمر أن ما يجري هو تقسيم عمل بين شركاء الثورة المضادة بقيادة الولايات المتحدة وليس تقسيم عمل بين الفلسطينيين، لأن الفلسطينيين هم موضوع العمل/خشبة المسرح.

وربما يسمح لنا هذا القول بأن زيارة ابو مازن لواشنطن ليست بهدف تمديد المفاوضات لأن قرار التمديد هو في النهاية امريكي ومن ثم صهيوني. اي أن أهم اسباب الزيارة هي :

·        ترتيب جديد للتابع الفلسطيني

·        وتجنيد مكثف للحكام العرب وراء تكريس يهودية الدولة وشطب حق العودة.

·        وتجميل الأمر بالإفراج عن معتقلين وخاصة الرفيق احمد سعدات والسيد مروان برغوثي .وهناك قول بأنه سيكون نائباً لأبي مازن.

ولكن، إذا كان قرار القيادة هذه بيد هذه الأطراف في النهاية، فعلام الصراع؟

طبعاً حاشى لله ان نسمي ذلك “نقداً ونقداً ذاتياً”!!! ولكن، لا بد من الإقرار بأن للتابع دوما هامش مناورة، وهو هامش يخدم السيد بمعنى ان يبقى التابع ضعيفا فيزداد تبعيةً مما يبقيه بل يؤدي به للغوص أكثر في تطبيق سياسات السيد. قد يفيد هنا التذكير بالصراع بين فتح وحماس، وداخل مجلس التعاون الخليجي وكله تابع للولايات المتحدة وكذلك الحروب الداخلية/البينية بين ثوار سوريا” داعش والنصرة والجيش الحر وغيرها. وجميع هؤلاء من أهل السنة مما يغرينا بالاستنجاد بتحليلات د. صادق جلال العظم كابرز المنظِّرين لأهل السنة والجماعة اليوم!!

وراء ابو مازن ودحلان تكتلات، تظهر وتختفي، صراع مستميت  على السلطة ليذهب المنتصر إلى واشنطن كي يتم تنصيبه، وهو تنصيب لن يتم دون مباركة الكيان الصهيوني الإشكنازي، هذا إذا غاب الصراع نفسه.

والتكتلات تفتح على قتل ياسر عرفات. فهل لم يكن يحيط بالرجل سوى عباس ودحلان؟ ألا يوجد رُواة آخرون؟ اين هم. هل سلطة أوسلو فقط مثل مسرحية الفوضى والعبقرية ل سارتر شخوصها ثلاثة رجال وامرأة محصورين في غرفة!! هل صمت الآخرين هو صمت الانتظار أو المشاركة من وراء حجاب؟ لقد كان اغتيال عرفات متوقعاً. لقد كتبت قبل ذلك بسنوات مقالة فحواها أن المطلوب من عرفات بعد أوسلو أن يمضي (اي يوقع على شطب حق العودة ومن ثم يمضي أي يرحل. ولذا قُتل. وعلينا أن نتذكر ان الحكام العرب من الثورة المضادة حين حصاره كانوا موافقين على ذلك لتمرير الحل الصهيوني تماما كما يفعلون اليوم في تعبئة إطار كيري بالهواء.

لكن الأخطر من كل هذا هو التاثير، تاثير الحرب. فالشعب الفلسطيني يعرف أن لا أموال بايدي هؤلاء بل وكل متنفذ وقيادي في السلطة سوى من الريع.، بيوتهم ارصدتهم سيارات عقاراتهم…الخ. والريع هذا مدفوع باسم مساعدة الفلسطينيين ليعبروا مرحلة الحياة مقاومة إلى الحياة مفاوضات ويهودية الدولة وشطب حق العودة. لذا يكون الفساد ضرورياً كي تتجسد معادلة: أن  يدفع المانحون الغرب والعرب ريعا مالياً من أجل تمرير مشروع أوسلو السياسي”. ولذا، لا يقوم المانح بمسائلة الممنوح بل تتجسد معادلة “المانحون والمادحون” (عنوان كتابي: البنك الدولي والحكم الذاتي 1996).  إذن لا حاجة لسؤال كل شخص من اين له هذه الأموال وهو يقول دوماً بانه قضى حياته مناضلاً.

وبالمناسبة لا يختلف كثيرا مدراء الأنجزة عن مدراء السلطة. فهؤلاء يلعبون بالملايين العديدة، فلماذا يتم تمويلهم؟ بل إن هؤلاء اخطر من اولئك. قبل يومين شاهدت د. مصطفى البرغوثي على فضائية المنار يتحدث عن وجوب رفض التمويل المرهون بتنازلات سياسية وينقد أوسلو…الخ. ولكن لا أحدا يعرف من اين ولماذا تم تمويل منظمته الإغاثة الطبية باضخم من وزارة؟؟؟ والأهم أنه هو نفسه من تمفصلات أوسلو، فهو ممن ايدوا اوسلوا وترشح لبرلمان اوسلو وحتى لرئاسة سلطة أوسلو!!! أما مذيع المنار فكان شديد الأدب!!! وعليه أظهرت المنار برغوثي كبطل مقاومة وتقشف!!! لكمه كان دقيقاً فحين طرح البيل المسمى المقاومة الشعبية اصر على انها سلمية في تأكيد للصهيوني والأمريكي بأنه لن يزل.

طريف ان نذكر هنا ذكاء جماعة الأنجزة وخاصة من حزب الشعب في تقاسم الأموال بدون ضجيج:

·        اخذ فريق الإغاثة الطبية

·        وآخر الإغاثة الزراعية

·        وثالث التمويل اليساري الإمبريالي (مثل مؤسسة روزا لكسمبورغ)

لذا، بقدر ما نجد أن لا أحدا من حركة فتح بلا شغل، لا نجد أحدا من حزب الشعب بلا شغل!! إنه تطبيق جميل لنظرية التشغيل الكامل عند جون مينارد كينز ولكن على الحزب وليس الشعب.

مرة أخرى الخطر بان هذا السُباب المالي من جهة وسُباب المشاركة في مقتل عرفات لا ينتهيان إلا إلى تطفيش المواطن العربي عن القضية الفلسطينية. إنه تكفير أشد المؤمنين، وهذا اخطر من التطبيع. إنه رفع التطبيع إلى درجات قصوى.

هل يعرف هؤلاء هذه النتيجة؟ أعتقد أنم يقصدونها. فهذا التطفيش يجعل من السهل على أنظمة الريع والكمبرادور وال “ربيع” العربي أن يعلنوا تبنيهم ليهودية الدولة والركوب على إطار كيري.

لذا، ليس الأمر صدفة ولا زلات ألسنة.

ولكن، لم يكن هذا سهلاً لو كانت قيادات القوى الأخرى خارج هيمنة السلطة ومدراء الأنجزة. وإن كان هذا ليس صحيحاً، فمن واجبنا أن نسمع.