حول قلب المفاهيم والثورة بمعناها السيء: اعترافات من عزمي بشارة

بسام الحكيم

لا ريب أن للأزمة السورية مزايا وحسنات (على ندرتها) ولكنها من الأهمية بمكان يدفعنا للتوقف ملياً عندها والإشارة إليها, فكثرة اللغط الذي أحدثته هذه الأزمة حول الكثير من المفاهيم التي كنا نعتبرها مسلمات أو بديهيات شكّل حافزاً لمراجعة شاملة لهذه المفاهيم التي اختلط فيها الحابل بالنابل والحق بالباطل. من هذه المفاهيم مفهوم “الثورة” بحد ذاته حيث كنا نعتبر أن مطلق لفظ ثورة هو أمر حميد دائماً قبل أن تكشف لنا الأزمة بسوريا كمّ الخبث والسرطنة التي من الممكن أن يحملها هذا المفهوم خصوصاً بعد مراجعتنا لمعظم الحركات الثورية التي قامت في العالم واكتشافنا أن هذه الحركات تكثر في البلدان المتخلفة أو ما يُسمى بالعالم الثالث وتندر في العالم المتقدم حيث أن أكثر العالم تطوراً وإزدهاراً اليوم لم يعرف تاريخ شعوبه كله أي من الثورات (الدول الاسكندنافية كمثال). قد أقوم في دراسة لاحقة بتقديم بحث موسع للحركات الثورية في العالم وكون معظمها ساهم بشكل أو بآخر في تأخر المجتمع بدل تقدمه, ولكني هنا سأركز على مفهوم آخر قلبته الأزمة السورية رأساً على عقب, وهو النظر للدور الذي يقوم به المثقفين والمفكرين بالمجتمع على كونه دور ريادي يدفع باتجاه تقدم هذا المجتمع وازدهاره, حيث أثبتت أزمتنا في سوريا أن هؤلاء الذين كنا نعوّل عليهم في نهضة المجتمع هم مجرد رعاع يستطيع أي شيخ بدوي نفطي شراءهم بحفنة من دراهم وريالات تحوّل الملحد منهم لإخونجي يتحدث عن الوعي السنّي والعلوية السياسية كصادق العظم أو تجعل من محاضر في السوربون كبرهان غليون يُشيّر بوستات أبو جعفر المغربل على صفحته في الفيسبوك!!! موضوع هذه الدراسة هو المفكر العربي عزمي بشارة ضيف محطة الجزيرة القطرية ومبيّض صفحتها شبه الدائم, فقد أصدر هذا المفكر كتاباً قبل بضعة أشهر من مركزه للأبحاث والدراسات في دوحة حمد سابقاً وتميم ابن موزة لاحقاً عنوانه “سورية: درب الآلام نحو الحرية” ادعى فيه أنه يؤرخ لسنتين من عمر ثورة وصفها بأنها مجيدة بكل المعاني, أي منذ آذار 2011 وحتى آذار 2013. بصرف النظر عن استخفاف هذا العزمي بعقولنا حين قدم نفسه كباحث حيادي وهو الذي يعتاش على الدعم القطري (المموّل الوحيد لمركز أبحاث هذا المفكر والمموّل الرئيسي للحرب في سوريا) وبصرف النظر عن تخصيصه لعشرين صفحة من الكتاب للدفاع عن الدور القطري في الأزمة السورية واقناعنا بأن قطر لم تدخل الحرب السورية إلا بعد خيبة أملها من إصلاحات النظام, وبغض النظر عن إفراده للعديد من الصفحات أيضاً بغية إقناع القارئ باستقلالية محطة الجزيرة وبكوننا نحن السُذّج نخلط بين الدولة في قطر وبين محطة الجزيرة!!! بغض النظر عن كل هذا وعلى الرغم من كون الكتاب يتبنى بشكل كامل الروايات المعروفة للمتثورنين السوريين من كون الإحتجاجات بدأت سلمية ومطالبها إصلاحية بسيطة لم يترك لها قمع النظام الوحشي خياراً سوى مواجهته بالسلاح وتحويل سقف المطالب من مجرد القيام ببضعة إصلاحات إلى رحيل النظام عن بكرة أبيه, إلا أن قيامنا بالبحث والتمحيص بين دفتي الكتاب قادنا إلى الوقوف على إعترافات خطيرة تنسف مصداقية الثورة من أساساتها وتفضح خبث المثقف أو مُدّعي الفكروية العروبية حين يقوده برميل نفط كحمد قطر أو ابنه تميم. قمت بتفريغ بعض من اعترافات هذا المتفكّر الخليجي الواردة في كتابه والذي قاربت صفحاته الـ 700 صفحة والتي تتطابق مع رواية النظام لسير الأزمة في سوريا وقد يُخيل لبعضكم أن كاتبها هو المحرر السياسي لقناة الدنيا أو سما وليس عزمي بشارة بشحمه وكرشه لما فيها من فضائح لما وصفها هو نفسه بالثورة المجيدة, وفي إعتقادنا أن السبب الرئيسي الذي جعل عزمي يورد هذه الفضائح في كتابه هو قناعته بأن أحداً لن يقرأ كتابه هذا وإذا ما حدث وقرأه أحد فستكون هذه الإنتقادات والملاحظات على الثورة هي دليل على حيادية عزمي ومركزه البحثي. مما ورد بالكتاب: – حماية التظاهرات كان حجة لتبرير حمل السلاح وبشكل رجعي, إذ لم يكن الهدف من حمل السلاح حماية التظاهرات ولا كان ممكناً أن يكون, إنما طرح هذا الأمر كتبرير لحمل السلاح. ص 164-198 – الدعوات للتظاهر كان معظمها يتم من قبل أشخاص مقيمين خارج سوريا. ص 74 – كل ما قيل عن حرق أو قلع لأظفار الأطفال في درعا كان مجرد شائعات ومبالغات غير صحيحة استغلت لأغراض سياسية تعبوية من قبل الثوار. كما أن الأطفال ليسوا من كتب الشعارات على الجدران فأغلب الشهادات تؤكد أن لا علاقة للأطفال بهذا الأمر, إنما إعتقالهم جاء على خلفية رميهم أحد مراكز الشرطة بالحجار والزجاجات الحارقة ص 82 – 84 – شهود العيان كانوا يبالغون ويعملون على التحريض الطائفي إضافة إلى أن شاهد العيان قد يكون موجود في باريس. ص 14 – أغلب الذين حملو السلاح كانوا من المدنيين لا من الجنود أو الضباط الفارين خلافاً لما ادعاه الناطقون باسم الثورة, إنهيار هيبة النظام أدى لسلوك انتقامي تمثل بالهجوم على المراكز الأمنية وقتل 120 عنصر في جسر الشغور بينما تستر الإعلام المؤيد للثورة على هذه الحادثة وانطلقت تصريحات إعلامية وبيانات تتهم الجيش بقتل جنوده, وقد ساهمت وسائل الإعلام العربية المؤيدة للثورة في هذا التضليل ص 163 – 194 – 195163 – 194 – 195 – إنكار المظاهر المسلحة أصبح بحاجة إلى لافتة أو جسم سياسي يُشرعن الانتقال إلى العسكرة, وقد شكل الإعلان عن تشكيل الجيش الحر هذه اللافتة, وأصبح هذا الجيش غطاءً عريضاً لكل أشكال التسليح الفردية والأهلية في مواجهة القوات الحكومية, وبدأت الصحافة تبحث عن تصريحات لقادة هذا الجيش وكأنهم يعرفون ما يجري على الأرض بينما كان هؤلاء الضباط يتحدثون من اسطنبول عن أمور سمعوا عنها من الإعلام. ص 197 – الهتافات الطائفية بدأن في درعا ودوما واللاذقية وحمص منذ اليوم الأول للتظاهرات, فسمعت هتافات مثل “لا إيران ولا حزب الله بدنا رئيس يخاف الله” وهتاف ” بدنا نحكي عالمكشوف, علوية ما بدنا نشوف” ص 86 – 112 – 124 – 125 – قيام المعارضة المسلحة بعمليات خطف وقتل واغتيال طائفي لعمال وموظفين ومثقفين وعلماء. ص 374 – 375 – 441374 – 375 – 441 – اتهمت وسائل الإعلام المؤيدة للثورة النظام بقتل الصحافي الفرنسي جيل جاكيه, بينما في حقيقة الأمر أنه قتل عندما أطلق مسلحون معارضون قذائف أر بي جيه على مسيرة مؤيدة للنظام, ص 441 – لم توجه وسائل الإعلام أي نقد لممارسات الثورة ومن ضمن هذه الممارسات أعمال مُشينة. ص 441 – بينما كان هشام إختيار يُفاوض أهل درعا بلغه أن المتظاهرين أحرقوا القصر العدلي وكسروا زجاج المشفى الوطني. ص 88 – في الربع الأخير من عام 2010 قامت الحكومة بحملة أمنية لملاحقة المطلوبين في قضايا جنائية وإقتصادية استهدفت بشكل خاص مهربيّ المازوت في دير بعلبة وبابا عمرو والسلطانية وحي عشيرة وجوبر, وسنجد أن هذه الأحياء كانت السباقة للإنخراط في الاحتجاجات الشعبية وستكون هذه الأحياء أيضاً أول من حمل السلاح بوجه النظام في حمص. ص 110 – أغلب المناطق التي انتفضت في حمص هي مناطق تهريب وذات طبيعة عشائرية, وقد موّل سعد الحريري عمليات تهريب الأسلحة إليها. ص 120 – لم يكن الاستقطاب الطائفي وليد انتفاضة الشعب السوري في حمص, ففي عام 2006 قام ثلاثة رجال بذبح عنصر من الأمن السياسي من الطائفة العلوية داخل جامع باب الدريب وهربوا إلى السعودية, كما كان شبان علويون يتعرضون للضرب في الأحياء ذات الأغلبية السنية. ص 121 – قام محمد علي البياسي (أحد العاملين مع عبد الحليم خدام) بتسليح المتظاهرين ببانياس فقدم 30 روسية و 2 رشاش و 2 قواذف و 6 بومباكشن. ص 192 – كان الجيش الحر يتبع استراتيجية غريبة عجيبة, كان يقوم باقتحام مدينة فيتبع ذلك خروج قوات النظام منها وقصفها من الخارج, فتنشأ قضية لاجئين جديدة ومن ثم ينسحب الجيش الحر من هذه المدينة ليُهاجم مدينة أخرى وفقاً لما يُسمى إنسحاب تكتيكي. ص 205 – هناك أعمال سرقة ونهب وسطو مسلح قامت بها كتائب للجيش الحر. ص 210 – إن سقوط مدينة الرقة بسرعة خيالية كان بسبب استقبالها للشباب النازح من ريفي دير الزور وحلب حيث شارك هؤلاء الشبان بفاعلية بالاستيلاء على المقرات والمراكز الأمنية داخل المدينة. ص 222 – عمل الإعلام الرسمي على ضرب صدقية وسائل الإعلام المؤيدة للثورة عبر عرضه أشخاص كانت وسائل الإعلام العربية قد تناقلت أخبار وفاتهم على أيدي قوات الأمن!!! ص 242 – كان النظام يعتبر الثورة مؤامرة قطرية سعودية تركية أميركية على الرغم من تأخر دول الخليج وأمريكا في دعم هذه الثورة!!! ص 246 – ظهرت حالة من الشحن الطائفي زاد في حدتها بعض المتحدثين باسم الثورة كمأمون الحمصي ورجال دين معروفون منهم الشيخ القرضاوي الذي حمّل بإحدى خطبه مسؤولية ما يحدث بسوريا لطائفة الرئيس, كما ساهم في إذكاء الشحن الطائفي قنوات كان تبث من الخليج كصفا ووصال الين تبثان من السعودية. ص 319 – شكل الشيخ العرعور ظاهرة شعبوية خطرة ممولة من السعودية تراهن على إثارة الغرائز الطائفية والمذهبية. ص 320 – في أوائل نيسان هاجم مسلحي المعارضة حافلة مبيت عسكرية في بانياس وقتلوا مواطن يُدعى نضال جنّود من الطائفة العلوية ومثّلوا بحثته وقطعوا أعضائه الذكورية. ص 323 – لا علاج لذلك في رأينا إلا حل بقمع الأعمال الطائفية بالقوة بداية. ص 329 – اتجهت مجموعات مسلحة إلى السلفية كبراغماتية تقرباً من المانحين. ص 364 – لم ينجح هيتو في تأليف الحكومة بسبب مقاطعة السعودية ومن يؤيدها, وتبين مرة أخرى هشاشة المعارضة السورية ودرجة ارتباطها بالقوى الخارجية. 414 – شكلت خطوة جامعة الدول العربية منح مقعد سوريا للإئتلاف مفاجأة لكثيرين, وكانت مخالفة لنظام الجامعة العربية. ص 415 – لم تُظهر المحطات الفضائية العربية أي انحياز للثورة, وبدت في حينه محطة الـ BBC الأكثر انحيازاً للثورة, وتعرضت محطتي الجزيرة والعربية لانتقادات من قبل الثوار بسبب تجاهلهم للاحتجاجات!!! ص 434 – نظم الناشطون تظاهرات سريعة بهدف التصوير فقط وبث خبر عن خروج تظاهرة في دمشق, وهو خبر مهم معنوياً لكن من يبحث عن هذه التظاهرة لا يجدها. ص 439 – مع استمرار الثورة بدا وكأن الجزيرة والعربية جعلت من هذه الثورة قضيتها, وذلك بالمعنى الحزبي العصبوي فنشرت أخبار المعارضة من دون فحصها وتبين أن بعضاً منها على الأقل كان كاذباً, فمثلاً تبنت هذه المحطات رواية غير صحيحة إطلاقاً عن مقتل 120 جندي سوري في جسر الشغور لأنهم حاولوا الإنشقاق والحقيقة كانت أن الثوار هم من قتلوهم في هجوم على المراكز الأمنية في المدينة, وذلك قبل مرحلة الكفاح المسلح في الثورة السورية, واتهمت كذلك النظام بقتل العديد من الشخصيات العلمية في حمص لكن حقيقة الأمر أن مسلحين معارضين هم من قاموا باغتيالهم. ص 440 – كانت تجري عمليات تصفية لموظفين حكوميين أو رئيس اتحاد فلاحين أو مؤسسة حكومية ما دام مؤيداً للنظام. ص 441 – أقامت تركيا مخيمات للاجئين السوريين على أراضيها على الرغم من عدم وجود مواجهات عسكرية تستدعي هذا اللجوء. 499 – السعودية دولة ملكية محافظة ليس فيها أي هامش للديمقراطية وحرية التعبير. ص 535 – لم يتفاعل الشارع السعودي مع أي ثورة عربية كما هو الحال مع الثورة السورية, ويمكن القول أن البعد الطائفي كان حاضراً لا سيما عند رجال الدين حتى أن مقولة النظام النصيري كانت رائجة في الشارع السعودي عند توصيف النظام السوري. ص 539

أخيرا يمكننا أن نختم بقول للكاتب السوري نبيل صالح الذي أصدر كتابين حول الحرب السورية حيث يقول في أول جملة من كتابه: “المختصر المفيد في حرب الشعب السوري العنيد” : السوريون يموتون من قلة المعرفة..

:::::

المصدر: موقع “الجمل”

http://www.aljaml.com/node/106126