مكاسرة إرادتين … والقرم واحدة على الحساب!

عبداللطيف مهنا

منذ الثامن عشر من شهرنا هذا باتت الخارطة الروسية المترامية أكثر اتساعاً. انضمت أو ضُمَّت اليها لافرق شبه جزيرة القرم ومدينة سيفاستيبول. وبعيداً عن كل هذا الفحيح العقابي المتوعد من قبل الغرب المصدوم والمرتبك والمتفاجىء من مدى الحزم وسرعة الحسم الروسي، فإن واقع مابعد الحدث يقول: لقد سبق السيف العذل ، وطارت القرم من اوكراينا لتحط في الحضن الروسي، بحيث لم يجد رئيس وزراء اوكراينا الموالي للغرب، أو الذي نصبه الميدان إثر الإنقلاب على اتفاق الرئيس المعزول يانكو فيتش مع المعارضة، بداً من القول بإن احتمال انضمام بلاده لحلف الأطلسي هو غير وارد وذلك “حفاظاً على وحدة اوكراينا”…ماذا يعني هذا؟!

أن الأوكران المراهنين على محرِّضهم الغربي ربما قد ادركوا بعد فوات الآوان حدود مايمكن لهذا الغرب فعله في الأزمة الأوكرانيه، ولعلهم الآن قد وعوا درس القرم، الذي ليس من الصعب على الروس تكراره إن اضطروا لمثله في الشرق الأوكراني. والعجيب أنه كان من السهل حتى لمبتدىء يعرف الف باء تاريخ وجغرافيا وثقافة واهمية هذه المنطقة الجيوسياسية شديدة الحساسية، التكهن المسبق بأن أية مكاسرة إرادات بين الغرب الجانح لمزيد من التوسع في شرقه الأوروبي وروسيا التي ليست في حال المدافع عن مناطق نفوذه التاريخي فحسب بل عن نفسها نظراً لاقتراب الزحف الغربي إلى حيث اسيجتها، سوف تكون نتيجته تقسيم اوكراينا إن لزم الأمر وليس عودة القرم إلى روسيا فقط. وكان على الأوكران أن يدركوا ما لابد لهم أن يدركوه ولو متأخراً من أن الغرب لاتهمه وحدة اوكراينا بقدر ما يهمه استنزاف روسيا وابتزازها. وقد يلوح فيما قاله رئيس الوزراء الأوكراني بعض من تسليم بإضاعة القرم وخشية من الآتي بعده، أو ما كان على الأوكران تجنبه قبل ذهابهم بعيداً في استجاباتهم للتحريض الغربي، ومنه انقلابهم على الإتفاق مع يانكوفيتش لحل أزمة الحكم. كما أن كيري أيضا، وبغض النظرعن تهديداته، لم يك بعيداً عن مثل هذا، عندما لم يجد مايقوله سوى تحذير الروس من دخول جيشهم إلى شرق أوكراينا. لكن بوتن عاجل هؤلاء بقوله، “لانريد تفكيك اوكراينا. لسنا في حاجة لذلك”. وفعلاً هو ليس في حاجة لذلك: عادت القرم الروسية اصلاً الى سابقها قبل أن يهبها خروتشوف إلى اوكراينا، وأَمن الأسطول الروسي على بقائه في عرينه على ضفاف البحر الأسود، واوكراينا إذا ما اراددت أن تبقى كما هى راهنا لن تجروء على التأطلس، بل والغرب لم يطرح تأطلسها أصلاً ولاأعتقد أنه سيفعل، لأن هذا إن كان فلسوف يلحق شرقها وجنوبها بالقرم ويغدو غربها، أو ماتبقى منها، عالة وعبئاً على الغرب الذي بات يخشى من اقتراب يوم عجزه عن إعالة نفسه اقتصادياً، وبدا يحس رويداً رويداً بثقل التحولات الكونية وإن لم يقتنع بعد بحتميتها.

في خطاب بوتن الذى أعقب توقيع معاهدة انضمام القرم وسيفاستيبول لبلاده قال إن “دول الغرب قد تخطت الخط الأحمر في اوكراينا”، وحذَّر الغربيين من أن ” روسيا قد وصلت حدود النابض الذي إن ضغطتم عليه أكثر سوف ينفجر في وجوهكم وعليكم احترامها”، ثم انصرف ليشترك في الاحتفال الشعبي باستعادة القرم في الساحة الحمراء …ولماذا لايحتفل؟

لقد استعاده دون أن يطلق رصاصة واحدة راداً الصاع صاعين لشركائه الغربيين الحريص والحريصين مثله على عدم قطع شعرة معاوية، واصفاً سياساتهم ب”الاسوأ من المعايير المزدوجة، بل هى عبارة عن وقاحة عنيدة مثيرة للدهشة”. داوى عارضهم الأوكراني بذات الوصفة التي ابتدعوها في كوسوفو عندما ارادوا فصلها عن صربيا، وقبلها في جزر المالديف الأرجنتينية، مع فارق لصالحه وهو أن القرم جمهورية ذات اغلبية روسية تتمتع بحكم ذاتي داخل اوكراينا لا الحكم الذاتي وحده. وحيث ليس بوسع اوكراينا فعل أكثر من ماهوالخروج من مجموعة الدول المستقلة وفرض التأشيرات على المواطنين الروس، فما الذي بوسع الغرب فعله؟!

إنه قطعاً لن يذهب للحرب من اجل سواد عيون الأوكران، أي أنه لن يجد في جعبته سوى العقوبات المتدرجة التي سخر منها الروس وقالوا بأنها سوف ترتد على فارضيها وبدأوا في اعلان قوائم عقوباتهم المقابلة لها…لكن هل سيكتفي الغرب بهذا؟! قطعاً لا، فالغرب الذي تلقى لطمتين في آن، الأولى في يبرود السورية والثانية في القرم التي باتت روسية، ليس من السهل عليه هضمهما، ونظراً لبعض من قلة حيلة فلسوف يلجأ إلى ما اعتاد اللجوء اليه عادة وهو التآمر واثارة الفتن وتغذيتها إلى جانب تحريك امتداداته وادواته كما فعل ويفعل الآن في سورية، أوما بات بوتن يحذر الروس منه حين قال في خطاب ماقبل الإحتفال الشعبي في الساحة الحمراء، إن روسيا سوف تتصدى ليس لمن يرهبونها بالعقوبات فقط بل بتفاقم المشاكل الداخلية جرائها. هنا سوف تكون استهانة غربية خاطئة بالروح القومية الروسية والتي من شأنها أن تجعل من بوتن القرم خليفة لبطرس الأكبر في الوجدان الروسي. للروس اوراقهم التي تتعدى الطاقة والإستثمارات لمئات الشركات الغربية في روسيا، ومليارات اصول أموال نخبهم المكدسة في الغرب، والتعامل بالدولار، وقطع الإمدادات عن الجيوش المنهزمة في بلاد الأفغان…عالمنا كله الآن بات ساح لمكاسرة بين ارادتين لاصطفافين متلاطمين، واحد يعاني أعراض بدايات افوله، وصاعد تتزايد صفوفه وتتعاظم ممانعاته وتتصلب مواجهاته… وما القرم إلا مجرد واحدة على الحساب…