في سوريا .. تكون أو لا تكون !

ثريا عاصي 

لا جدال في أن مقاتلي المقاومة اللبنانية يشاركون في الحرب الدائرة في سوريا إلى جانب الجيش العربي السوري وقوات المقاومة الشعبية السورية (قوات الدفاع الوطني) . الأمور واضحة وجلية من هذه الزاوية . يتبدى الإشكال عندما ننظر الى الشركاء في معسكر الأعداء . علما أن الأعداء الذين يشنون الحرب على سوريا هم الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها في أوروبا وفلسطين المحتلة، وأتباعها في البلاد المحيطة بسوريا .
يقول الذين يجهزون السيارت بالمواد المتفجرة ويأتون بها إلى ضاحية بيروت الجنوبية وبلدات البقاع أن ما يحملهم على ذلك، او على الإنتحار بواسطة الحُزُم المتفجرة، هو الإنتقام «لأهل السنة» في سوريا . هل يوجد في سوريا «أهل السنة» أم أن سكان سوريا هم سوريون، بصرف النظر عن معتقداتهم وأجناسهم ؟ وعلى إفتراض أن في سوريا أناسا يسمون أنفسهم «أهل السنة»، هل أوكلوا أمرهم إلى الذين يركنون السيارات الملغمة في الساحات العامة لكي ينتقموا لهم ممن ليسوا «أهل سنة» ؟ هل يوجد في لبنان، وفي ضاحية بيروت الجنوبية تحديدا من هم ليسوا «اهل سنة» ؟ ما هي دلالات هذه التسميات، هل أن مرجعيتها إلى الرسالة المحمدية أم إلى السلطة ؟ الناس يتعادون، ليس إذا صدق أيمانهم ولكن إذا خرجت من صفوفهم فئة باغية !
هذه الأسئلة وغيرها، تلاحقني وتلح علي وأنا أتابع الأخبار عن سوريا التي صفحتُ عن أخطائها السابقة وأحببتها وأحببت السوريين الذين رفضوا الإستسلام وأظهروا قدرة هائلة على الإحتمال وشجاعة كبيرة في التصدي للمعتدين ! آمل أن يتمكنوا من إفشال خطة «محو وجودنا»!.
هذا ما حملني أيضا على الصفح عن الأخطاء التي إرتكبها وما يزال، من وجهة نظري حزب الله في لبنان، وعلى أن أنحني إجلالا وعزة وفخرا أمام المقاومة اللبنانية التي يخوض رجالها، في سوريا معركة سوف يتقرر مصيرنا على أساس نتائجها .
وحتى لا أكون كمثل من يطلق الكلام على عواهنه، أسارع إلى القول بأني لست هنا بصدد الحديث عن المآخذ التي أشرت إليها، لأن الظروف الراهنة تحتم علينا أن نواكب المقاتلين الذين يتصدون للعدوان على سوريا، لا ان ندعوهم إلى التوقف والاستماع إلى جدالنا العقيم حول جنس الملائكة . أن سنوات الحرب الثلاث الماضية ساعدت في تقديري المعنيين أي المقاومين أنفسهم، إلى حد كبير على فصل الحنطة عن الزؤان . ومهما يكن فان لكل مقام مقال ولكل زمان رجال !
وبالعودة إلى موضوع معركة القلمون . فما علمته بشأنها من محدثي من يبرود، أوصلني إلى استنتاجات تهمني شخصيا، كما أعتقد أنها تهم جميع الذين تحرروا من قوانين القبيلة وبرأوا من العصبية المقيتة . فاكتسبوا القدرة على الإنتساب فرديا عن قناعة وبأمانة، إلى الجماعة الوطنية والخروج منها إذا اقتضى الأمر ذلك .
أول هذه الخلاصات، أن معركة القلمون أظهرت بما لا يدع مجالا للشك أن خصوم المقاومة اللبنانية، من اللبنانيين، شركاء في الحرب على سوريا . ليس فقط عن طريق ارسال الإمدادات المادية والسلاح، ولكن شراكتهم فعلية بواسطة الرجال أيضا . ما يبرر التساؤل عن المعنى الكامن وراء إحتجاجاتهم الشديدة اللهجة، التي تترافق أحيانا مع أعمال عنفية بحسب تصوري، ضد مبادرة المقاومة اللبنانية إلى التصدي لمواجهة العدوان الذي تتعرض له سوريا، لا سيما أن هؤلاء الخصوم يعرفون تمام المعرفة مع أية جهات يتعاونون من أجل تدمير سوريا وإسقاط الدولة فيها وما هي مقاصد الحرب عليها !
المعروف أن خصوم المقاومة في لبنان ينكرون حق هذه الأخيرة، أو بالأحرى إضطلاعها بالدفاع عن لبنان بوجه إعتداءات المستعمرين الإسرائيليين، لأن الدولة في لبنان، وهم أصحاب الحل والربط فيها، جعلت من منطقة الجنوب سائبة بلا حامٍ . ينبني عليه أن خصوم المقاومة ينكرون حقها في تأدية واجبها في لبنان وفي سوريا معا . ينجم عنه انهم ينكرون حقها في الوجود، تأكيدا للمعادلة التي تقول بأنه حيثما تقاتل هذه المقاومة فإنما هي تقاتل المستعمرين الإسرائيليين !
العجيب أن خصوم المقاومة اللبنانية في لبنان لا يفصحون عن الأسباب التي تدفعهم لإرسال جنودهم إلى سوريا للقتال جنبا إلى جنب مع الدخلاء، تحت إشراف رجال المخابرات الإسرائيلية والأميركية وغيرها . والعجب العجاب انهم شرّعوا التعاون مع الإدارة الأميركية والحكومة الفرنسية وسواهما، أي مع داعمي المشروع الإستعماري الصهيوني الهادف إلى إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين، في حين انهم حرّموا التعاون مع دولة إيران الإسلامية التي تقف على تضاد كامل مع المشروع المذكور، كون القدس بحسب مفهومها هي أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وبالتالي لا يجوز سلخها من المحيط الإسلامي . فمن الواجب إذن تحريرها واستعادتها . أن ترجمة ذلك هي مساهمة الإيرانيين في التصدي لمقاومة الإسرائيليين في قطاع غزة وفي لبنان وسوريا .
مجمل القول أننا في هذه المسألة بالتحديد حيال معادلة عبثية، كمثل المعادلات القبلية العصبوية . تجسد ذلك، إذ تمكن المستعمرون بمعاونة رجال دين تشبعوا بالنفط حتى الثمالة، من تحريف الرسالة المحمدية وإفراغها من جوهرها الروحاني والتهذيبي . ثم جعلوا منها عقيدة إسلامية لتجنيد الغوغاء خدمة لمشروع الدولة اليهودية الإستعمارية في فلسطين، واعتراضا بالقول والفعل الإجرامي، ضد مشروع إسلامي على النقيض من المشروع الإسرائيلي، يهدف إلى استنهاض الناس على أساس معتقد ديني ايضا، في إطار حركة تحرر إسلامية ضد المستعمرين الإسرائيليين .
لا منأى في ختام هذا الفصل عن إختصار الأوضاع ليس في سوريا فحسب ولكن على صعيد المنطقة، وفي الأماكن التي تتفجر فيها الثورات بموازاة زيارات وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى فلسطين المحتلة، بما هي نتيجة لمحاولة تنفيذ مشروع يهودية الدولة في فلسطين . الذي لم يعد يعترضه في الراهن، سوى المقاومة اللبنانية في لبنان وسوريا وبعض الفصائل في قطاع غزة ! بكلام صريح وواضح إن عنوان المرحلة هو أن تكون او لا تكون مع «الدولة اليهودية» في فلسطين . أن ما يسمى «الثورات» ليست سوى وهم وخداع لنشر الفوضى الملائمة لتحقيق مثل هذه الدولة .