التطبيع في تونس

الطاهر المعز 

اشتهر الحبيب بورقيبة، رئيس تونس من 1956 إلى 1987 بموالاته التامة للإمبريالية (أو ما يسمى “الغرب”)، وساند جرائم الإمبريالية الأمريكية في فيتنام، وتدخلها العسكري في لبنان (1958) وناصب العداء لكل فكر تقدمي، داخل البلاد وخارجها، ويذكر الفلسطينيون والعرب خطابه في “أريحا”، سنة 1965، عندما أعلن أنه كان على العرب والفلسطينيين قبول خطة تقسيم فلسطين وإهداء جزء منها إلى المحتلين الصهاينة، وهم مواطنون أوروبيون في غالبيتهم، وساندتهم الإمبريالية الأوروبية، وساعدهم حوالي 130 ألف مرتزق من كافة انحاء العالم على احتلال فلسطين…

بعد زيارة السادات لأصدقائه الصهاينة في فلسطين المحتلة وخطابه في “الكنيست” وتوقيعه اتفاقيات “كامب ديفيد”، انتقلت الجامعة العربية إلى تونس، ثم انتقلت إليها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، بين 1982 و1994، بعد تصفية وجود المقاومة الفلسطينية في لبنان واحتلال الكيان الصهيوني لأجزاء من لبنان (بعد محاصرة بيروت وتكليف حزب الكتائب –القوات اللبنانية حاليا-  بتنفيذ مجازر عديدة مثلما حصل في مخيمي صبرا وشاتيلا)، ولاحقت قوات الإحتلال الصهيوني الفلسطينيين في تونس، فأغارت طائراتها الحربية على الضاحية الجنوبية “حمام الشط” وقتلت عشرات التونسيين والفلسطينيين صباح يوم 1 تشرين الأول/اكتوبر 1985، وأوعزت وسائل الإعلام الرسمية أن الهجوم قد يكون ليبيا وليس صهيونيا، رغم تأكيد وسائل الإعلام الأجنبية على هوية المعتدي، وتواصلت استباحة الصهاينة للأراضي التونسية فاغتالت المخابرات العسكرية بقيادة “إيهود باراك” قيادات فلسطينية في تونس مثل “أبو إياد” و”أبو جهاد”، خلال حكم زين العابدين بن علي، الذي انقلب على بورقيبة (يوم 07/11/1987)، وبعد اتفاقيات أوسلو (1993)، افتتح في تونس رسميا مكتب لرعاية لمصالح الصهيونية سنة 1996، هذا بالإضافة إلى استقبال تونس كل سنة آلاف اليهود ذوي الجنسية الإسرائيلية، الذين يحجون إلى كنيس “الغريبة” في جزيرة جربة، ويقود هذه الوفود وزراء صهاينة، وتنزل طائراتهم في مطار جربة، رافعة علم دولة الإحتلال…  وكذا فعلت معظم الحكومات العربية التي فوضت النظام السعودي، باسم الجامعة العربية، بتقديم “مبادرة السلام العربية” (مؤتمر بيروت 2002) التي تتنازل على حق لا تملكه في فلسطين، قبل أن تشارك في احتلال العراق وفي تخريب بلدان عربية أخرى…

تعللت السلطات بموقف وممارسات منظمة التحرير الفلسطينية، للتطبيع مع العدو، الذي قصف أراضي البلاد واغتال سكانها والفلسطينيين المقيمين فيها، وفتح هذا التطبيع الرسمي الباب أمام التطبيع “الشعبي”، غير أن مقاطعة العدو الصهيوني كانت متأصلة في المجتمع، ولما غنى أحد الفنانين الهابطين في مستعمرة إيلات وردد مع مستمعيه من الصهاينة الذين كانوا يوما ما تونسيين، “يحيا بيبي نتن ياهو”، ونشر شريط قصير على الشبكات “الإجتماعية”، أثارت القضية جدلا هاما وطالب بعضهم بسحب جنسيته! غير أن عدد من الأحداث بينت أن قضية تطبيع العلاقات مع العدو بدأت تتسرب لعقول المواطن، منها أن انعقد مؤتمر “مجتمع المعلومات” في تونس بمشاركة وفد يقوده وزير الخارجية الصهيوني (عوضا عن رئيس الحكومة أرييل شارون) سنة 2005، واستقبل هذا الوزير استقبال الفاتحين، بتعلة أنه كان تونسيا في يوم ما، ولم يكن الرد في مستوى الحدث، بل ان “تحالف 18 اكتوبر” الذي كان يجمع حزب العمال الشيوعي والإخوان المسلمين (النهضة) وبعض القوى الأخرى لم يهتم بالأمر، في حين أضرب المدرسون احتجاجا على ذلك، كما انعقد في تونس مؤتمر جغرافي عالمي بمشاركة الأكاديميين الصهاينة الذي يشاركون في تخطيط وتنفيذ مصادرة الأراضي وتهويد فلسطين، ودافع عن مشاركتهم عدد من الأكاديميين التونسيين، منهم عميد كلية الآداب الذي تعرض لمشاكل من نوع آخر مع السلفيين في وقت لاحق، ودافع مخرج معروف وسجين سياسي سابق عن “التطبيع الفني” وعرضت إحدى المخرجات شريطا لها في تل أبيب ودافعت عن صنيعها بفخر واعتزاز (وهي ابنة أحد زعماء الحزب الشيوعي السابق المعترف بالكيان الصهيوني منذ تأسيسه)

التطبيع “الحلال”

 

بعد انتفاضة أواخر 2010 وبداية 2011 ووصول فرع الإخوان المسلمين في تونس (النهضة) إلى الحكم، تسارعت خطوات التطبيع (كما في المغرب ومصر)، ودشن راشد الغنوشي، مؤسس ومنظر الحزب الحاكم، هذه السلسلة بالحج إلى واشنطن (كانون الأول/ديسمبر 2011) بدعوة من “معهد سياسات الشرق الأدنى” في واشنطن، المعقل الفكري» لتيار المحافظين الجدد وغلاة المتعصبين للصهيونية، وواجهة “إيباك” (لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية)، أكبر لوبي صهيوني في أمريكا والعالم، حيث أعلن أنه غير معني بالقضية الفلسطينية ولا شأن له بها (بعد أن كان يهاجم بورقيبة وبن علي ويتهمهما بالتطبيع)، وأصر على هذا الموقف في حديث لإذاعة “صوت إسرائيل”، وشدد رئيس وزراء تونس ورئيس وزراء المغرب (وهما من تيار الإخوان المسلمين) على هذا الموقف أثناء اجتماع قمة “دافوس” (كانون الأول/يناير 2012)، اقتداء بالرئيس الإخواني المصري (محمد مرسي) الذي اعتبر “شمعون بيريس” صديقا حميما، وتبعهما مصطفي بن جعفر، رئيس “المجلس التأسيسي”، في تصريح له في النمسا… انتظم كذلك في ظل حكم الإسلام السياسي في تونس يومي 14 و15/12/2013 “مؤتمر دولي حول المحرقة” التي ارتكبها النازيون ضد مواطنيهم، أثناء حكمهم ألمانيا (1933 – 1945)، لاستعطاف واسترضاء الصهاينة ورعاتهم الإمبرياليين، بتمويل من مؤسسة الأقليات الكائنة في مدينة نيويورك، وبحضور “شخصيات” صهيونية من مختلف أرجاء العالم، في حين تشبث “الإخوان المسلمون” برفض تجريم التطبيع مع الاحتلال الصهيوني واعتبار الصهيونية أحد أشكال العنصرية، وادعى أحد قادة الإخوان في تونس أن حماس طلبت منهم عدم إدراج تجريم التطبيع في الدستور (الصحبي عتيق، رئيس كتلة نواب “النمهضة” – تشرين الثاني/اكتوبر 2012) بينما كانت “النهضة” تعلن رفضها للتطبيع، عندما كانت في المعارضة، وطالبت بإغلاق مكتب رعاية مصالح الصهاينة في تونس. أما بعد وصولهم إلى سدة الحكم فأصبح الإخوان المسلمون والأحزاب الحاكمة معهم، وكذلك بعض أحزاب المعارضة لا يتحرجون من اظهار مساندة الكيان الصهيوني، تحت غطاء التعاطف مع الجالية اليهودية، اضافة إلى مشاركة عدد من المنظمات التونسية (ما يسمى بالمجتمع المدني) ومدونين وكتاب وصحفيين وحقوقيين في تظاهرات تنظمها أو تمولها “إسرائل”، وتتالت (في عهد الإسلام السياسي) خطوات التطبيع في الميدان الثقافي والرياضي والسياحي والاقتصادي، ما يغني الصهاينة، حاليا، عن التطبيع المعلن أو عن فتح سفارة… وللمفارقة، منعت حكومة تونس (الإخوانية) في بداية سنة 2014 مناضلين فلسطينيين ولبنانيين وعرباً من دخول البلاد، لحضور مؤتمر عن مقاومة الصهيونية، رغم حصول بعضهم على تأشيرات من سفارات تونس في بلدانهم (عن صحيفة “الخليج” 17/01/2014)، كما منعت وفودا عربية من المشاركة في نشاط تضامني للمحامين التونسيين مع فلسطين في ذكرى يوم الأرض (2013)، رغم الحصول على تأشيرة مسبقة من السفارات التونسية…

خلال حكم الإسلام السياسي في تونس، وفي ظل هذا المحيط التطبيعي، انسحبت الشابة التونسية “انس جابر” من ربع نهائي دورة باكو الاذربيجانية لكرة المضرب في تموز/يوليو 2013، متعللة بالإصابة، غير أن انسحابها يعود لرفضها اللعب أمام خصمة “إسرائيلية”، ورفض اللاعب “مالك الجزيري” مواجهة لاعب “إسرائيلي” خلال فعاليات “كأس ديفيس” لكرة المضرب، في دورة “طشقند”، في تشرين الأول/اكتوبر 2013 ما تسبب في تسليط عقوبة على المنتخب التونسي، وفي 2011 انسحبت التونسية عزة بسباس من نهائي بطولة العالم للمبارزة بالسيف قبل مواجهة الإسرائيلية “ناعومي ميلس”. وعلى العموم فقد أثير في تونس في السنوات الأخيرة ملف التطبيع الرّياضي في مناسبات عديدة، بعد تباري اثنين من عناصر منتخب تونس ل”التايكواندو” ضد مصارعين إسرائيليين، في دورة دولية ببلجيكا، غير أن مواقف وممارسات الأحزاب الحاكمة، وعلى رأسهم “النهضة” شجعت المدافعين عن التطبيع (الرياضي وغير الرياضي) على الإنتقال من الدفاع إلى الهجوم، بداية من وزير حكومة الإخوان (طارق ذياب)، وهو لاعب سابق في كرة القدم (فاز بالكرة الذهبية الافريقية سنة 1977)، عرف بمهارته الرياضية والتجارية، وبتعليقاته غير اللامعة على قناة “الجزيرة”، حيث كان تشتغل مستشارا رياضيا، ولم يعرف عنه أي موقف شجاع أو معارض أو حتى مخالف للحكم السابق، لكنه أصبح مدافعا عنيدا عن التطبيع (قد يكون تعلم ذلك في مدرسة الجزيرة القطرية؟)، وأعلن أن الحكومة تقبل المساعدة “الإسرائيلية” إذا عرض عليها الكيان الصهيوني ذلك (نيسان/أبريل 2012 )، أما في حزب “نداء تونس”، الذي يترأسه “الباجي قايد السبسي”، أحد أقطاب نظام بورقيبة وبن علي، فقد دافع أحد اقطابه، وهو رجل أعمال، عن زيارة وفد من اتحاد رجال ونساء الأعمال في تونس إلى فلسطين المحتلة، وكانت أخته ضمن الوفد، وهي عضوة قيادية في الحزب المذكور (قناة “حنبعل” 09/03/2013) مع العلم أن اتحاد أرباب العمل ساهم بشكل فعال في اختيار رئيس الحكومة الجديد “مهدي جمعة”…

في هذه الأجواء التطبيعية، تجرأت لاعبة التنس السابقة “سليمة صفر”، خلال حديث للمجلة الرياضية الفرنسية “ليكيب” (14/10/2013) أنها واجهت نحو خمسين لاعبة “اسرائيلية” خلال مسيرتها الرياضية، ولعبت في تل أبيب سنة 1999، وتحمل عن رحلتها ذكريات رائعة، وان مجرد الحديث عن التطبيع يعتبر محاولة للعودة بالتاريخ إلى الخلف، وعبرت عن خيبة أملها في مواطني بلادها (هل هي حقا بلادها؟) الذين ينادون بمقاطعة الكيان الصهيوني، مع العلم أنها حاليا مستشارة (أيضا) لدى قناة الجزيرة، التي أصبحت مدرسة عليا في تجدير التطبيع (والشيء من مأتاه لا يستغرب)… أما لاعب كرة السلة في فريق “ريال مدريد” الاسباني (الذي يتبارى مع فريق مكابي تل أبيب، في إطار الدوري الأوروبي)، صالح الماجري، فإنه صرح أنه غير مهتم بمسألة المقاطعة، لكنه تراجع بعد ردود الفعل ضده وصرح أنه لاعب محترف، ويجب أن يحترم بنود العقد الذي يربطه بالنادي…

حكومة الشركات متعددة الجنسية والتطبيع

فرض الإتحاد الأوروبي، وفرنسا بالخصوص، حكومة وصفت ب”حكومة وفاق” جاء وزراؤها من أكبر الشركات العالمية ومن البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، ومعظمهم أقرباء لمسؤولين حاليين أو سابقين، وكانوا يعيشون في أوروبا وأمريكا منذ عقود، ويحملون جنسيات دول امبريالية ذات مصالح كبرى في تونس، ومن جملة هؤلاء الوزراء، وزيرة السياحة، وهي ابنة نائب وزير الداخلية الأسبق (خلال حكم بورقيبة وبن علي) وسفير سابق في ألمانيا، وهي نفسها درست وعملت في ألمانيا، إلى غاية تعيينها، الذي أثار مشكلة بسبب سفرها إلى تل أبيب في “رحلة عمل”، لتنشيط دورة تأهيل تمولها إحدى المنظمات الأممية (2006)، ودعا بعض النواب إلى استقالتها، لكنها بقيت في منصبها، بل دافع عنها رئيس الحكومة (ممثل شركة توتال وشركات السلاح الفرنسية في تونس)، وإثر منع شرطة الحدود حوالي عشرين “سائح” يحمل الجنسية “الإسرائيلية” من النزول، كانوا على متن باخرة سياحية، تتوقف لبضع ساعات فقط في تونس، انبرت الوزيرة تستعطف الصهاينة قائلة أن “الإسرائيليين مرحب بهم في تونس (ملك جدها الخاص؟)، غير أنه يجب عليهم طلب تأشيرة دخول” (أ.ف.ب 09/03/2014)، أي أن القضية إدارية بحتة، وليست سياسية، وتتخوف الحكومة من تأثير هذه الحادثة على الحج السنوي ليهود العالم في جزيرة جربة من 13 إلى 18 أيار (منهم آلاف الصهاينة الذين يأتون مباشرة من فلسطين المحتلة بجوازات سفر اسرائيلية، على متن طائرات شركة “العال”)، وما يمكن استنتاجه أن سفرة الوزيرة إلى تل أبيب سنة 2006 لم تكن الوحيدة، وأنها كانت بقصد التطبيع، في إطار منظم (مؤسسات دولية ومنظمات غير حكومية) وقد يكون قربها من الصهاينة (إضافة إلى ألمانيا حيث عاشت ثلثي عمرها وأمريكا حيث عملت) سهل تعيينها في منصب وزاري، وقررت شركة “نورفيجين كروز لاين” التي تدير رحلة الباخرة السياحية “نورفيجيان جادي” إلغاء توقف بقية الرحلات في تونس، هذه السنة، وهي (رغم ما يوحي به اسمها) شركة أسسها ويمتلكها صهاينة، ومقرها “ميامي” في الولايات المتحدة الأمريكية، وتتعامل مع الدول العربية كمحميات أمريكية-صهيونية، مادام الحكام منصبين من الخارج…

رغم تسارع خطوات التطبيع الرسمي، لا زالت قضية فلسطين حساسة جدا وتختزل الحس الوطني والقومي لدى الفئات الشعبية، ضد الإستعمار والإستبداد والإستغلال والهيمنة الإمبريالية، لكن اشتداد الهجوم التطبيعي (بالتوازي مع العولمة والهيمنة الإمبريالية) قد ينجح في مساعيه، إذا وجد الساحة فارغة، وإذا لم يجد مقاومة، خصوصا وان الساحة الفلسطينية تعاني من تراجع القوى التقدمية المقاومة لمشاريع الإحتلال وأذنابه (سلطة الحكم الذاتي الإداري)…