القرم أبعد من استفتاء

د . محمد البطل

عكس الاستفتاء الشعبي لسكان شبه جزيرة القرم، في 16 مارس/ آذار، صراعاً حاداً بين قرار البرلمان الأوكراني الحالي في كييف، بتركيبته الحالية التي يسيطر عليها المعارضون، على اختلافهم وخلافاتهم، وبضمنهم أعضاء حزب الأقاليم (الحزب الأكبر برلمانياً، حزب الرئيس المعزول برلمانياً فيكتور يانكوفيتش) وبين قرار برلمان جمهورية شبه جزيرة القرم الذاتية الحكم حول إجرائه في 16 مارس/ آذار .
إذ استبق برلمان كييف “مجازاً”، قرار برلمان القرم بوصفه غير دستوري، في الوقت الذي أعلن فيه رئيس اللجنة الانتخابية المركزية ماليشيف، بعد ساعات من إغلاق صناديق الاقتراع، أن نسبة المشاركة تجاوزت 83 في المئة من مجموع الناخبين، وأن 8 .95 في المئة منهم أيدوا الانضمام مجدداً إلى روسيا الاتحادية . ولم يسجل رئيس لجنة المراقبين الدوليين أو أعضاؤها أي مخالفات انتخابية .
يتشكل سكان شبه جزيرة القرم من نحو 65 في المئة من المواطنين الروس، ونحو 22 في المئة من الأوكرانيين (كلاهما من الإثنية السلافية)، فيما يمثل التتار نحو 12 في المئة إضافة إلى وجود رمزي للبيلاروس والقوميات “السوفييتية” السابقة .
وتتصل شبه جزيرة القرم بالبر الروسي، وهي مفصولة جغرافياً، كذلك تاريخياً وسياسياً سابقاً عن أوكرانيا ما قبل “الحقبة السوفييتية” . وقد جرى ضمها عام 1954 إلى جمهورية أوكرانيا السوفييتية، بقرار من الزعيم السوفييتي آنذاك نيكيتا خروتشوف (الأوكراني الأصل)، وفق مفاهيم إرادوية فوقية مثالية سوفييتية، حول الاتحاد السوفييتي بوصفه الدولة الأم ل 15 جمهورية . (أثبتت الوقائع التاريخية أنها لم تحل المسألة القومية في العهد السوفييتي خلال عقوده السبعين، ولم تستطع أوروبا واتحادها الحالي حل هذه المسألة أيضاً خلال قرون عديدة، رغم مضي عقود على تشكيل الاتحاد الأوروبي أيضاً) .
وإثر تفكك الاتحاد السوفييتي عام ،1991 أصبحت شبه جزيرة القرم (ذاتية الحكم مرة أخرى) جزءاً من أوكرانيا . وكانت روسيا القيصرية قد استولت على القرم أصلاً في أواخر القرن الثامن عشر، عندما دحرت جيوش الامبراطورة الروسية كاثرين العظمى تتار القرم المتحالفين مع الدولة العثمانية آنذاك في حربهم ضد روسيا القيصرية .
من وجهة النظر التاريخية تعود القرم إلى روسيا، ومن وجهة النظر القانونية، التي أكدتها الانتخابات – الاستفتاء، توجه سكانها إلى الانضمام إلى روسيا الاتحادية، فيما تكمن أهميتها الاستراتيجية راهناً، وبعيد تفكك الاتحاد السوفييتي، بأنها المنفذ الأساسي لروسيا على البحر الأسود، خصوصاً بعد تفكك “المنظومة الاشتراكية” في دول شرق أوروبا، وتحول البحر الأسود إلى قواعد أمريكية أو أطلسية . فضلاً عن امتلاك روسيا لقاعدتها العسكرية الرئيسية في ميناء سيفاستوبل . أما من وجهة النظر الديمقراطية “المجردة” التي لا يمكن منطقياً عزلها عن التطورات التي يعيشها عالمنا، ولا يزال، فإن الأعوام الماضية السابقة، وليست العقود، أو القرون الماضية، شهدت استفتاءات عديدة في العالم، منها على سبيل المثال استفتاء إقليم تيمور الشرقية عام 1999 واستقل بموجبه عن إندونيسيا، كذلك استقل إقليم كوسوفو عن صربيا بعد العدوان الأطلسي – الأمريكي على صربيا عام ،1999 ومؤخراً استفتاء جنوب السودان عام 2011 . وجرت جميعها بمباركة، أو رضا وتأييد دوليين، وتالياً جرى الاعتراف بها جميعاً .
في الوقت الذي تنتظر فيه بريطانيا استفتاء إقليم اسكتلندا نهاية هذا العام (يشير المراقبون إلى اتجاهه نحو الانفصال عن بريطانيا)، كذلك إشكاليات إقليمي بلجيكا المستمرة منذ عقود، ومصير سويسرا المتعددة القوميات (وإن كانت نسبة التعارض بين سكانها أقل) وإشكالية جبل طارق، والمسألة القومية في إسبانيا . . إلخ) . وفي هذا السياق ينظر إلى مواقف الدول، وما يسمى راهناً “المجتمع الدولي” من هذه الاستفتاءات، كل حسب سياستها ومصالحها أولاً، وشبكة علاقاتها، وكيفية تعاطيها وازدواجية المعايير التي تمارسها محلياً، وكيفية تعاطيها أيضاً مع حساسية المسائل القومية في ظل نشوء الروابط والتكتلات القارية . (نشير هنا إلى انقسام تشيكوسلوفاكيا إلى جمهوريتين منفصلتين، ثم انضمامهما كدولتين مستقلتين إلى الاتحاد الأوروبي) .
ويزداد استفتاء القرم تعقيداً، بسبب أهميته أولاً، ومن بدء تململ سكان شرق وجنوب أوكرانيا وجزء مهم من وسطها من سياسات البرلمان الأوكراني الحالي “المؤقتة” الذي يعاني انقسامات حادة بين كتله البرلمانية، خاصة في صفوف الحزب الأكبر (حزب الأقاليم – حزب يانكوفيتش)، الذي يصف الكثير من أعضاء كتلته البرلمانية زعيمهم الحزبي ورئيسهم بالخائن والسارق للمال العام ولعشيرة يانكوفيتش المالية . الذي يبحث راهناً في مشاريع قرارات تمس عملياً وحدة أوكرانيا (قانون اللغة الذي يمنع الاعتراف باللغة الروسية (لغة ثانية) من 13 مقاطعة من مجموع المقاطعات الأوكرانية ال27 وبضمنها القرم)، ومشاريع القرارات الأخرى “المضايقة” للسكان الروس، أو الناطقين بالروسية، وحظر نشاط حزب الأقاليم وغيره من الأحزاب اليسارية (الاشتراكي الشيوعي . . الخ) .
هذه القرارات تنظر إليها روسيا بوصفها غير دستورية ولا تعترف بها . وهذا ما أدى منطقياً إلى بدء الاضطرابات في مدن خاركوف، عاصمة الشرق الأوكراني والعديد من مدنه وبضمنها مدينة أوديسا الجنوبية وبدء تشكيل لجان الدفاع عن المواطنين، بعد “حياد” المؤسسة العسكرية وتغيير قيادات المؤسسات والأجهزة الأمنية من قبل البرلمان بتركيبته الحالية .
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الأزمة التي استخدمها قادة “الثورة البرتقالية” وفشلوا في تحقيق أي من أهدافها، كذلك يانكوفيتش أيضاً، وانتشار الفساد، لم يساعد في حل الأزمة الاقتصادية الأوكرانية الخانقة . كما لا يستطيع الاتحاد الأوروبي الذي يعاني أزماته الحادة وقرب إعلان العديد من دوله عن إفلاسها (اليونان، إسبانيا، البرتغال، إيرلندا) إضافة إلى عبء اقتصادي – مالي جديد إلى موضعه الحرج . وأن أقصى ما يمكن أن يقدمه بضعة مليارات (إبر مهدئة) والنصح بأن تتولى لجنة أوروبية – دولية – روسية حل أزمة أوكرانيا . وأمثلة المساعدات المقدمة من صندوق النقد كثيرة وشروطها محرجة (تقليص الضمانات الاجتماعية، تخفيض سعر العملة الوطنية، شروط اقتصادية عديدة . . الخ) . في الوقت الذي قدمت فيه روسيا قرضاً عاجلاً بقيمة 16 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد الأوكراني، صرفت منه ثلاثة مليارات، وأجلت تسديد الباقي إلى حين استقرار الأوضاع في أوكرانيا .
يدرك الاتحاد الأوروبي صعوبة ازعاج روسيا اقتصادياً فهي تمثل شريكه الاستراتيجي واعتمادها على الطاقة الروسية شبه الكامل، كما تدرك صعوبة مواجهة روسيا سياسياً، ولدى روسيا العديد من العوامل الضاغطة عليها قارة ودولاً . وهذا ما يبرر التباين في مواقف دول الاتحاد الأوروبي رغم الضغوط الأمريكية الهائلة عليها . وتتذكر أوروبا تماماً أزمة الحرب الروسية – الجورجية عام 2008 وتبعاتها تجاه علاقاتها الروسية والأمريكية .
وهذا ما تؤكده كثافة الاتصالات الأوروبية خاصة الألمانية مع روسيا مقابل إصرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أن روسيا ستحترم خيار سكان القرم . وأن الاستفتاء لا يخرق المواثيق الدولية، والعودة إلى الحديث الأوروبي مع روسيا عن الحلول السياسية، خاصة بعيد نتائج استفتاء القرم . وضرورة الحفاظ على وحدة أوكرانيا سياسياً خلافاً للمواقف الأمريكية التي أظهرت تشدداً في البداية، ثم بدأت تأخذ صيغاً أكثر مرونة، من المشاركة في التظاهرات والاحتجاجات في كييف لزعماء ومسؤولين أمريكيين وتشجيعهم على الاستمرار في مظاهراتهم إلى الاتصالات رفيعة المستوى بين الرئيسين، وبين وزيري الخارجية . . إلخ والمطالبة بضرورة البحث عن حلول متوازنة والحفاظ على وحدة أوكرانيا ووقف أعمال العنف من قبل القوميين المتطرفين . . الخ .
لقد أشار زبيغنو بريجنسكي سكرتير الأمن القومي للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر إلى أهمية أوكرانيا في إبعاد روسيا عن أوروبا خلال الأسابيع الماضية وهو المنظر لتفكك الاتحاد السوفييتي وضروروته .
هذه الأسباب وغيرها، بدءاً من الموقف الروسي الذي أعلنه مجلس الاتحاد الروسي ورئيس روسيا وأحزابها وقواها، إضافة إلى نتائج استفتاء القرم، مؤشرات ودلائل على أن المسألة في جوهرها تتجاوز القرم على أهميته، والديمقراطية في أوكرانيا التي فشلت في إنقاذ أوكرانيا خلال الثورة البرتقالية عام 2004 . وأن الحل يكمن في التعاطي على أساس المواثيق الدولية ومرجعياتها وأنظمتها، وأن العالم يتجه بخطى ثابتة نحو التعددية القطبية . وأن التجربة في أوكرانيا على أهميتها، ليست أوكرانية بحتة، بل محاولة لإشغال “الدب الروسي” في فضائه، على حساب دوره الدولي المتصاعد نحو عالم أكثر “توازناً” . وهذا ما يدركه الكثيرون وبضمنهم أوروبا .