الغرب يقع فريسة سوء تقديره .. من سورية الى روسيا!

العميد د. امين محمد حطيط  

في القواعد الاستراتيجية و العسكرية العامة يؤكد على  قاعدة ” اعرف عدوك ، انظر الى قدراتك ، و حدد اهدافك و اسلوب المواجهة  تبعا لذلك ” ، و لهذا كانت عملية تقدير الموقف العسكري  ضرورية قبل التورط باي نزاع او صراع او مواجهة خاصة اذا كانت هجومية حتى لا يرتد الهجوم الى عكس ما اراده المهاجم و يقع في الخسران حتى و فقدان ما في اليد في الوقت الذي يكون قد طمح صاحبه بارباح يعول عليها لتراكم مكتسباته.

نقول هذا و نحن نتابع  اليوم مرحلة من سؤ التقدير التي يتخبط فيها الغرب بالقيادة الاميركية ، تلك القيادة خططت  لاسقاط سورية و لي ذراع روسيا ، و احتواء ايران ، و الاجهاز على محور المقاومة .. و شرعت  بالتصرف كما لو كان العالم مجرد قطعان من العبيد للسيد الاميركي ، دون ان يدرك هذا المغرور ان في العالم من يملك الشجاعة لقول ال “لا”  مع الاستعداد للتضحية من اجل الدفاع عن حقوقه و مصالحه مهما كان ثمن هذا الامر .

و لنعد الى نقطة البداية في ما نحن فيه من مواجهة ، حيث نرى ان الغرب عندما اطلق حربه على العرب و المسلمين معتمدا “استراتيجية القوة الناعمة”  ، و اسمى ما انتجته عبرها “ربيعا عربيا ” ، كانت عينه بشكل اساس على سورية التي تمثل القلعة الوسطى لمحور المقاومة في الشرق الاوسط ، و كان الغرب يتصور ان المسألة لن تستغرق اكثر من اسابيع لا تصل الى العشرة في اسوأ تقدير و ينتهي كل شيء و يصبح الشرق مستعمرة له .

لكن الميدان السوري سرعان ما كذب خطط الغرب و احلامه  و اظهر ان الانسان هنا يمتلك من الارادة و العزيمة و الاعتقاد بصوابية مواقفه في التمسك بحقوقه مع استعداد للتضحية من اجلها متكلا على ذاته اولا و مرتاحا الى تحالفاته الصادقة ثانيا ، و بالتالي فانه يملك فوق ما يملك مشغلو الحواسيب الغربية من قدرات التخطيط و التركيب و التلفيق و تصنيع الحروب الاعلامية و النفسية حتى و التخطيط للمواجهات بالنار .

و بعد الفشل الاولي  راح الغرب يجدد المهل المهلة تلو المهلة و يمددها و يزج بعناصر جديدة في حربه الكونية على سورية ، حتى ان اوباما جاء شخصيا الى المنطقة في العام الماضي اي بعد ان كانت الحرب استهلكت من الزمن سنتين ، و اطلق يومها خطته المعروفة ” ببركان دمشق زلزال سورية ” . خطة ارفقها مع تغيير في القيادة الميدانية العملانية للعدوان على سورية ، قضى بنقل المسؤولية فيها من اليد القطرية – التركية الاخوانية ، الى اليد السعودية الوهابية ، و شجع  فيها العصابات الارهابية التي حشدها و جاء بها من 83 دولة من العالم شجعها على الاجرام و الافراط  بارتكاب كل المحرمات و استعمال المحظور و غير و المحظور من السلاح و الذخائر بما في ذلك السلاح الكيماوي .

لكن الرد الدفاعي في سورية كان خلافا لما قدّر الغرب و ادواته الاقليميون و الدوليون ، اذ في مقابل خطة اوباما اطلقت “خطة الاسد ” التي ادى العمل بها خلال  اقل من سنة الى امتلاك زمام الامور في الميدان ، و تقطيع اوصال مناطق وجود المسلحين و العصابات الارهابية ، و التقدم نحو اقفال الكثير من معابر النار و الارهاب من الخارج، و باتت الخريطة السورية اليوم تظهر ان الحكومة تقبض على مفاصل الميدان بشكل شبه تام في مراكز الثقل الاستراتيجي و الديمغرافي للبلاد من دمشق الى حمص و حماه فطرطوس و اللاذقية ، و انها تملك المبادرة في الشمال و الجنوب ( حلب و ادلب و درعا و السويدا ) ، و لديها  القدرات و القوى الكافية التي تلزمها وفقا للبرنامج المعد لتطهير البلاد ، لاستعادة السيطرة على ما عاث فيه الارهابيون فسادا في شرقي البلاد ( الرقة و الحسكة و دير الزور ) .

و مع هذه الخريطة الميدانية التي تظهر التحول الاستراتيجي للمشهد السوري بدءا من القوس الموازي للحدود مع لبنان حيث  بات كليا  تحت سيطرة الدولة ما ادى الى ربط مركز الثقل الاستراتيجي للدولة بالمنفذ الى البحر دون اي عائق  ، و مع  التراجع في قدرات الغرب في اللجوء الى الحدود مع الاردن و تركيا لضخ الوقود في شرايين  الارهاب ، وعطفا على تطورات الميدان العراقي و خسارة الارهابيين لمواقع و معابر هامة منه الى سورية ، يضاف اليها  تناحر العصابات الارهابية فيما بينها ميدانيا الى الحد الذي اكدت  فيه التقارير الغربية على ان اكثر من 7 الاف قتيل سقط من الارهابيين نتيجة اقتتالهم الداخلي الذي انفجر بعد انتقال مسؤولية العدوان ميدانيا من قطر و تركيا الى السعودية .

مع كل هذا باتت صورة المشهد السوري ساطعة الوضوح ، و تختصر بالقول ، ان العدوان على سورية اخفق في تحقيق اهدافه ، و ان سورية ببنادق الجيش العربي السوري و القوات الحلفية بدأت تكتب فعليا الفصل الاخير بعنوان اسقاط العدوان و نهاية الازمة وفقا لما تريد و خلافا لما خطط الغرب و قدر … و ثبت  ان الغرب خلافا لما يرتضي او يشتهي وقع في سوء تقدير من الطبيعة الاستراتيجية و ان الخسارة هنا ليست من النوع الذي يعوض بمناورة هنا او تلفيق او تهويل هناك . لان هذه الخسارة ترافقت مع استثمار دولي على اكثر من صعيد دون ان يكون هناك فرص العودة الى الوراء.

و في هذا المجال و كما قلنا  ان النظام العالمي الجديد سيولد من الرحم السوري ( ذكرنا هذا في ايلول 2011 ) فان عناصر المشهد الدولي تؤكد اليوم ان نظاما عالميا جديدا تشكل و بدأت قواعده تحكم العلاقات الدولية و ازيحت اميركا عن عرش القطب الواحد ، و كان التطبيق الاول لهذا النظام في اوكرانيا و القرم على يد روسيا ، التي حيكت لها الشباك الغربية لتطويقها و الايقاع بها في عملية من سوء التقدير ايضا ، و اذ بروسيا تتصرف بوحي المستجد من المشهد العالمي و تزأر بوجه الغرب دفاعا عن امنها القومي ، و تأتي  نتيجة المواجهة حتى الان خلافا لما خطط الغرب و قدر … اي كان سوء تقدير اخر من الغرب حيال مسألة كان عليه ان لا يحرك جمرها و لا يضرم نارها فيحرق اصابعه.

ففي اوكرانيا قدر الغرب انه بعملية انقلابية سريعة يستعمل فيها النازيين الجدد ، يستطيع ان يتحكم  بقرار روسيا بعد ضم اوكرانيا اليه و جعلها  عضوا في الاتحاد الاروبي و تاليا عضوا في الحلف الاطلسي و عندها  يحول البحر الاسود الى بحيرة اطلسية عبر تمركز اساطيل الناتو في موانئ شبه جزيرة القرم ، ثم يعمد الى طرد الاسطول الروسي منها قبل ان يحل اجل انتهاء المعاهدة الروسية الاوكرانية  في العام 2042 .

رسم الغرب الخطط على الاورق او شاشات حواسيبه و تصور ان روسيا ستذعن و ان لن يكون في يدها او في مقدورها ان تصنع شيئا ، و لكن كما كان التقدير الغربي سيئا في سورية فانه كان اسوأ على الجبهة الروسية ، و جاءت نتائج ردة الفعل الروسية في شبه جزيرة القرم كارثية على السياسة الغربية اذ هي المرة الاولى منذ العام 1991 يجد الغرب نفسه عاجزا عن فعل شيء يثني خصمه عن سلوك لا يوافق عليه .

فعندما ضم صدام حسين الكويت الى العراق و اعتبرها المحافظة ال 19 تحركت اميركا في ظل الاحادية القطبية و اطلقت ” عاصفة الصحراء ” ضده  و لم تكتف بطرده منها بل حاصرته و عاقبت الشعب العراقي في اسوأ عملية انتقام و عقوبات جماعية شهدها التاريخ . و كان لاميركا ما ارادت  او اكثر مما تصورت ، اما اليوم و في ظل النظام الجديد و مع حصول ضم القرم الى روسيا تنفيذا لقرار شعبها و عملا بقواعد القانون الدولي العام التي تنص على حق تقرير المصير ( التصرف الروسي شرعي بشكل تام ) و رغم رفض الغرب بقيادة اميركية لهذا القرار ، فان الغرب يقف عاجزا عن منعه لا بل انه يعترف بعجزه عن الحرب و يلجأ الى سياسته العدوانية غيرالشرعية في فرض العقوبات خارج مجلس الامن ، و هو هنا يسيء التقدير مرة اخرى ، و كأنه لا يعرف ان العقوبات بوجه روسيا سيف ذو حدين ، و قد تكون مؤلمة للغرب فوق ما يتصور و يحتمل .

في سورية قدر الغرب اسقاطها ، فسقطت خططه و انتجت بيئة ولادة نظام عالمي جديد ، و في اوكرنيا شاء الغرب تقزيم روسيا و تطويعها ، فلوت روسيا ساعده و اجبرته على اعلان العجز امامها ، و سيكون مؤلما للغرب ان يرى الشعب السوري يمارس بحرية قراره المستقل و يختار حكامه الذين لا يتلقون اوامرهم من الخارج و لا ينصاعون الا للمصلحة السورية العليا ، كما آلمته ممارسة شعب القرم لقراره المستقل و الحق الجزيرة بالارض الام و جعل من البحر الاسود بحيرة روسية بعد ان اشتهاها الغرب بحيرة اطلسية ..

سوء تقدير الغرب جعله يحصد الكوارث الاستراتيجية التي في طليعتها نشؤ نظام عالمي جديد لا يكون فيه الغرب متحكما بقرار العالم ، نظام خطت  احرفه الاولى في سورية بارادة سورية مستقلة مارست حق الدفاع المشروع عن النفس و وجد تطبيقه الاول في البحر الاسود الذي غرقت فيه الاحلام الغربية بعد ان تكسرت على اعتاب دمشق و تاهت في البادية السورية .

:::::

“الثورة”، دمشق