نادين شمس والموت الجوال !

د. أحمد الخميسي

 

هناك وجوه تبقى في الذاكرة أطول من وجوه كل الذين اكتشفوا أهم القوانين العلمية أو الفضاء الشاسع أوأعماق البحار. وجوه تبرز نوعا نادرا من بطولة تحاول بابتسامة عذبة أن تتخطى الأسى العميق. رحلت نادين شمس عن اثنين وأربعين عاما يوم السبت 22 مارس وتركت لنا صورتها بنظرة عينيها الواسعتين المشبعتين بحزن رقيق وأمل خافت. خطأ طبي في مستشفى خاص كبير بالقاهرة أودى بحياة الكاتبة والمؤلفة الشابة. خطأ طبي أيضا كاد منذ شهر أن يودي بحياة علاء خالد صاحب مجلة أمكنة في مستشفى خاص كبير في الإسكندرية. يتجول الموت حرا طليقا في بلادنا، ويختطف الزهور واحدة بعد الأخرى، من الشوارع والحقول ومن المستشفيات، ويموت الإنسان هناك حيث ينبغي أن ينجو! وليست حادثة نادين المفجعة استثناء، ففي الأول من مارس الحالي حطم الأهالي مستشفى إمبابة العام واعتدوا على الأطباء بعد وفاة مريض عن طريق الخطأ. شاعت هذه الحوادث متجاوزة “الخطأ” الفردي إلي خطيئة الدولة عامة فيما يخص وضع المصريين الصحي، فالدولة عمليا لا تمارس أي نوع من الرقابة على المستشفيات الخاصة، وذلك منذ العمل بسياسة خصخصة القطاع الصحي و طرح صحة المصريين سلعة في السوق. على المستوى العام فإن الانفاق الحكومي على الصحة لا يتجاوز أربعة بالمئة بينما يصل ذلك الانفاق في بلد مثل لبنان إلي 12.2% من اجمالي الناتج القومي! وفي ظل تلك الميزانية الهزيلة تتحول المادة الثامنة عشر من الدستور إلي عبارات إنشائية بنصها الموقر” لكل مواطن الحق في الصحة والرعاية الصحية المتكاملة”. أدت تلك الميزانية الضئيلة إلي تدهور غير مسبوق في الخدمات بلغ حد خلو أقسام الطواريء في الصعيد من أبسط الأدوات الطبية كالترموتر والشاش والإبر! ولجوء المريض لشراء كل ما يلزمه بنفسه بحيث أصبح المواطن يتحمل أكثر من ستين بالمئة من تكاليف علاجه.

بسبب السياسة الحكومية يتجول الموت حرا في بلادنا حتى أصبحت مصر تشغل المرتبة الأولى بين دول العالم من حيث الإصابة بفيروس سي بنسبة 15% من المصريين، أما الربو الشعبي فإنه يلتهم صدور نحو عشرة بالمئة من السكان، غير نسبة الفشل الكلوي المرتفعة أعلى من أي دولة أخرى. أصبحت مصر في أمس الحاجة إلي سياسة جديدة بعين جديدة ترى واقع صحة المصريين. وعندما نتحدث عن الصحة فإن ذلك المفهوم حسب المواثيق الدولية لا يشمل حق المواطن في العلاج فحسب، بل يمتد إلي الحق في السكن الصحي والبيئة النظيفة والمياه النقية. وعندما تتذرع الحكومة والدولة بأن مصر بلد فقيرة غير قادرة على الإنفاق من عرق الشعب على صحة الشعب، فعلينا أن نذكرها بما أظهرته قائمة ” فوريس” مؤخرا من أن ثروات رجال الأعمال في مصر زادت مؤخرا رغم كل الأوضاع السياسية المتقلبة، وبلغ مجموع ثروات ثماني من رجال الأعمال المصريين أكثر من اثنين وعشرين مليار دولار، أي ما يتجاوز مئة وستة وخمسين مليار جنيه! هذا في الوقت الذي تنفق فيه نحو 85 % من الأسر المصرية أقل من ألفي جنيه شهريا.

من دون سياسة جديدة في مجال الصحة تشتمل على رقابة صارمة على المستشفيات الخاصة سيظل الموت شابا تتجدد قواه في بلادنا، يختطف أجمل العيون وأجمل العقول من الشوارع والحقول ومن على أسرة المستشفيات، وستظل نظرة نادين شمس المشبعة بالحزن والأمل تطارد ضمائرنا بالعتاب واللوم.

***

أحمد الخميسي. كاتب مصري